بين البازلت والإنسان
حين يهدم السجين الحجر… ويُهدم معه المستقبل
ليس السجن جدرانًا من حجر، ولا القيود حديدًا يطوّق المعاصم فحسب، بل هو قبل ذلك كلّه حالة نفسية واجتماعية تتشكّل داخل الإنسان، ثم تمتد خارجه، لتعيد إنتاج ذاتها في المجتمع. وفي مناقشة ليمان أبي زعبل، التي دارت فوق صخور البازلت الصلد، لا نقرأ حوارًا إداريًا بين سلطة وسجناء، بل نقرأ نصًا فلسفيًا حيًا يكشف عن مأزق أعمق:
كيف يمكن لمجتمع أن ينتظر جيلًا صالحًا، بينما يُعيد تشكيل أفراده داخل منظومة لا ترى فيهم سوى أدوات للهدم؟
أولًا: المشهد بوصفه رمزًا فلسفيًا
جلوس مدير ( لواء ) مصلحة السجون فوق حجر اقتُطع من الجبل، في مواجهة أكثر من مئة سجين مقيدين، ليس مشهدًا عابرًا. إنه تمثيل بصري لعلاقة السلطة بالقهر.
الحجر هنا ليس مجرد مقعد، بل رمز لثلاثة أشياء:
1. قساوة النظام العقابي
2. جمود اللوائح أمام الواقع الإنساني
3. الثقل التاريخي المتراكم فوق أجساد السجناء
أما صمت السجناء، فلم يكن خوفًا فقط، بل كان عجزًا عن التعبير؛ فالمذنب الذي اعتاد أن يُسأل في التحقيق، لا يعرف كيف يُسأل عن إنسانيته.
ثانيًا: التحليل النفسي – السجين بين الذنب والهوية
حين قال أحدهم: «تكسّر الحديد»، لم يكن يتحدث عن كسر قيد، بل عن الحرية بوصفها حالة نفسية.
السجين، نفسيًا، يمر بثلاث مراحل:
1. مرحلة الانكسار الأول: حيث يشعر بأن المجتمع لفظه نهائيًا.
2. مرحلة التكيف القهري: فيتعلم كيف يعيش داخل القيد، ويحوّل السجن إلى عالمه الوحيد.
3. مرحلة الخوف من الحرية: لأن الخارج لم يعد يعرفه، وهو لم يعد يعرف الخارج.
ولهذا، لم يكن حديثهم عن الطعام أو الملابس هو الأهم، بل عن المستقبل.
المستقبل، في عقل السجين، هو السؤال المؤلم:
من سأكون حين أخرج؟
ثالثًا: السجن والمجتمع – تحليل اجتماعي
تكشف المناقشة أن السجن لا ينتهي عند بوابته، بل يمتد إلى القرية، والعمدة، ومركز الشرطة، ونظام المراقبة.
فالمذنب الذي خرج بربع المدة، ثم عاد، لم يعد لأنه مجرم بالفطرة، بل لأن:
• المجتمع رفضه
• العمل أغلق بابه في وجهه
• الرقابة لاحقته كظل لا يفارقه
وهنا تظهر المفارقة الاجتماعية:
نحن نعاقب السجين لأنه خالف القانون، ثم نعاقبه مرة أخرى لأننا لا نمنحه فرصة للالتزام به. ثم نعاقبه مرة ثالثة حتى لا يمل السجان الفراغ . ثم نعاقبه ، و نعاقبه ..
رابعًا: منطق العقوبة… وعدالة اللائحة
الحوار حول «السوابق» يكشف صراعًا بين منطق القانون ومنطق العدالة.
فاللائحة لا ترى الإنسان، بل ترى الأرقام:
15 سابقة = حرمان من الإفراج. ( و نحن الذين نحدد السوابق حسب الأوامر )
لكن المنطق الإنساني يطرح سؤالًا آخر:
أليس السلوك داخل السجن، على مدار عشر سنوات، دليلًا على قابلية الإصلاح؟
القانون، حين ينفصل عن الواقع، يتحول من أداة عدل إلى أداة صماء، تُعيد إنتاج الجريمة بدل أن تمنعها.
خامسًا: القتل والدفاع عن الشرف – مأزق القيم
اعتراف السجين بارتكاب القتل دفاعًا عن الشرف يفتح بابًا فلسفيًا شائكًا:
هل الجريمة تُقاس بالفعل أم بالدافع؟
اعتراف السجين بارتكاب القتل دفاعًا عن الحرية ، عن الرأي ، عن ..
المدير يرى الجريمة من زاوية القانون:
أنت قتلت إنسانًا بريئًا.
أنت هاجمت الحرية
أما السجين فيراها من زاوية القيم الاجتماعية التقليدية.
وهنا يظهر التناقض بين قانون الدولة وقانون المجتمع و قانون الفرد ، وهو تناقض لم يُحسم بعد و لم يحسم ، بل يُدفع ثمنه داخل السجون.
سادسًا: العمل في المحاجر – حين يتحول العقاب إلى استنزاف
منذ 1910، والسجناء يهدمون محاجر البازلت ، حتى لم يبق حجر.
وهنا يبلغ النص ذروته الرمزية:
السجناء يهدمون الحجر… والدولة تفكر في هدم السجن نفسه.
السجناء يهدمون أنفسهم ، و الدولة تفكر في بنء سجن جديد .
إنها دائرة عبثية:
• نُنهك السجين جسديًا
• نُفرغه نفسيًا
• ثم نتساءل: لماذا لا يصلح للمجتمع؟
العمل بلا أفق، بلا مهارة مستقبلية، ليس إصلاحًا، بل استنزافًا بطيئًا للإنسان ، و لكرامة الانسان ، بل وكرامة المجتمع .
اعتراف السجين بارتكاب القتل دفاعًا
سابعًا: البحث عن جيل جديد يهدمه السجناء
العنوان ليس مجازيًا فقط ، بل واقعيًا. فالمسجونين لا يبلغون واحد في المئة من مجموع الشعب ، و لا بد م أن نقرب الرقم القياسي ليكون عشرة في المئة
فحين لا نُعد السجين للحياة، فإننا نُعد جيلًا جديدًا من المحطّمين:
• محطّمين نفسيًا
• محطّمين اجتماعيًا
• محطّمين أخلاقيًا
وهؤلاء، حين يعودون إلى المجتمع، لا يهدمون حجرًا، بل يهدمون الثقة، والأمان، والاستقرار.
خاتمة
ليمان أبي زعبل، في هذه المناقشة، ليس مكانًا، بل مرآة لمجتمع بأكمله.
مجتمع يريد الأمن دون إصلاح، والنظام دون عدالة، والعقوبة دون أمل.
إن السجين ليس مشروع جريمة دائمة، بل مشروع إنسان مؤجل.
وإن لم نغيّر طريقة رؤيتنا للعقوبة، فسنظل نبني سجونًا جديدة…
ليس من حجر البازلت، بل من البشر أنفسهم.
مراجع مقترحة
1. ميشيل فوكو – المراقبة والمعاقبة
2. عبد الوهاب المسيري – الإنسان والحضارة
3. دوركايم – تقسيم العمل الاجتماعي
4. تقارير مصلحة السجون المصرية (نهاية القرن 19 – منتصف 20)
5. دراسات علم الاجتماع الجنائي – جامعة القاهرة
