وأد البنات: من ظلمة العادة إلى نور الكرامة الإنسانية
مقدمة: حين يُقتل المعنى قبل الجسد
ليس وأد البنات مجرد فعلٍ تاريخي اندثر في كتب الأخبار، ولا هو صفحةٌ من ماضي العرب وحدهم، بل هو جرحٌ إنسانيٌّ تتبدّل صوره وتبقى روحه واحدة: انتقاص حياة الأنثى، والنظر إليها بوصفها عبئًا أو عارًا أو خسارةً اجتماعية. ففي الجاهلية القديمة كان الوأد دفنًا للطفلة حيّة، خوفًا من السبي أو العار أو الفقر أو ضغط الأعراف. وفي العصر الحديث، اتخذت الفكرة شكلًا آخر أكثر خفاءً وأشدّ قسوة، هو الإجهاض الانتقائي بسبب جنس الجنين، حيث تُستقبل البنت لا بوصفها روحًا تستحق الحياة، بل باعتبارها احتمالًا يُراد إلغاؤه قبل أن يكتمل.
إن المأساة في جوهرها واحدة، وإن تغيّرت الأدوات والوسائل. فالمجتمع الذي يفضّل الذكر على الأنثى تفضيلًا مطلقًا، ويمنح الابن قيمةَ البقاء، بينما يحمّل البنت أوزارًا لم ترتكبها، إنما يكشف عن خلل عميق في ميزان الأخلاق والوعي والرحمة. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن وأد البنات لا كقضية تاريخية فحسب، بل كقضية فكرية واجتماعية وأخلاقية تمسّ معنى الإنسان نفسه.
الجذور التاريخية: من الرمل إلى الرحم
عُرف وأد البنات في المجتمع العربي قبل الإسلام بوصفه صورةً قاسية من صور التوحش الاجتماعي، إذ كانت بعض القبائل ترى في المولودة الأنثى سببًا للعار أو الضعف أو الخوف من السبي، حتى إذا وُلدت البنت طُمر صوتها في التراب قبل أن يتفتح على الحياة. ولم يكن هذا السلوك عامًا في كل العرب، لكنه كان حاضرًا بما يكفي ليصنع في الذاكرة العربية مشهدًا موحشًا من القسوة والإنكار.
وقد جاء الإسلام ليهدم هذا المعنى من أساسه، لا بمجرّد النهي عن الفعل، بل بتغيير صورة المرأة في الوعي الجمعي. فالأنثى لم تعد عارًا، بل صارت أمًّا وزوجةً وابنةً وأختًا، وصارت الكرامة الإنسانية معيارًا أعلى من العرف والقبيلة. وفي القرآن الكريم جاءت الآيات كالمطر على أرضٍ متشققة، تُعيد للروح إنسانيتها، وللطفلة حقها، وللأمومة قدسيتها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، وهي آيةٌ تهزّ الضمير قبل أن تشرح الحكم، لأن السؤال فيها ليس للطفلة وحدها، بل للإنسانية كلها: بأي ذنبٍ تُقتل الحياة وهي لم تخطئ بعد؟
إن القرآن لا يكتفي بإدانة الفعل، بل يفضح المنطق الذي أنتجه. فالذين كانوا يئدون البنات لم يكونوا يقتلون جسدًا صغيرًا فحسب، بل كانوا يقتلون مستقبلًا كاملًا، ويغلقون باب الرحمة في وجوههم. ولهذا جاء الوحي ليعيد تعريف النعمة، ويجعل المولودة سببًا للبركة لا للخوف، وللسكينة لا للعار.
البنية الاجتماعية وراء الوأد: حين يصير الذكر معيارًا مطلقًا
لا يولد وأد البنات من فراغ، بل ينشأ في بيئةٍ تجعل الذكر مركز الكون والأنثى هامشه. ففي المجتمعات الأبوية الصلبة تُربط مكانة الأسرة باسم الابن، ويُحمَّل الذكر وظيفة الحماية والإرث والامتداد، بينما تُنظر إلى الفتاة باعتبارها ضيفًا مؤقتًا سيغادر يومًا إلى بيتٍ آخر. ومع تراكم هذه النظرة يتحوّل التمييز من عادةٍ إلى عقيدة اجتماعية، ومن عقيدةٍ إلى سلوك يومي، ومن سلوكٍ إلى مأساة.
