بين الحب والموت والجسد طقس الموت عند الفور ومرض الكورو

بين الحب والموت والجسد طقس الموت عند الفور ومرض الكورو
ليس الموت واحدًا في عيون البشر، وإن كان واحدًا في مصير الأجساد. نحن جميعًا نعرف أن الجسد سيعود يومًا إلى التراب، غير أن الإنسان لم يتعامل مع هذه الحقيقة بالطريقة نفسها في كل زمان ومكان. فمن الشعوب من يدفن موتاه في صمت، ومنهم من يحرق الأجساد، ومنهم من يحفظها، ومنهم من يشيّد لها المقابر والقبور، ومنهم من يحيطها بالصلوات والتراتيل والصدقات، وهناك جماعات جعلت من جسد الميت نفسه جزءًا من طقس الوداع. ومن أكثر الأمثلة إثارة للتأمل ما عُرف عن جماعات الفور في مرتفعات بابوا غينيا الجديدة، حيث ارتبطت مراسم الموت، في الماضي، بممارسة أنثروبولوجية تُعرف باسم الالتهام الجنائزي الداخلي أو endocannibalism؛ أي استهلاك أجساد الأقارب المتوفين داخل الجماعة. وقد ارتبطت هذه الممارسة بصورة خاصة بمرض عصبي قاتل عُرف باسم الكورو. غير أن اختزال القصة في عبارة من نوع: «قبيلة مخيفة يأكل رجالها جثث زوجاتهم» يظلم الحقيقة أكثر مما يكشفها. فالدراسة الأنثروبولوجية الدقيقة تظهر أن الأمر لم يكن مجرد شهوة إلى اللحم البشري، ولا طقسًا خاصًا بالرجال يأكلون زوجاتهم، بل كان نظامًا جنائزيًا معقدًا، تحكمه صلات القرابة والعمر والنوع الاجتماعي ومفهوم الجماعة عن الجسد والروح والرحيل. وكانت النساء والأطفال، في كثير من المجتمعات المتأثرة بهذا الطقس، أكثر مشاركة في تناول الأنسجة البشرية، ولا سيما الدماغ، بينما كان الرجال البالغون أقل مشاركة في الطقس أو يتناولون أجزاء أخرى من الجسد. وهنا تبدأ القصة الحقيقية: قصة الإنسان حين يحاول أن يجعل الموت مفهومًا، فيبتكر له لغة تناسب عالمه. كان الفور يعيشون في المرتفعات الشرقية من بابوا غينيا الجديدة، في مجتمعات مترابطة تقوم على القرابة والعائلة والتبادل والعادات الجماعية. وعندما بدأت الدراسات الطبية والأنثروبولوجية الحديثة تلتفت إلى منطقتهم في منتصف القرن العشرين، كان الباحثون أمام ظاهرة مرضية غامضة ومخيفة. كان المصابون بمرض الكورو يفقدون السيطرة على أجسادهم تدريجيًا. يبدأ الأمر غالبًا باضطراب في الحركة ورعشة واختلال في التوازن، ثم يتطور المرض إلى عجز شديد، وينتهي بالموت. وكان المرض يصيب النساء والأطفال بصورة أكبر بكثير من الرجال البالغين. وفي بعض المناطق أصبح الكورو من أهم أسباب الوفاة بين النساء. ولم يكن الطب في البداية يعرف سر هذه المأساة. كان المشهد أشبه بلغز وضعه الموت أمام العلم: لماذا يصاب هؤلاء دون غيرهم؟ ولماذا تكون النساء والأطفال أكثر تعرضًا؟ وهل المرض وراثي؟ أم سحري؟ أم معدٍ؟ أم أنه عقاب غامض؟ ثم بدأت الأنثروبولوجيا تكشف شيئًا لم يكن الطب قادرًا على رؤيته منفردًا: طريقة الجماعة في التعامل مع موتاها. فالمرض لم يكن منفصلًا عن الثقافة. وكان فهمه يتطلب فهم طقوس الموت، وأنظمة القرابة، وتقسيم الأدوار بين الرجال والنساء، ومعتقدات الجماعة حول الروح والجسد. وهنا ظهرت المفارقة الكبرى: ما اعتبره أهل الجماعة فعل محبة واحترام تجاه الميت، أصبح، من الناحية البيولوجية، طريقًا لانتقال مرض قاتل. قد تبدو الإجابة لأول وهلة صادمة، لكن الأنثروبولوجيا تعلمنا أن الإنسان لا يتصرف دائمًا وفق المعايير نفسها التي نحكم بها على الأشياء. فالجسد، في بعض التصورات الثقافية، ليس مجرد مادة تنتهي وظيفتها لحظة الموت. وقد يكون الجسد حاملًا للهوية والقرابة والذكرى. ومن هنا ارتبط استهلاك جسد القريب عند الفور بمفهوم الاندماج الرمزي وإعادة إدخال الميت في جسد الأحياء، وبفكرة أن ذلك يساعد على تحرير روح المتوفى وإكمال رحلته. وتشير الدراسات إلى أن الممارسة كانت ذات معنى عميق لديهم، وأن تناول الجسد لم يكن ينظر إليه بوصفه مجرد طعام. ومن الممكن أن نتخيل، من الناحية الأدبية لا بوصفه تسجيلًا تاريخيًا حرفيًا، مشهدًا جنائزيًا يجلس فيه أهل الميت حول جسده لا باعتبارهم أمام «طعام»، وإنما أمام آخر ما بقي من شخص أحبوه. الابن يرى وجه أمه الذي كان يبتسم له. الأخت تتذكر صوت أخيها. والزوجة ترى في الجسد الساكن الرجل الذي كان بالأمس يمشي معها في الطريق. في تلك اللحظة، لا يعود الجسد في الوعي الجمعي مجرد لحم؛ بل يصبح ذكرى قابلة للاحتضان. ومن هنا نفهم لماذا كان من الخطأ وصف الطقس بكلمة «وحشية» فقط. فالأنثروبولوجيا لا تطلب منا أن نقبل الفعل أخلاقيًا، وإنما تطلب منا أن نفهم كيف أصبح هذا الفعل ممكنًا ومقبولًا داخل منظومة ثقافية معينة. وهذا فرق عظيم بين الحكم على الإنسان وفهم الإنسان. من أكثر الصور انتشارًا في الحكايات الصحفية المثيرة القول إن رجال الفور كانوا يأكلون جثث زوجاتهم بعد الوفاة. وهذه الصورة تحتاج إلى تصحيح. فالمصادر الأنثروبولوجية والطبية تشير إلى أن استهلاك الجثث كان جزءًا من طقوس جنائزية تشترك فيها فئات مختلفة، وكانت النساء والأطفال هم الفئة الأهم في تناول الأنسجة البشرية، ولا سيما أن النساء كن يقمن بأدوار أساسية في التعامل مع الجسد خلال الطقس. أما الرجال البالغون فكانت مشاركتهم أقل بكثير، وكان الذكور الأكبر سنًا، بعد الانتقال إلى عالم الرجال، أقل تعرضًا لمصدر العدوى. وهذه الحقيقة تفسر لغزًا طبيًا بالغ الأهمية. لو كان الكورو مرضًا وراثيًا خالصًا، فلماذا كان يصيب النساء والأطفال بهذه النسبة الكبيرة؟ لكن عندما قارن الباحثون بين أنماط المشاركة في الطقس وبين خريطة الإصابات، بدأت الصورة تتضح: الفئة الأكثر تعرضًا للأجزاء العصبية من الجسد هي نفسها الفئة الأكثر إصابة بالمرض. كان الدماغ تحديدًا ذا أهمية خطيرة؛ إذ يحتوي النسيج العصبي المصاب على التركيز الأعلى من البروتين البريوني المسبب للمرض. ولذلك أصبح تناول الدماغ أحد الطرق الأساسية التي انتقل بها العامل الممرض بين أفراد الجماعة. وهكذا كشفت الثقافة سر المرض، وكشف المرض خطر الثقافة. الكورو ليس مجرد مرض عادي، بل أحد أمراض البريون النادرة، وهي أمراض عصبية تنشأ عن بروتينات غير طبيعية قادرة على إحداث تغيرات مدمرة في الجهاز العصبي. وكان المرض قاتلًا، ويؤدي إلى اضطرابات شديدة في الحركة والتوازن، ثم الضعف والعجز، وكانت الوفاة تحدث بعد ظهور الأعراض خلال فترة قصيرة نسبيًا. وقد أظهرت الدراسات أن المرض ارتبط ارتباطًا وثيقًا بممارسة استهلاك الموتى في مراسم الدفن. ولعل أكثر ما يلفت النظر هنا أن الإنسان كان يواجه مرضًا لا يعرف سببه، بينما كان السبب مختبئًا داخل طقس يراه هو نفسه مقدسًا أو ضروريًا. وهذا يعطينا درسًا يتجاوز قصة الفور: قد تكون بعض العادات نافعة في معناها النفسي، لكنها ضارة في نتائجها البيولوجية، وقد تكون بعض الأفكار جميلة في رمزيتها، لكنها تحتاج إلى مراجعة عندما تكشف المعرفة العلمية آثارها غير المقصودة. فالحب لا يجعل كل فعل صحيحًا، والنية الطيبة لا تلغي دائمًا النتيجة الخطرة. قد يحمل الأب ابنه بحب، لكنه إذا لم يعرف شيئًا عن المرض قد ينقل إليه العدوى. وقد يعطي الإنسان فقيرًا طعامًا فاسدًا وهو يريد الإحسان إليه. وقد تتمسك جماعة بطقس عمره مئات السنين لأنه يمنحها شعورًا بالهوية، ثم تكتشف أن بعض عناصره لم تعد آمنة. وهنا تظهر أهمية العقل النقدي: أن نحب تراثنا دون أن نعبد عاداته، وأن نحترم الإنسان دون أن نقدّس كل ما فعله الإنسان. قد يكون أعمق ما في هذه القصة هو المعنى النفسي للموت. فالإنسان لا يحزن على الجسد وحده؛ إنه يحزن على العلاقة التي انقطعت. موت الأب ليس موت جسد فقط، بل موت صوت كان يناديك. وموت الأم ليس غيابًا بيولوجيًا فحسب، بل سقوط عالم كامل من الحماية والحنان. وموت الزوج أو الزوجة ليس نهاية شخص، وإنما نهاية يوميات مشتركة: كوب الشاي، الطريق، البيت، الخلاف الصغير، الضحكة المفاجئة، والأحلام التي لم تكتمل. لذلك اخترع الإنسان طقوس الحداد. هناك من يلبس الأسود، ومن يرفع الدعاء، ومن يوزع الطعام، ومن يقرأ نصوصًا مقدسة، ومن يزور القبر، ومن يشعل الشموع، ومن يجلس أيامًا مع أهل الميت، ومن يحرق الجسد، ومن يدفنه. تختلف الصور، لكن الحاجة النفسية واحدة تقريبًا: نحتاج إلى فعلٍ ما كي نحتمل عجزنا أمام الموت. ومن هذه الزاوية يمكن فهم طقس الفور بوصفه محاولة قصوى لتحويل الفقد إلى اتصال. فبدل أن يقول الإنسان: «لقد ذهب ولم يبق منه شيء»، يصبح المعنى الرمزي: «لقد دخل فينا». إنها محاولة للتغلب على الفراق بطريقة مادية شديدة القرب. لكن العلم أظهر أن الرمز كان يحمل ثمنًا بيولوجيًا باهظًا. إذا انتقلنا من الأنثروبولوجيا إلى تاريخ الأديان، وجدنا أن البشر جميعًا تقريبًا حاولوا الإجابة عن السؤال نفسه: ماذا نفعل بالجسد حين تغادره الروح؟ في الإسلام، يقوم تصور الموت على كرامة الإنسان وحرمة جسده، ويُعنى التشريع بالغسل والتكفين والصلاة والدفن، ويُنظر إلى جسد الإنسان بوصفه مكرّمًا في الحياة وبعد الموت. ومن ثم لا يصبح أكل جسد الميت طقسًا دينيًا مشروعًا، بل على العكس تقوم الثقافة الإسلامية على حفظ حرمة الميت وعدم تحويل جسده إلى مادة للانتفاع الشخصي. وفي المسيحية، اكتسبت مراسم الدفن والصلوات على الموتى مكانة روحية كبيرة، بينما تحمل القربانة والخمر في التقليد المسيحي، خصوصًا في سر الإفخارستيا، معنى لاهوتيًا عميقًا يتعلق بجسد المسيح ودمه، لكن هذا لا يعني أن المسيحية تمارس أكلًا حرفيًا لجثة إنسان متوفى؛ فالمعنى هنا ديني ورمزي وسري ولا ينبغي الخلط بين الرمز الطقسي والالتهام الجسدي الحرفي. أما في اليهودية، فتحتل كرامة الميت ودفنه السريع والعناية بالجسد مكانة بارزة، مع طقوس الغسل والتكفين والدفن والحِداد. ويظل الجسد جزءًا من حرمة الإنسان حتى بعد وفاته. وفي تقاليد هندية مختلفة، نجد طقوس حرق الجسد، حيث تتحول النار إلى وسيلة لفصل ما هو مادي عما هو روحي، بينما نجد في تقاليد بوذية متنوعة اهتمامًا بالتأمل في فناء الجسد وعدم التعلق بالمادة، مع اختلاف الطقوس باختلاف البلدان والمدارس. إذن، نحن أمام تنوع هائل في «لغة الموت». هناك من يسلّم الجسد إلى التراب. وهناك من يسلّمه إلى النار. وهناك من يحفظه. وهناك من يتعامل معه بوصفه جزءًا من دورة الطبيعة. وهناك، كما عند الفور تاريخيًا، من جعله جزءًا من طقس القرابة والذكرى. والدرس هنا ليس أن دينًا «متحضر» وآخر «بدائي»، فهذه المقارنة نفسها قد تكون متعالية وغير علمية؛ بل إن تاريخ الأديان يثبت أن البشر في كل الحضارات ابتكروا طقوسًا قد تبدو غريبة لمن ينظر إليها من خارجها. وهنا تبرز مسألة مهمة في علم الاجتماع: المعيار الأخلاقي والعرفي يتشكل داخل الجماعة بدرجة كبيرة. ما نراه نحن اليوم مستحيلًا قد يكون في مجتمع آخر فعلًا طبيعيًا أو حتى واجبًا. والعكس صحيح. فقد ينظر شخص من ثقافة أخرى إلى مظاهر الحزن في مجتمعاتنا باستغراب: لماذا يرتدي الناس لونًا معينًا؟ لماذا يتجمعون في بيت واحد أيامًا؟ لماذا تُقرأ نصوص محددة؟ لماذا تُقام مأدبة بعد الدفن؟ لماذا يزور الإنسان القبر بعد سنوات؟ لكننا لا نرى هذه الأشياء غريبة؛ لأننا نشأنا داخل معناها. وهذا هو السبب في أن الأنثروبولوجي الحقيقي لا يبدأ بالسؤال: «كيف يفعلون هذا؟ إنهم وحوش». بل يبدأ بالسؤال الأصعب: «ما المعنى الذي يجعلهم يرون هذا الفعل محبة أو واجبًا أو احترامًا؟» وقد نبّهت شيرلي ليندنباوم، التي كان لعملها الأنثروبولوجي دور مهم في فهم الكورو، إلى ضرورة تجاوز الصورة الاستعمارية التي تصف الشعوب الأخرى باعتبارها «بدائية» أو «غريبة» لمجرد اختلافها. وقد درست ظاهرة أكل الموتى ضمن سياق القرابة والروحانية والبنية الاجتماعية، لا باعتبارها مشهدًا منفصلًا من «الوحشية». كانت قصة الكورو مثالًا مبكرًا ومهمًا على أن الطب وحده لا يكفي دائمًا لفهم المرض. فالطبيب ينظر إلى الدماغ، وإلى الأعصاب، وإلى البروتينات، وإلى الأعراض. أما الأنثروبولوجي فيسأل: من يأكل؟ ومَن يطهو؟ ومن يحق له أن يأخذ جزءًا معينًا؟ وما علاقة الميت بمن يتناول جسده؟ وما الذي يعتقده الناس عن الروح؟ وحين اجتمعت الإجابتان، الطبية والأنثروبولوجية، أمكن الاقتراب من حل اللغز. وقد أظهرت الدراسات أن انخفاض ممارسة الطقس ترافق مع انخفاض حالات الكورو، ثم اختفى المرض تقريبًا من المشهد، مع بقاء حالات نادرة طويلة الحضانة نتيجة لطول الفترة التي قد تفصل التعرض للعامل الممرض عن ظهور المرض. وقد بدأ التراجع الحاسم في المرض بعد توقف ممارسة استهلاك الموتى في منتصف القرن العشرين تقريبًا. وهنا تظهر صورة شديدة الجمال من تاريخ المعرفة: العلم لم يهزم «شعبًا»، وإنما كشف خطرًا كان مختبئًا داخل عادة. والأهم أن التغيير لم يكن مجرد انتصار للقوة الخارجية؛ بل كان أيضًا نتيجة تغير اجتماعي تدريجي في الممارسات نفسها. قد يبدو لأول وهلة أن هذه القصة لا تحتوي إلا على الرعب. لكنها، في الحقيقة، تحتوي على سؤال أكثر إنسانية: إلى أي حد يمكن للحب أن يغيّر شكل الموت؟ كانت النساء اللاتي شاركن في الطقوس لا ينظرن بالضرورة إلى أنفسهن باعتبارهن يأكلن إنسانًا غريبًا؛ بل كان الميت قريبًا، وأحيانًا أمًا أو أبًا أو زوجًا أو ابنًا. وتشير الدراسات إلى أن العلاقة العاطفية والقرابية كانت جزءًا من معنى الطقس. وهذا يفتح بابًا نفسيًا عميقًا. فالإنسان حين يحب، يحاول مقاومة فكرة الفناء. يرفض أن يصدق أن الشخص الذي كان بالأمس يملأ البيت بالحركة أصبح الآن صمتًا. ومن هنا جاءت الأضرحة، والصور، والرسائل التي نكتبها إلى الموتى، والاحتفاظ بثيابهم، وتكرار أسمائهم، وزيارة قبورهم، وإحياء ذكراهم في المناسبات. نحن لا نأكل أجساد موتانا، لكننا نأكل أحيانًا ذكرياتهم في الكلام. نستعيد جملة قالوها. نكرر طريقتهم في الضحك. نطبخ الطعام الذي كانوا يحبونه. نحتفظ بساعة في درج. نضع صورتهم في غرفة. كأن الإنسان يقول للموت: لن تستطيع أن تأخذ كل شيء. في التأمل الصوفي، يصبح الموت انتقالًا في الوعي قبل أن يكون نهاية للجسد. والجسد، مهما عظم شأنه، ليس الحقيقة النهائية للإنسان. إنه لباس مؤقت، ومركب في رحلة، وسكن عابر للروح. ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ قصة الفور بوصفها مرآة شديدة القسوة للسؤال الذي يسكن أعماق الإنسان: ماذا يبقى منا بعد أن يرحل الجسد؟ قد يجيب أحدهم: يبقى التراب. وقد يقول آخر: تبقى الروح. وقد يقول المؤمن: يبقى العمل والذكر والأثر. وقد يقول الشاعر: يبقى ما تركناه في قلوب الذين أحبونا. وهكذا، مهما اختلفت الأديان والمذاهب والثقافات، يبدو أن الإنسان كان يبحث دائمًا عن طريقة لئلا يتحول الموت إلى «عدم». فالمقبرة محاولة لحفظ الاسم. والدعاء محاولة لوصل الأحياء بالغائب. والذكرى محاولة لإبقاء الحضور. والعمل الصالح محاولة لأن يعيش الإنسان بعد موته في أثره. أما عند الفور، فقد اتخذ هذا البحث صورة مادية بالغة التطرف: أن يصبح جسد الميت جزءًا من أجساد الأحياء. لكن المعرفة الحديثة كشفت أن الروح لا تحتاج إلى أن تأكل الجسد لكي تبقى الذكرى. قصة الفور والكورو ليست قصة «قبيلة مخيفة تأكل جثث زوجاتها» كما تختصرها العناوين المثيرة. إنها قصة أكثر تعقيدًا وأعمق إنسانية. إنها قصة شعب امتلك تصورًا خاصًا للموت والقرابة والروح والجسد، ومارس طقسًا جنائزيًا كان بالنسبة إليه ذا معنى عاطفي واجتماعي وروحي، ثم اكتشف العالم الطبي أن هذا الطقس ساهم في نقل مرض بريوني قاتل. وهي في الوقت نفسه قصة عن حدود المعرفة البشرية. فالطب من دون الأنثروبولوجيا لم يكن قادرًا على فهم الصورة كاملة. والأنثروبولوجيا من دون الطب لم تكن قادرة على إدراك الثمن البيولوجي الكامل. والدين من دون وعي بتاريخ الإنسان قد يتحول إلى حكم سريع على المختلف. والعلم من دون حس إنساني قد يرى الإنسان مجرد «حالة». أما الحكمة فأن نرى الأمرين معًا: المعنى والخطر، الرحمة والحقيقة، الإيمان والعقل، الثقافة والنقد. لقد انتهت الممارسة تدريجيًا، وتراجع الكورو معها حتى أصبح من الأمراض النادرة جدًا، وكان توقف التعرض للأنسجة المصابة العامل الحاسم في انهيار الوباء. وهكذا بقي من القصة درس لا يخص الفور وحدهم. كل مجتمع يحمل عادات يظن أنها بديهية، وكل إنسان يعيش داخل عالم من المسلمات التي لا يسأل عنها. وقد يكون النضج الحقيقي أن نتعلم السؤال. لماذا نفعل ما نفعل؟ هل العادة صحيحة لأنها قديمة؟ هل الموروث مقدس لمجرد أنه موروث؟ هل النية الحسنة تكفي إذا كانت النتيجة مؤذية؟ وهل اختلاف الآخر يجعله أقل إنسانية؟ ربما يكون الموت، في النهاية، أكبر معلم للإنسان؛ لأنه يسقط أمامه كل أوهام القوة. فالملك يموت، والفقير يموت، والعالم يموت، والجاهل يموت. لكن الفرق ليس في أن نموت؛ فالكل إلى الموت صائر. الفرق في ما نفعله بالوقت الذي يسبق الموت. وهنا يصبح الجسد مجرد صفحة مؤقتة من كتاب الإنسان، بينما يبقى السؤال الحقيقي: ماذا كتبنا في قلوب الآخرين قبل أن نغلق الصفحة؟ لقد حاول الفور أن يحفظوا موتاهم بطريقتهم. وحاولت الأديان أن تمنح الموت معنى. وحاول العلم أن يفهم سببه. وحاول الشعر أن يجعل الفناء قابلًا للحب. ولعل الإنسان، منذ بدأ يرفع عينيه إلى السماء، لم يكن يبحث فقط عن تفسير للموت، بل عن طريقة تجعل الحياة، رغم نهايتها، جديرة بأن تُعاش. فالجسد يفنى. والطقس يتغير. والحضارات تتبدل. أما المعنى الذي يتركه الإنسان في الإنسان، فقد يكون أعمق من قبر، وأبقى من حجر، وأطول عمرًا من الجسد نفسه.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال