أعقلها و توكل
مدير جامعة الاسكندرية يدخل معركة تحديد النسل ، و يهاجم آراء الشيخ حسنين مخلوف .
نشرت الجيل الجديد في عددها الأخير مقالا لفضيلة الأستاذ السيد حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية ، يزعم غيه أن فكرة تحديد النسل أو تنظيمه فكرة غربية ، و فدت إلى بلادن ن و تخفي وراءها خبيثا ، ليس من مصلحة الشعوب الاسلامية نصا و روحا .
و قد أدهشني قول فضيلته أ، الفكرة غريبة ، مع أن المسلمين حتى في عهد النبي كانوا يعرفون تحديد النسل أو تنظيمه ، ووسائل منع الحمل و يمارسونها ، و قد جاء ذكر ذلك في كثير من كتب الدين .
و بين يدي و انا أكتب ردي هذا كتاب " إحياء علوم الدين " لحجة الاسلام الغزالي ، المطبوع في القاهرة بالمطبعة العثمانية سنة 1933 ، ففي الجزء الثاني صفحة 47 و ما يليها يتحدث حجة الاسلام هم العزل ، و هو وسيلة من الوسائل المعروفة لمنع الحمل ، فيقول :
و اختلف العلماء في اباحته و كراهته على ا{بعة مذاهب ، فمن مبيح مطلقا بكل حال ، و من محرن بكل حال ، و من قائل بحل برضاها و لا يحل دون رضاها ، و من قائل و يباح في المملوكة دون الحرة ، و الصحيح عندنا في ذلك مباح .
ثم يمضي الغزالي في شرحع الأسباب التي جعلته يرى الاباحة ، فيقول أ، العبرة بالنية أو السبب الذي من أجله يريد الرجل تنظيم النسل ، و هو يرى أن هناك ثلاثة أسباب من أجلها يباح اتخذ الوسيلة لمنع الحمل :
1 – النية الولى في السراري ، و حفظ الملك باستحقاق العتاق
2 – الثانية : استبقاء جمال المرأة لدوامن التمتع و استبقاء حياتها خوفا من الطلق .
3 – الثالثة ( و هي بيت القصيد ) الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الولاد ، و الاحتراز من الحاجة إلى التعب ف الكب و دخول مدخل السوء .
اسلامي صميم
و هكذا يرى القراء أن موضوع تحديد النسل أو تنظيمه ليس من البدع الغريبة ، بل هو موضوع اسلامي صميم ، تحدث فيه ميعه الفقهاء الذين عالجوه ، و اختلفوا فيه ففريق أباحه اطلاقا ، و فريق أباحه بشروط ، و فريق رآه مكروها ، و البعض حرمه .
فمن اعجب العجب بعد هذا كله أن يزعم شخص محترم مثل المفتي الحالي للديار المصرية أن هذا أمر وفد إلى مصر فيما وفدد إليها من الآراء الغربية ، و أنا لا أستطيع أن أتوهم أن فيلته لم يطالع كتاب الغزالي و أمثاله من الكتب ، بل أنا واثق أنه ملم الماما تاما بهذا الموضوع ، ولكنه لأمر ما رآه أبى أ يتحدث إلى القراء بفتوى صريحة في هذا الأمر .
علماء أمناء
و لكن كان السيد المفتي الحالي يزعم أن تحديد النسل بدعة غربية ، فقد سبقه في دار الافتاء علماء أمناء لم يقولوا عنه انه بدعة عربية ، بل أدلوا بفتوى صريحة في إباحة منع الحمل ، فققد توجه كاتب هذه السطور على الشيخ الجليل عيد المجيد سليم مفتى الديار المصرية في سنة 1937 و وجه إليه السؤال التالي :
مل قول فضيلتكم فيما يأتي :
رجل متزوج رزق بولد واحد ، و يخشى إن هو رزق أوردا كثيرين أن يقع في حرج من عدم قدرته على تربية الولاد ، أو تسوء صحته بضعف أعصابه عن تحمل واجباتهم و متاعبهم ، أو تسوء صحة زوجته لكثرة ما تحمل و تضع ،دون أن تمضي بين الحمل و الحمل فترة تستريح فيها ، و تسترد قوتها .