وفي البيئات التي يشتد فيها الفقر، أو يعلو فيها ثقل المهور، أو تتعاظم فيها الحاجة إلى الأيدي العاملة الذكورية، تتضاعف القسوة. فالعائلة التي لا ترى في البنت إلا تكلفة، قد تفضّل أن تحرمها الحياة بدل أن تتحمل أعباء تربيتها، وكأن القيمة الإنسانية تُقاس بالمردود الاقتصادي أو بالنفع المباشر. وهنا تتجلّى أبشع صور الانحراف: أن تُختزل الطفلة، وهي كائن كامل الحسّ والحقّ والمستقبل، إلى رقمٍ في معادلةٍ اجتماعية باردة.
إن المجتمعات التي تنتج مثل هذه الممارسات لا تظلم البنات وحدهن، بل تظلم نفسها أيضًا؛ لأنها حين تقسو على نصفها الرقيق، فهي تهدم شروط التوازن داخلها. فالمرأة ليست زينةً اجتماعية ولا ملحقًا ثانويًّا في بناء الحضارة، بل هي نواة الحياة اليومية، ومحرّك التربية، وحاملة اللغة الأولى، وصانعة الوجدان في البيوت. والبيت الذي يُهان فيه وجود الأنثى، ينشأ فيه أبناءٌ مشوّهون في الفهم، مضطربون في العاطفة، قساةٌ في الموقف، لأنهم نشأوا على أن الحياة تقاس بالقوة لا بالحق.
من الجاهلية إلى الرسالة: انقلاب القيم
جاء الإسلام في مجتمعٍ كان يرى كثيرًا من النساء ظلًّا لا شخصًا، وخوفًا لا قيمة، وكلفةً لا نعمة. فحوّل هذا التصور جذريًّا. لم يعد السؤال: هل هي بنت أم صبي؟ بل صار السؤال: هل الإنسان كريم؟ هل هو محفوظ الحق؟ هل هو موصول بالرحمة؟
وقد جاء في القرآن الكريم ما يفضح منطق الجاهلية في صورته الأعمق، حين يصوّر حال من يبشر بالأنثى فيتغيّر وجهه كمدًا وحزنًا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. ثم تأتي الآيات بعدها لتبيّن المفارقة الأخلاقية بين إنكار الأنثى وبين منحة الله للإنسانية كلها. فالبنت ليست نقمة، بل قد تكون سببًا في العطاء والرفعة والبركة والحنان وامتداد الرحمة.
وفي موضع آخر يضع القرآن حدًّا قاطعًا لقتل الأولاد خوفًا من الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، ثم يردف المعنى في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. وهنا تتجلى العبارة القرآنية في صرامتها الأخلاقية وشفافيتها التربوية، إذ تنقل الإنسان من منطق الخوف إلى منطق الثقة بالله، ومن عبودية الحاجة إلى سعة الرزق، ومن حساب السوق إلى قداسة الحياة.
لقد كان الإسلام ثورةً على الذهنية التي تُقصي الأنثى من المعنى. فمنذ اللحظة الأولى صار للمرأة موقعٌ واضح في الأسرة والمجتمع، لا بوصفها استثناءً، بل أصلًا من أصول العمران. فالأم مدرسة، والزوجة سكن، والابنة رحمة، والأخت مؤانسة، والمرأة عامةً شريكة في بناء الوعي والأخلاق. وليس أدلّ على ذلك من أن أول بيتٍ تربّى فيه التاريخ الإسلامي كان بيت امرأة؛ أمٍّ حملت الرسالة الأولى، واحتضنت الإيمان، وبذلت الحماية والوفاء.
من الوأد القديم إلى الوأد الحديث: تغيّر الصورة وبقاء الجوهر
قد يظن بعض الناس أن الوأد انتهى بانتهاء دفن الطفلة حيّة، لكن الحقيقة أن جوهر الوأد قد يتخفّى بأشكالٍ أكثر حداثة. فحين تُستخدم التكنولوجيا الطبية لا لاكتشاف سلامة الجنين، بل لاختيار بقائه أو إسقاطه على أساس جنسه، نكون أمام النسخة المعاصرة من الفكرة نفسها: أنثى غير مرغوب فيها، وحياة معلّقة على هوى العائلة أو ضغط المجتمع.
