الصدر الأعظم
سيرة محمد باشا «البلطجي» وسياق السلطة المصرية العثمانية
تمهيد
في سجلات التاريخ تتكدس أسماءٌ كالعواصف: تهبُّ فتترك أثراً عميقاً لا يزول، ثم تنحسر لتكشف عن طبقاتٍ من النفوذ والعرق والسياسة. بين هذه الأسماء يلوح «محمد باشا البلطجي» — المعروف بالتركية Baltacı Mehmed Paşa — كقشةٍ في عاصفةٍ كبيرة، لكن قصته تفتح لنا فصلاً أوسع عن طابع السلطة في الدولة العثمانية وعن حكاية مصر في القرن الثامن عشر، حيث تعانقُ البكوات المماليك قِبَضَ الباشوات، وتتمازجُ السياسة مع المصير.
نبذة موجزة عن محمد باشا «البلطجي»
محمد باشا البلطجي تولى منصب الصدر الأعظم للدولة العثمانية من 25 ديسمبر 1704 حتى 3 مايو 1706، وحمل رتبة «قبودان باشا». تذكر بعض الروايات التاريخية أنه قاد حملاتٍ ضد الروس، وأن حصارًا طويلاً دار حول مكاسبٍ روسية، وأن مواقف شخصية وسياساتٍ دولية أدت إلى رفع الحصار ثم التوصل إلى معاهدةٍ لم تُجْدِ الدولة كثيرًا. توفي محمد باشا في يوليو 1712 بجزيرة ليمنوس.
هذه الوقائع، مهما بدت سطحية أو مقتضبة هنا، تحمل معها تراكماتٍ من الرؤى والموازنات: بين طموح القائد الذي يقود الجيوش بنفسه، وبين بيع مصالحٍ أو مساوماتٍ سياسية تُنسب إليه في بعض المصادر ، وهو موضوع جدلي يختلط فيه الأخلاق بالضرورات والحسابات السلطانية.
السلطة والرشوة:
بين الحرب والسلم — قراءة في حادثة الحصار
يقدِّم لنا النص مشهداً حادًّا: إمبراطور روسيا محاصر، والبلطجي يقف على تخوم النصر، ثم تحلُّ كاثرينا بوسائلها وتُغري القائد. سيدخل التاريخ هنا في حقل الأخلاقيات والضرورات الواقعية.
• هل تبرِّر الرشوة رفعَ الحصار؟
• هل كان القرار خروجًا عن المصلحة العامة أم تسويةً ذكيةً تحفظ توازناتٍ خارجية وداخلية؟
من زاويةٍ فلسفية، تُذكِّرنا هذه الحكاية بمفارقة الحاكم الذي يمتلك السيف لكنه لا يملك دائمًا قرار التاريخ: أحيانًا يُقهر بالسياسة التي لا تُقاس بالشجاعة وحدها، بل بالمصالح والدبلوماسية والاقتصاد. والقصة هنا تقرع ناقوسًا عن هشاشة النصر حين يتحول إلى سلعةٍ تُقاس بالذهب والجواهر.
مصرُ: ساحة القوى الموازية
صعود المماليك وتآكل سلطة الباشا
إذا أردنا أن نفهم وضع الصدر الأعظم ومواقفه، فلا بدَّ من أن نغوص في واقع مصر حينئذٍ، حيث تحولت السلطة عمليًا إلى بيوتٍ مملوكية وبكواتٍ.
المماليك ككيانٍ سياسي
النظام الذي تركه فتح سليم في مصر احتفظ بمَلامح المماليك: أمِرَاءٌ يحتفظون بقاعدتهم العسكرية والإدارية، يُعطون أقاليمًا (سنجقيات) ويتخذ أحدهم «شيخ البلد» ذو نفوذٍ بالغ. ومع مرور الزمن وذهاب الهيبة المركزية، تصاعد نفوذ هؤلاء حتى صاروا أصحاب القرار العملي في مصر.
أحزاب المماليك: القاسمية والفقارية
من خصوصيات المشهد المصري ظهورُ حزبيْن قويّين: القاسمية (المالُ والثروة) والفقارية (الكثرَة والسخاء). ليست أحزابًا بمعنى الحديث المعاصر، ولكنها تجمعات نفوذٍ تُشبه أحزاب المصالح: كل حزبٍ يقاتل من أجل موقعٍ وامتياز. التنافس بينهما كان يتخذ شكلًا دمويًا منظّمًا أحيانًا، ومؤدّاه أنَّ القاهرة بقيت مدينةً تعمل بأعمالها اليومية رغم رُكام القتال الذي يدور في محيطها — صورةٌ تعكس قدرة المجتمع الاقتصادي على الاستمرار رغم التمزق السياسي.
