إشعاعات هيجل في إنجلترا وأمريكا
دراسة في الامتداد الفلسفي،
والتحولات الفكرية، والدلالات النفسية والاجتماعية
تمهيد عام: راهنية هيجل وإشكالية الحضور الشامل
تُعدّ فلسفة هيجل من أكثر الفلسفات الحديثة تعقيدًا ونفوذًا، ومن أخصبها أثرًا في تشكيل الوعي الفلسفي الأوروبي والغربي بعامة. فهي ليست مجرد مذهب فلسفي من بين مذاهب متعددة، بل تشكّل – بحق – نقطة انعطاف كبرى في تاريخ الفكر، وعتبة لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها، سواء أكان الموقف منها موقف قبول أم رفض. ذلك أن الهيجلية لم تترك حقلًا من حقول الفلسفة إلا ومرّت به، ولم تُثر مسألة إلا وأعادت صياغتها ضمن أفق جدلي شامل.
إن الاشتغال بالفلسفة الحديثة والمعاصرة يضع الباحث، شاء أم أبى، في مواجهة هيجل: في المنطق، في الميتافيزيقا، في فلسفة التاريخ، في الاجتماع، في السياسة، في الأخلاق، بل وحتى في علم النفس وفلسفة الوعي. ومن هنا ينبع ذلك الإحساس الخفي لدى الدارسين بأن الهيجلية تشكّل المحور الصامت الذي تدور حوله خطابات الفلاسفة، حتى أولئك الذين أعلنوا القطيعة معها.
الفصل الأول: الطبيعة الكلية للفلسفة الهيجلية ومنهجها الجدلي
وحدة الفلسفة واستحالة التجزئة
تتميّز الفلسفة الهيجلية بخاصية جوهرية قلّما نجد لها نظيرًا في فلسفات أخرى، وهي رفضها القاطع للتجزئة. فالهيجلية ليست مجموعة أطروحات مستقلة يمكن تناول كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل هي بناء كلي عضوي، تتساند فيه الأجزاء كما تتساند أعضاء الكائن الحي.
ولهذا، فإن أي محاولة لدراسة جانب واحد من فلسفة هيجل – كفلسفة التاريخ أو الدولة أو الوعي – دون استحضار النسق الكامل، محكوم عليها بالقصور، إن لم تكن محكومة بسوء الفهم. فالمنطق يقود إلى الطبيعة، والطبيعة تفضي إلى الروح، والروح تنفتح على التاريخ، والتاريخ يبلغ اكتماله في الدولة بوصفها تجلي العقل في الواقع.
الجدل بوصفه منطق الواقع والتاريخ
ليس الجدل عند هيجل مجرد أداة منهجية أو تقنية تفكير، بل هو قانون الوجود ذاته. فالحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، ولا تُدرَك في معطى ساكن، وإنما تتكشف عبر صراع التناقضات وتجاوزها (Aufhebung). ومن هنا تتحدد الفلسفة الهيجلية بوصفها اعتراضًا جذريًا على كل يقين دوغمائي، وكل فكر توكيدي مغلق.
الفصل الثاني: هيجل بعد وفاته – بداية الإشكال لا نهايته
وفاة هيجل وبداية «مشكلة هيجل»
بوفاة هيجل سنة 1831 (إبان تفشي وباء الكوليرا)، لم تُطوَ صفحة فلسفته، بل على العكس، بدأت مشكلة هيجل بالمعنى الدقيق للكلمة. فقد تحوّلت فلسفته إلى ميدان صراع تأويلي، وموضوع لاجتهادات متباينة، بل متناقضة أحيانًا.
وتزايد الاهتمام بها في ألمانيا، لا بوصفها فلسفة مكتملة، بل بوصفها مشروعًا مفتوحًا، قابلًا لإعادة القراءة وإعادة التوظيف، سواء في الاتجاه المحافظ أو الثوري.
القطيعة مع الذاتية الحديثة
جاءت فلسفة هيجل نقدًا جذريًا للمركزية الذاتية التي سادت الفلسفة الحديثة منذ ديكارت. فـ«الأنا أفكر» الديكارتية، و«الأنا المطلقة» عند فيخته، و«الذات الأخلاقية المعزولة» عند كانط، كلها تمثّل – في نظر هيجل – أشكالًا من الاغتراب.
في مقابل ذلك، أعاد هيجل الاعتبار إلى التاريخ بوصفه الأفق الذي يتكوّن فيه الوعي الإنساني، فلا حقيقة خارج التجربة التاريخية، ولا وعي بمعزل عن مسار الجماعة البشرية.
الفصل الثالث: التاريخ، الدولة، وروح الشعب
التاريخ بوصفه تجلي العقل
التاريخ عند هيجل ليس سردًا للأحداث، بل هو مسار عقلاني تتجلى فيه الفكرة عبر الشعوب والدول. فالعقل لا يبقى حبيس الفكر، بل «يخرج من ذاته» ليتموضع في العالم، ويتحقق في المؤسسات، والقوانين، والأعراف.
