إيرينا.. المرأة التي لم تكن هناك
حكاية الفاتنة التي استُخدم اسمها لاستدراج راسبوتين إلى الموت
سان بطرسبورغ – روسيا القيصرية ليلة 16 ديسمبر 1916
كانت سان بطرسبورغ في ذلك الشتاء مدينةً تشبه قلبًا مريضًا.
الثلج يهبط على الأرصفة في صمت، والريح تعبر الشوارع الواسعة كأنها تبحث عن أحد. خلف النوافذ العالية كانت المصابيح الذهبية ترتجف، وفي القصور تُوقد المدافئ، وتُرفع الكؤوس، وتدور الأحاديث عن الحرب والقيصر والموت.
كانت الإمبراطورية الروسية تخوض حربًا طويلة أرهقت جنودها وفقراءها، بينما كان البلاط القيصري يعيش، خلف الأبواب الثقيلة، عالمًا آخر من الأسرار والشكوك والمكائد.
وفي قلب ذلك العالم ظهر رجل غريب.
راهب ذو لحية كثيفة وعينين نافذتين، اسمه غريغوري راسبوتين.
لم يكن أميرًا، ولا قائدًا عسكريًا، ولا رجل دولة. جاء من قرية بعيدة في سيبيريا، لكنه استطاع، خلال سنوات قليلة، أن يجد لنفسه مكانًا قريبًا من العائلة الإمبراطورية، حتى أصبح صوته مسموعًا في دوائر القرار.
كان بعضهم يراه رجلًا ذا نفوذ روحي عجيب، ويرى آخرون فيه مغامرًا يستغل ضعف القصر وخوفه.
أما العامة، فكانت صورته تتبدل بين القديس والخاطئ، بين الرجل الذي يحمل أسرارًا غامضة والرجل الذي يحمل شهواته أينما ذهب.
وكان راسبوتين نفسه يعرف أن الناس يخافون مما لا يفهمون.
وكان يعرف أيضًا أن القصر الذي فتح له أبوابه، يمكن أن يكون القصر نفسه الذي يغلق عليه أبواب الحياة.
1 - امرأة في قلب الحكاية
في ذلك العالم المليء بالرجال، كان اسم امرأة واحدة يمر بين الأحاديث كأنه نغمة هادئة في غرفة صاخبة.
الأميرة إيرينا يوسوبوفا.
زوجة الأمير فيليكس يوسوبوف، وأحد أبرز أفراد الأسرة الأرستقراطية الروسية.
كانت إيرينا، بحسب أوصاف معاصريها، امرأة ذات جمال لافت، تجمع بين الرقة والأناقة والهدوء. لم يكن جمالها من النوع الصاخب الذي يفرض نفسه على المكان، بل من ذلك الجمال الذي يلتفت إليه المرء مرة، ثم يظل يتذكره طويلًا.
شعر داكن، ملامح دقيقة، حضور أرستقراطي، وعينان تحملان شيئًا من الغموض.
كانت ابنة عالم لا يشبه العالم الذي يعيش فيه عامة الروس.
في القصور، كانت الأسماء تُورث كما تُورث الثروات، والملابس تتحدث عن أصحابها قبل أن يتكلموا، والابتسامة قد تكون مجاملة أو تهديدًا أو وعدًا لا يعرف أحد معناه.
لكن إيرينا لم تكن تعرف أنها، في تلك الليلة الباردة من ديسمبر، ستصبح جزءًا من خطة موت لم تشهدها بعينيها.
بل إن المفارقة الأكثر مرارة في الحكاية أنها لم تكن موجودة أصلًا في قصر مويكا ليلة مقتل راسبوتين.
كانت بعيدة عن المكان.
ومع ذلك، كان اسمها هو الطُّعم.
2 - الرجل الذي أخاف القصر
كان الأمير فيليكس يوسوبوف شابًا أرستقراطيًا ثريًا، ينتمي إلى واحدة من أغنى العائلات في روسيا.
كان يعيش بين القصور والولائم والملابس الفاخرة، لكنه كان يرى بعينيه شيئًا يتغير.
كانت سلطة راسبوتين تتضخم.
لم يعد الأمر بالنسبة إلى خصومه مجرد رجل غريب الأطوار يزور القصر، بل أصبح رمزًا لما اعتبروه انحرافًا في الحكم.
كان بعض الأمراء والسياسيين المحافظين يخشون أن يكون وجود راسبوتين قرب القيصر وعائلته خطرًا على مستقبل النظام القيصري.
ومن بين هؤلاء برز فيليكس يوسوبوف، إلى جانب الدوق الأكبر ديمتري بافلوفيتش، وعدد من المتآمرين.