مشيخة البلد كقوةٍ مواطئة
مَن تولّى مشيخة البلد — مثل إسماعيل بك — أصبح بمرور الزمن أقوى من الباشا في التصرف داخل مصر. فنظام المركزية الإمبراطورية وجد نفسه أمام واقعٍ فعلي: حكام محليون صار لهم مقومات حكم مستقلة. وفي الروايات المروية عن إسماعيل بك يظهر مزيجٌ من العدالة الإنسانية والدهاء السياسي، لكنه انتهى بنهايةٍ دموية نتيجة مكائد البلاط والمنافسين، وهو مصير متكرر في هذا الزمن: القوة التي تولّد المحبة قد تولّد أيضاً الحسد والمؤامرات.
عن العنف السياسي والدورات التاريخية
تتكرر مآسي القاهرة: مؤامرات، اغتيالات، انتقام، وبطش متبادل بين مماليك البكوات والباشوات. النص يصف مشاهد قتل جماعي، تفشي طاعون، سقوط سلاطين وتبدّل صناع القرار — كلها حلقات في دورةٍ متجددة من الصراع.
من زاويةٍ تحليلية، يمكن القول إنّ البنية السياسية آنذاك كانت تهوى عنف السيرورة الانتقالية لأنّها لم تبنَ على مؤسسات مستقرة: إنما قامت على توازناتٍ شخصية ومحاباةٍ وعلاقات تبادل مصالح، وليست على قواعد قانونية ثابتة. لذلك كان العنف الأداة النهائية لحسم النزاعات: لا قواعد، بل تأثيرات، لا سياسة مؤسسية بل حسابات شخصية.
قراءة فلسفية: السلطة كمرآة وكمصير
نستطيع أن نطرح هنا بعض التأملات الفلسفية، مستخلصينها من مجريات السرد التاريخي:
1. السلطةُ تُعلنُ عن نفسها في فعلَيْن متقابلين: إنشائها وحمايتها. فولدتها فتح، وحمايتها إدارة. وعندما تعجز الإدارة عن حماية التوازنات، تتحول السلطة إلى سلسلة من العنف والتبادل القائم على القوة.
2. الطريق إلى الاستقلال لا يبدأ غالبًا من المبادئ بل من القوة.علي بك الكبير، وإبراهيم كخيا، وغيرهما، لم يظهروا بتقليدٍ عقلاني بل بانقضاض القوة المنظمة: ففي الفراغ المؤسسي تتسلل العصابات المنظمة والمماليك لتشكيل بدائلٍ حكمية.
3. التاريخ لا ينسى القيم لكنه يبدّل من يحملها. خصالُ العدالة والكرم التي قد تُنسب إلى بعض المشايخ والبكوات لا تضمن بقاءهم؛ لأن التاريخ لديه طريقةٌ خاصة في محاكمة المواقف: أحيانًا يكافئها، وغالبًا ما يبتلعها.
4. المصير السياسي مسكون بالشكّ الأخلاقي. أين تقف حدود المسؤولية؟ عندما يُقال إن قائدًا قبل رشوةً وأنقذ نفسه، هل ينبغي أن نحكم عليه بمقياس الأخلاق الفردية أم بمقياس الضرورات السياسية الواقعية؟ هذه أسئلةٌ يضعها النص أمام القارئ دون إجاباتٍ قطعية.
5.
خاتمة: دروسٌ من صفحاتٍ ممزقة
قصة محمد باشا البلطجي وسجل أحداث مصر في تلك المرحلة ليست مجرد تواريخٍ وأسماءٍ؛ إنها خرائطُ قوةٍ وحكايات انسانية عن ولع بالسلطة، وعن هشاشة المؤسسات، وعن أسرار المصالح والضمائر. تحكي لنا كيف أن التاريخ يُعيد نفسه بصيغٍ مختلفة: الفساد والمكائد، الشهرة والمأساة، القوة التي تُبنى بالحيلة والنية التي تُخطف بالحرب.
ولعلّ الباقي الأخوف والأجلّ هو سؤال المدى: ماذا يتعلم من يقرأ هذه السطور؟ أليس الدرس أن بناء مؤسساتٍ مستقرة، شفافة، ومحددة القواعد، قادرة وحدها على كبح نزعة الاستبداد والعنف؟ وأن نصيب الأجيال من السلام لا يَتأتّى من بطولاتٍ فرديةٍ وحدها؛ بل من اتفاقٍ على قواعد تحكمنا جميعًا؟
في النهاية، تبقى السيرة شاهدةً: على أن التاريخ ليس سردًا لعظماءٍ فحسب، بل مرآةً لعيوبنا وفضائلنا.
وإذا كانت السيوف قد صنعت أسماءً، فالكتابة ربما تُعيد البصمة إليها - قراءةً، تأملاً، ونقدًا - لعلّ في ذلك ما يرشّح بعض اللحظات لأن تكون درسًا للغد.