في بعض البيئات الآسيوية، ولا سيما حيث تتغلّب الثقافة الذكورية، أصبح الإجهاض الانتقائي علامةً على عمق الخلل الاجتماعي. فليست القضية في الطب ولا في العلم، بل في توجيه العلم لخدمة تحيّز قديم. فما الفرق الجوهري بين من كان يدفن البنت في الرمل، ومن يدفنها اليوم في القرار الطبي؟ الفرق في الوسيلة، أما المنطق فواحد: رفض الأنثى قبل أن ترى النور.
وهنا ينبغي التمييز بين الإجهاض بوصفه مسألةً طبيةً أو قانونيةً أو أخلاقيةً معقّدة في بعض الحالات الخاصة، وبين الإجهاض الذي يُمارس لمجرد أن الجنين أنثى. فالأول يُناقش ضمن ضوابط متعددة، أما الثاني فهو تمييز صريح ضد الحياة ذاتها. إنه ليس خيارًا شخصيًا بريئًا، بل تعبيرٌ عن منظومة فكرية ترى في الذكر امتيازًا فطريًا، وفي الأنثى نقصًا اجتماعيًا.
الصين والهند مثالان على الألم الاجتماعي
تكشف بعض التجارب التاريخية في الصين والهند عن أن الظاهرة لا ترتبط بدينٍ واحد ولا بقومٍ واحد، بل ترتبط كلما وجد مجتمعٌ يعلّي شأن الذكر ويثقل كاهل الأنثى. ففي الصين، لعبت عوامل مثل الفقر، وسياسات الأسرة، وتفضيل الابن الذي يحمل الاسم ويواصل النسب، دورًا في انتشار قتل الإناث أو إهمالهن في فترات طويلة من التاريخ. وفي الهند، شكّل نظام المهر واحدًا من أبرز أسباب استثقال ولادة البنات، خاصة في البيئات الريفية الفقيرة، حيث تُرى الفتاة أحيانًا على أنها عبء مالي واجتماعي يسبق زواجها ويثقل مستقبلها.
لكن هذه الصور لا ينبغي أن تُقرأ كحكايات بعيدة عنّا. فالخلل حين يوجد في مكانٍ ما، فهو يذكّرنا بأن البنية الذكورية القاسية قابلة لأن تتكرر بصور مختلفة ما دامت العقلية نفسها حيّة. ففي كل مجتمعٍ يُربّى أفراده على أن الابن استثمارٌ والابنة خسارة، يولد الوأد من جديد، ولو اختلف الاسم، ولو تغيّر الزيّ، ولو ادّعت المدنية والتقدم.
إن المأساة ليست في فقر الموارد فقط، بل في فقر الرؤية. فقد تعيش الأسرة في ضيقٍ شديد، ومع ذلك ترى البنت بابًا للرحمة والرضا والعون المستقبلي، وتعيش أسرة أخرى في رخاءٍ نسبي، ومع ذلك لا تزال تحسب المولودة أنثى زائدةً عن الحاجة. وهنا تتضح حقيقة أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل أخلاقية ومعرفية وروحية.
الأثر الاجتماعي: مجتمع يختلّ حين يختل ميزان الولادة
للوأد، قديمه وحديثه، آثارٌ بعيدة تتجاوز لحظة القتل نفسها. فحين تُستبعد البنات من دائرة الحياة، يختلّ التوازن السكاني، وتظهر أجيالٌ تحمل فائضًا عدديًا من الذكور، بما يرافق ذلك من اضطراب في الزواج، وتزايد في العزوبة القسرية، وتوتر في العلاقات الأسرية، وصعود في بعض أشكال العنف الاجتماعي.