كان السؤال بسيطًا في ظاهره:
كيف يمكن إيقاف رجل لا تحميه قوته، بل قربه من القصر؟
والجواب الذي وجدوه كان أكثر بساطة، وأكثر ظلمة:
يجب أن يموت.
لكن قتل رجل مثل راسبوتين لم يكن أمرًا سهلًا.
فهو ليس جنديًا في ميدان يمكن إصابته برصاصة من بعيد.
إنه رجل يعرف الكثير، ويعرفه كثيرون.
وكان لابد من استدراجه.
3 - الكذبة الصغيرة التي قادت إلى الموت
كان فيليكس يعرف أن راسبوتين مفتون بالنساء، أو على الأقل كان يعرف أن الشائعات حول علاقاته النسائية كثيرة، وأن الرجل لا يمانع في الاقتراب من النساء وإغوائهن.
ومن هنا وُلدت الفكرة.
إيرينا.
لم يكن المطلوب أن تكون هناك.
كان يكفي أن يصدق راسبوتين أنها ستكون هناك.
أُرسل إليه وعد بلقاء خاص في قصر مويكا.
امرأة جميلة. أميرة.
قصر هادئ.
ليل بعيد عن أعين الفضوليين.
كانت الدعوة تبدو لرجل مثل راسبوتين كأنها باب فتحته له الأقدار بنفسها.
وحين علم بها، لم يشك، أو لم يشأ أن يشك.
ربما كان الغرور أقوى من الحذر.
وربما كان الإنسان، حين يصدق أنه اقترب من شيء يشتهيه، يتوقف عن رؤية الأشياء التي ينبغي أن تخيفه.
4 - الطريق إلى مويكا
في تلك الليلة، كان الثلج يغطي المدينة.
خرج راسبوتين متجهًا إلى قصر مويكا.
كان الليل كثيفًا، والبرد يعض أطراف الشوارع.
ولعل الرجل، وهو في طريقه، لم يكن يرى الثلج كما يراه الآخرون.
ربما كان يرى خلفه وجه إيرينا.
ربما تخيل القصر، والشموع، والموسيقى الخافتة، واللقاء الذي وُعد به.
كانت الخطيئة، في تلك اللحظة، لا تزال فكرة.
أما الموت، فكان ينتظره في مكان آخر من القصر.
دخل راسبوتين. استقبله فيليكس.
لم تكن هناك أميرة.
لكن فيليكس أخبره أنها ستأتي.
وكان عليه أن ينتظر.
نزلا إلى إحدى غرف القصر.
غرفة بعيدة عن الصخب، تتوسطها مائدة أُعدت بعناية.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا.
وهنا تكمن براعة الخديعة.
فالخطر الحقيقي لا يدخل دائمًا مرتديًا ثياب الخطر.
أحيانًا يأتي في صورة ضيافة.
وأحيانًا يبتسم لك الرجل الذي أعد موتك.
5 - الحلوى المسمومة
وُضعت أمام راسبوتين أطعمة وحلوى ومشروبات.
كانت الخطة، بحسب الرواية الشهيرة، أن يُدس السم في الطعام والشراب، ثم يُترك راسبوتين حتى يموت دون ضجيج.
وقيل إن المادة المستخدمة كانت سيانيد البوتاسيوم.
لكن هذه الجزئية من القصة، مثل غيرها من تفاصيل الاغتيال، ظلت موضع جدل تاريخي، وتضخمت في بعض الروايات اللاحقة حتى تحولت إلى أسطورة.
ومع ذلك، بقيت الصورة عالقة في الذاكرة:
رجل يجلس أمام طعام جميل، لا يعلم أن الموت قد وُضع إلى جواره في طبق.
أكل راسبوتين. وشرب.
وانتظر. مرت الدقائق. ثم أخرى.
لكن الموت لم يأتِ. ظل الرجل حيًا. يتحدث. يتحرك.
ويبدو كأن جسده يرفض أن يتعاون مع قاتليه.
بدأ القلق يتسلل إلى قلب فيليكس.
كان قد دخل اللعبة وهو يظن أن نهايتها محسومة.
لكن راسبوتين لم يمت.
كان أمامه رجل يبدو، في تلك اللحظة، أكثر صلابة مما توقع.
6 - خوف القاتل
صعد فيليكس إلى الطابق الأعلى.
كان قد قال لراسبوتين إنه ذاهب لإحضار إيرينا.
لكن إيرينا لم تكن هناك.
وكانت تلك اللحظة من أكثر لحظات الخطة توترًا.
في الطابق العلوي كان المتآمرون ينتظرون.
أما في الأسفل، فكان راسبوتين ينتظر امرأة لن تأتي.
كان يمكن أن تنتهي الحكاية هناك.
كان يمكن أن يدرك الرجل أن شيئًا غير طبيعي يحدث.
كان يمكن أن ينهض، يفتح الباب، ويغادر.
لكن الإنسان لا يغادر دائمًا عندما يجب عليه أن يغادر.
أحيانًا يبقى لأن فضوله أقوى من خوفه.
وأحيانًا لأن كبرياءه يمنعه من الاعتراف بأنه خُدع.
وأحيانًا لأن الموت، حين يقترب، لا يقدم نفسه بوصفه موتًا.
7 - اللحظة التي انكسر فيها الصمت
عاد فيليكس إلى الغرفة.
كان راسبوتين لا يزال حيًا.
وهنا، بحسب الرواية المتداولة، انتقل المتآمرون إلى الخطة الأخيرة.
أُطلقت النار عليه. وسقط.
في تلك اللحظة ظنوا أن كل شيء انتهى.
رجل قوي سقط على الأرض.
وصمت القصر للحظات.
لكن راسبوتين لم يكن قد قال كلمته الأخيرة.
بعد فترة، تحرك. فتح عينيه. نهض.
ثم بدأ يتحرك في المكان، حتى خرج إلى الخارج.
كان المشهد، إن صحت تفاصيل الرواية، كافيًا لأن يتحول في ذاكرة روسيا إلى أسطورة.
رجل أصيب بالرصاص، وقيل إنه تعرض للتسميم، ثم ظل يقاوم.
لكن الحقيقة التاريخية الدقيقة لما جرى في الدقائق الأخيرة لا تزال أكثر تعقيدًا من الصورة الأسطورية التي تناقلتها الكتب والحكايات.
المؤكد أن راسبوتين قُتل في تلك الليلة، وأن جثمانه أُلقي في نهر نيفا المتجمد.
أما تفاصيل موته الدقيقة، فقد اختلفت الروايات حولها.
8 - إيرينا التي لم تعرف شيئًا
وفي مكان آخر، بعيدًا عن القصر، كانت إيرينا تعيش ليلتها دون أن تعرف أن اسمها يُستخدم في عملية قتل.
لم تكن في الغرفة. لم تكن خلف الباب. لم تكن تنتظر راسبوتين.
ولم تكن تعرف أن رجلًا يمشي إلى الموت لأنه ظن أنه ذاهب لمقابلتها.
وهنا يصبح اسم إيرينا في الحكاية أكثر مأساوية.
فهي لم تكن القاتلة. ولم تكن الضحية.
كانت، بطريقة ما، الظل الذي صنعته الخديعة.
امرأة حقيقية تحولت في خيال رجل إلى موعد.
وتحول اسمها، في يد زوجها والمتآمرين، إلى مفتاح لباب الموت.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية أن الإنسان قد يُزج في أكثر لحظات التاريخ ظلمة دون أن يختار ذلك.
قد يصبح اسمك سببًا في حدث لم تشهده.
وقد تحمل الذاكرة صورتك في مكان لم تطأه قدماك.
9 - ما وراء الجريمة
لكن راسبوتين لم يكن وحده الذي مات في تلك الليلة.
كانت هناك أشياء أخرى تموت.
الثقة. والهيبة.
والقدرة على إخفاء تصدعات الإمبراطورية.
كان المتآمرون يظنون أن قتل الرجل سيوقف نفوذه، وأن رصاصة واحدة يمكن أن تعيد النظام إلى مكانه.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
فحين تقتل رجلًا، لا تقتل بالضرورة الفكرة التي مثّلها.
كان راسبوتين قد أصبح رمزًا لكل ما يكرهه خصوم القيصرية: الفوضى، والتدخل في الحكم، والفساد في نظرهم، والخوف من انهيار الدولة.
لكن قتله لم ينقذ الإمبراطورية.
بعد أسابيع وشهور، كانت روسيا تسير نحو عاصفة أكبر.
وفي عام 1917 اندلعت الثورة. سقط النظام القيصري.
وغادر نيقولا الثاني العرش.
وبعد ذلك بوقت قصير، انتهى عالم كامل كان يبدو قبل سنوات قليلة وكأنه لا يمكن أن يسقط.
سقطت القصور. وتبعثر الأمراء. وانتهت الامتيازات.
أما القصر الذي شهد مقتل راسبوتين، فبقي شاهدًا صامتًا على ليلة واحدة حاول فيها رجال أن يغيروا التاريخ برصاصة.
10 - الحوار الذي لم يحدث
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية هو الحوار الذي لم يحدث قط.