وهنا تتلاقى الفلسفة بالتاريخ، وعلم النفس الاجتماعي بفلسفة الدولة، حيث يتحرر الوعي الفردي من عزلته ليندمج في «نحن» الجماعية.
الدولة كتحقق للحرية
ليست الدولة عند هيجل جهاز قهر، بل هي الشكل الأعلى لتنظيم الحرية. ففيها تتجاوز التناقضات بين الفرد والجماعة، وبين الخاص والعام، وتتحقق روح الشعب بوصفها حضور الفكرة في الواقع.
الفصل الرابع: الهيجلية في إنجلترا – من المثالية الدينية إلى الثورة النقدية
السياق البريطاني واستقبال الهيجلية
دخلت الهيجلية إلى إنجلترا في سياق فكري كان يهيمن عليه المذهب التجريبي والنزعة الوضعية. وكان تأثيرها في البداية محدودًا، ومحصورًا في الأوساط الأكاديمية والدينية.
لعب كولريدج دورًا تمهيديًا، ثم جاء بنيامين جويت، وفيريار، وجرين، والأخوان كيرد، ليؤسسوا ما عُرف لاحقًا بالمثالية البريطانية.
برادلي وبوزانكيه: الثورة على التجريبية
شكّل برادلي وبوزانكيه ذروة التأثير الهيجلي في إنجلترا. فقد قادا ثورة نقدية ضد التجريبية الضيقة، وضد النزعة النفسية في المنطق، وضد الوضعية الاختزالية.
غير أن الهيجلية البريطانية ظلت – في نظر كثيرين – هيجلية منقوصة، إذ رفضت الجدل بمعناه الصارم، واكتفت باستلهام بعض نتائجه دون التزام كامل بمنهجه.
الفصل الخامس: هيجل في أمريكا – بين المثالية والبراغماتية
البدايات: من إيمرسون إلى مدرسة سانت لويس
عرفت أمريكا هيجل عبر المثالية الألمانية، خاصة من خلال إيمرسون، ورويس، وهاريس، ومدرسة سانت لويس، حيث تُرجمت أعمال هيجل، ونُشرت نصوصه في الصحافة الفلسفية.
التوظيف السياسي للهيجلية
لعبت الهيجلية دورًا مهمًا في تبرير فكرة الدولة الاتحادية بعد الحرب الأهلية، حيث استُخدمت مفاهيم الروح الموضوعية والدولة العقلانية لتأكيد الوحدة الوطنية.
من هيجل إلى البراغماتية
رغم الهجوم الذي شنّه وليم جيمس على الهيجلية، فإن أثرها ظل حاضرًا في فلسفة جون ديوي، سواء في منطقه أو في تصوره للتجربة. فالبراغماتية، وإن بدت نقيضًا للهيجلية، مدينة لها في كثير من أدواتها النقدية.
الفصل السادس: هيجل في الفكر المعاصر – عودة الحاجة إلى النسق
مع صعود البنيوية، وإعادة النظر في فكرة «الممارسة»، عاد الاهتمام بهيجل بوصفه فيلسوف التنظيم والبناء النسقي. فالتجربة العمياء لم تعد كافية، وأصبح الإعداد البنيوي والتخطيط العقلي شرطًا لأي ممارسة ناجحة.
وهنا تظهر الهيجلية بوصفها فلسفة الإدارة العقلانية، والتنظيم المؤسسي، واستباق الفوضى، لا بوصفها مجرد ميتافيزيقا مثالية.
خاتمة: هيجل معنا – الفلسفة كتنظيم للعالم
هيجل ليس فيلسوف الماضي، بل مفكر الحاضر والمستقبل. فلسفته ثورة في التنظيم، في الإدارة، في فهم التاريخ، وفي إدراك العلاقة بين الفرد والمجتمع. وكلما ازدادت تعقيدات العالم، ازدادت الحاجة إلى فكر كلي، جدلي، قادر على احتواء التناقضات دون تبسيط أو اختزال.
إن إشعاعات هيجل في إنجلترا وأمريكا ليست مجرد انتقال أفكار، بل هي تحولات عميقة في بنية العقل الغربي، ما زالت آثارها تعمل فينا حتى اليوم.
مراجع
1. هيجل، فينومينولوجيا الروح.
2. هيجل، مبادئ فلسفة الحق.
3. برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية.
4. F. H. Bradley, Appearance and Reality.
5. Josiah Royce, The Spirit of Modern Philosophy.
6. Herbert Marcuse, Reason and Revolution.
7. James Mark Baldwin, History of Psychology.
إشعاعات هيجل في إنجلترا وأمريكا دراسة في الامتداد الفلسفي، والتحولات الفكرية، والدلالات النفسية والاجتماعية
الناشر :مدونة فكر أديب
-