" فهل له أو لزوجته أن يتخذ بعض الوسائل الي يشير بها الأطباء ، فيتجنب كثرة النسل ، بحيث تطول الفترة بين الحمل و الحمل ،فتستريح الأم و لا يرهق الوالد "
و قد تفضل فضيلة المفتي فأرسل لي الرد بما يفيد الإباحة المطلقة ، سواء برضى الزوجة أو بغير رضاها ، و اتخاذ الاجراءات التي تؤدي إلى منع التولد ، و قد اشتهرت هذه الفتوى و نشرتها الصحف و المجلة الطبية المصرية ، و ترجمت إلى اللغات الأجنبية ، و اشاد الغربيون بأن لاسلام دين عصري برئ من الجمود و الرجعية ، و أجو أن تتاح لي الفرصة قريبا لكي أنشر نص هذه الفتوى بمجرد طبعها عل الزنك .
حقيقة لن تنكر
صحيح ان رأي فضيلة الأستاذ الشيخ الأكبر لا يقيد المفتي الحالي ، و لكن الأمر الذي لا شك فيه عو أ، تنظيم النسل ، و منع الحمل من الموضوعات الاسلامية الصميمة ، و لا يجدينا شيئا أن ننكر هذه الحقيقة .
و مثاله الأستاذ الفاضل السيد حسنين مخلوف تحمل في طياتها ما يدل على أن الموضوع اسلامي و ليس بغربي ن لأنه يقو في سياق حديثه :
" نعم يباح لبعض الأفراد اتخاذ الوسائل الممكنة لمنع الحمل في حوادث فردية "
فقله هذا يدل على أن للدين رأيا في هذا الموضوع ، وأنه بالتالي من المسائل الاسلامية ، و لم يرد فضيلته أن يقول لنا شيئا عن معنى " الحوادث الفردية " التي تبيح منع الحمل ، و كان جديرا به أن يفيض فيها كما أفاض الغزالي و أن يذكر لنا منها خوف الحرج من كثرة انسل كما قال حجة الاسلام ، إذن لأمكن لفضيلته أن يظهر القراء على ما يهمهم من خبرة القادرين على تبصيرهم بها
أين هم و القانون ؟
و يشير فضيلته إلى " قانون عام تضعه الدول في تنظيم النسل ، و تخضع له الة بأسرها ، و مع إنني لست من رجال الدولة ، فإني لا أتصور أن دولة شرقية أو غربية تفكر في وضع قانون عام في هذا الأمر ، و لست أدري من أين سمع فضيلته بمثل هذا القانون ، فإن ككل ما عملته الدول التي يهمها امر مشكلة الازدياد السريع للسكان مع الهبوط في مستوى المعيشة ، و ضيق الرزق ، أن تؤلف مجلسا لكي ينظر في معالجة هذه المشكلة ، بمختلف الوسائل ، و منها تنمية الموارد الاقتصادية في الزراعة و الصناعة و التجارة ، و من لك الوسائل أيضا تبصير الناس بما يبيحه الديم من تنظيم الولادة حتى لا يقع الآباء في الحرج .
أعقلها وتوكل
كذلك لا أدري كيف يتصور أحد لا أدري كيف يتصور أحد أن تنظيم النسل معناه نقص عدد السكان ، لأن حب الذرية أمر مفروض في طبع الإنسان ، و البنون بلا شك زينة الحياة و زهرتها ، و لذلك نريد لهم عيشة رغدا و تربية كاملة ، ، و لذلك نرى أن يكن عددهم متمشيا مع الأرزاق التي أتاحها الله لنا .
صحيح أن التوكل على الله فضيلة عظيمة ، و لكن من الفضيلة أيضل أن أعقلها وأتوكل .
جيش من المرضى و الجائعين
وة قد أشار الأستاذ الفاضل إلى أن ازدياد السكان لازم لمكافحة الاستعمار ، و هذا صحيح إذا أ{يد به ازدياد السكان العاملين ، لا العاجزين الذين طحنهم الفقر و الجهل و المرض ، فالطريق الصحيح إلى مكافحة الاستعمار هو أن نبرئ شعبنا من هذه الوصمات بجميل الوسائل ـ و منها تنظيم نمو السكان ، أما أن يزداد سكان مصر كل عام نصف مليون من الأنفس العاجزة المريضة الجائعة الجاهلة ، فإن هذا لا يعدو أن يكون عبئا ثقيلا على كاهل الأمة يحول دون تقدمها و رقيها ، و أفضل من هذا ، و أجدى أن يزداد السكان بنسبة معقولة ، و أن يعيشوا في يسار و علم و قوة ، فإن آلاف العاجزين لا تقاس بغرد واحد من القادرين ، و قد قال الله سبحانه و تعالى " و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترحبون به عدو الله و عدوكم " و لم يقل سبحانه و تعالى أعدوا لهم جيشا من المرضى و الجائعين و الجهال .
أدعو الله أن يهدينا جميعا سيبيل الرشاد .