تخيل راسبوتين، قبل أن يدخل القصر، يسأل نفسه:
"ماذا لو كانت الليلة مختلفة؟"
ثم يبتسم.
"ماذا لو كانت إيرينا تنتظرني فعلًا؟"
وربما في مكان ما من داخله كان صوت آخر يقول:
"احذر."
لكن الإنسان كثيرًا ما يختار الصوت الذي يوافق رغبته.
كان يمكن لذلك الصوت أن ينقذه. لكنه لم يفعل.
وفي الجانب الآخر، ربما كان فيليكس يصعد درجات القصر وقلبه يخفق.
لم يعد رجلًا أرستقراطيًا يشارك في مؤامرة بعيدة.
لقد أصبح قاتلًا ينتظر نتيجة فعلته.
وربما كان يسأل نفسه: "ماذا فعلت؟"
ثم يعود فيقمع السؤال.
ففي اللحظات التي يعبر فيها الإنسان الخط الفاصل بين الفكرة والفعل، لا يعود قادرًا على استعادة براءته الأولى.
11 - معنى أن يُقتل الإنسان بسبب صورة في خيال رجل
لم يكن راسبوتين يعرف إيرينا كما ينبغي. كان يعرف صورتها. صورتها كما نقلها الناس. كما وصفتها المجالس. كما تخيلها هو.
وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الحكاية قسوة:
لم يمت راسبوتين من أجل امرأة عرفها، بل من أجل امرأة تخيلها.
لقد كان ضحية رغبة تحولت إلى وهم، والوهم تحول إلى فخ، والفخ تحول إلى جريمة.
وهذه هي طبيعة النفس البشرية حين تترك رغبتها تقودها.
فالإنسان لا يرى العالم دائمًا كما هو.
إنه يراه كما يتمنى أن يكون.
وقد يكون أخطر شيء في الحياة أن يصدق المرء الصورة التي رسمها لنفسه، ثم يرفض النظر إلى الحقيقة الواقفة أمامه.
12 - النهاية
مع بزوغ الفجر، كان الثلج لا يزال يغطي سان بطرسبورغ.
لم تكن المدينة تعرف بعد كل شيء.
كانت النوافذ مغلقة. والشوارع شبه خالية.
والنهر يحمل سرًا جديدًا تحت برده.
في مكان ما، كانت عائلة راسبوتين ستعرف أن الرجل الذي كان يملأ روسيا ضجيجًا قد مات.
وفي مكان آخر، كانت إيرينا بعيدة عن القصر، بعيدة عن الرصاص، بعيدة عن اللحظة التي صار فيها اسمها جزءًا من تاريخ الدم.
لكن التاريخ لا ينسى الأسماء.
ظل اسم راسبوتين حيًا.
وظل اسم يوسوبوف حاضرًا.
وظل اسم إيرينا يتردد كلما رويت القصة.
غير أن الحقيقة الأكثر حزنًا بقيت مختبئة خلف الأسطورة:
المرأة لم تكن هناك. لم تكن إيرينا في القصر. لم تفتح الباب. لم تستقبل راسبوتين. لم تضع له السم. لم ترَ الرصاصة. ولم تشهد موته.
كانت فقط الاسم الذي قيل لرجل إنه سيقوده إلى امرأة، بينما كان يقوده في الحقيقة إلى آخر ليلة في حياته.
وهكذا، في ليلة شتوية من عام 1916، اجتمعت ثلاثة أشياء في قصر مويكا:
رغبة رجل، وخوف رجال، واسم امرأة.
وكانت النتيجة موت رجل، ثم سقوط عالم كامل بعده بقليل.
أما إيرينا، المرأة التي لم تكن هناك، فقد بقيت في قلب الحكاية كأجمل مفارقاتها:
امرأة لم تقتل أحدًا، لكنها حملت قصتها ذاكرة جريمة.
وربما لهذا السبب لا تبدو هذه الحكاية، بعد مرور أكثر من قرن، حكاية اغتيال فحسب.
إنها حكاية عن الإنسان حين يخدع نفسه.
عن الرغبة حين تعمي البصيرة.
عن الخوف حين يرتدي ثياب الشجاعة.
وعن التاريخ حين يقرر أن يجعل من امرأة غائبة شاهدًا أبديًا على ليلة لم تحضرها.
في الخارج، كان الثلج يواصل سقوطه.
هادئًا. أبيض.
كأنه يحاول أن يغطي آثار الأقدام.
لكن الثلج يستطيع أن يخفي الطريق... ولا يستطيع أن يمحو الحكاية.
إيرينا.. المرأة التي لم تكن هناك حكاية الفاتنة التي استُخدم اسمها لاستدراج راسبوتين إلى الموت
الناشر :مدونة فكر أديب
-