لكن الأثر الأخطر من الأرقام هو الأثر الرمزي: أن يكبر الطفل الذكر نفسه في مجتمعٍ تعلم فيه أن أخته أقل قيمة منه، وأن حياة المرأة أقل جدارة بالحماية. وهذا يخلق في النفس البشرية تشوهًا أخلاقيًا مبكرًا؛ إذ يتربى الصغير على الامتياز لا على المسؤولية، وعلى الحق الموروث لا على العدل المستحق. والنتيجة مجتمعٌ يملك القوة لكنه يفتقد الرأفة، ويملك التقنية لكنه يفتقد الضمير.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تكرم المرأة لا تكرم نصفًا من أفرادها فقط، بل تكرم ذاتها، لأن المرأة ليست موضوعًا للزينة أو الاستهلاك، بل شريكة في صناعة اللغة والذاكرة والبيت والطفولة والقيم. وحين تُحفظ كرامتها، تُحفظ معها صناعة الإنسان كله.
بين النص القرآني والضمير الإنساني
إن من أبلغ ما في القرآن أنه لا يكتفي بالتشريع، بل يوقظ الوجدان. فحين يسأل عن الموؤودة: ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، فهو يرفع القضية من مستوى الفعل إلى مستوى الضمير، ومن مستوى الجريمة الفردية إلى مستوى المسؤولية البشرية. فالسؤال هنا يزرع في القلب عارًا لا يمحوه الزمان: كيف قُتلت من لا ذنب لها؟ وكيف سُلبت من الحياة لأنها وُلدت أنثى؟
كما أن القرآن يفتح باب الرجاء بدل باب الخوف. فالرزق بيد الله، والكرامة من عند الله، والزيادة والنقصان ليستا رهناً بجنس الجنين. ولهذا كان الخطاب القرآني شديدًا في نزع ذرائع الفقر والعار، حتى لا تبقى حجةٌ يتستر بها الظلم. فالطفلة التي تُقتل خوفًا من العوز، كانت قد حُكم عليها قبل أن تعيش، وكأن الحياة نفسها صارت متهمة.
ومن هنا يتعلم الإنسان أن قيمة المولود ليست في جنسه، بل في إنسانيته، وأن مستقبل الأسرة لا يُبنى بإقصاء البنات، بل بتربية الأبناء على الرحمة والمساواة والعدل. إن البنت التي تُمنح الحياة قد تكون طبيبةً، أو معلمةً، أو أمًّا تربي أمةً كاملة، أو امرأةً تصنع في صمتها ما لا تصنعه الضوضاء كلها. فكم من بنتٍ أصبحت نور بيتها، وكم من امرأةٍ حملت مجتمعًا بأكمله على كتفيها دون أن يذكرها أحد!
خاتمة: لا وأد بعد اليوم
وأد البنات ليس مجرد فعلٍ ضد الطفولة، بل فعلٌ ضد المستقبل. إنه طعنةٌ في قلب العدالة، وخيانةٌ لمعنى الرحمة، وتشويهٌ لصورة الإنسان في أخيه الإنسان. وقد علّمنا التاريخ أن المجتمعات لا تنهض حين تقتل الضعيف، بل حين تحميه. ولا تزدهر حين تفضّل الذكر لأنه ذكر، بل حين تزن الناس بميزان الكرامة والعمل والحق.
إن مقاومة هذه الظاهرة لا تبدأ بالقانون وحده، ولا بالموعظة وحدها، بل تبدأ من التربية، ومن الخطاب الديني الواعي، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن الأسرة التي تفهم أن البنت نعمة، وأن الأنثى حياة، وأن المجتمع الذي يتسع لولادتها يتسع لنهضته. وحين نقرأ الآيات القرآنية التي نزلت تفضح وأد البنات، ندرك أنها لم تنزل لتروي قصة ماضية فحسب، بل لتبني مستقبلًا لا تُدفن فيه الطفولة، ولا يُقتل فيه الأمل، ولا تُمحى فيه الكرامة من أجل وهمٍ اسمه العار.
فليكن جوابنا على السؤال القرآني الخالد: بأي ذنبٍ قُتلت؟
أنها لم تُقتل بذنبها، بل بذنب مجتمعٍ نسي أن الرحمة أصل العمران، وأن الحياة لا تُقسَّم على أساس الذكورة والأنوثة، بل تُصان على أساس الحق والإنسان.
