أطلال القلب

أطلال القلب
لوئام في القلبِ أطلالٌ لا يطمسُها الزمان، ولا يقدرُ النسيانُ أن يُسدلَ عليها ستارًا أو يُقيمَ لها جدارًا. هي في النفسِ أثرُ وشمٍ قديمٍ على كفِّ عاشقٍ، لا يبهتُ، وإن تتابعتْ عليه الشموسُ، ولا يضيعُ، وإن تناوبتْ عليه الرياح. وقفتُ هناك، كما يقفُ الظمآنُ عندَ السرابِ، وكما يقفُ الناجي على حافةِ حلمٍ كاد أن يفلتَ من بين أصابعه. أصحابي يحدقون بي، وخطايَ مترددةٌ بين صبرٍ يليقُ بالرجال وبين شوقٍ يجرحُ الكبرياءَ ويُربكُ الوقار. قالوا لي: لا تُتعبْ قلبكَ بهذا الأسى، تجلّدْ؛ فالعاشقُ إذا انكسرَ أمامَ الرمادِ صار الرمادُ أصدقَ منه. ورأيتُ موكب الحبيبِ يمرُّ في الصباحِ، فخالَهُ بصري سفائنَ تُقلعُ من ميناءٍ موحشٍ، تدلُّها الريحُ مرةً وتخونُها مرةً، ثم تُعيدُها الأقدارُ إلى وجهةٍ لا تُسمّى. كأنها قوافلُ من ضوءٍ، شُقَّتْ على الرملِ كما يُشقُّ الماءُ بسهمٍ لا يخطئُ طريقه. وفي الحيِّ وجهٌ نضرٌ كحديقةٍ مطرية، صبيٌّ يفيضُ بهاءً، إذا تحرّكَ خُيِّل إليكَ أن الفجرَ نفسهُ قد نفضَ عنهُ غبارَ الليلِ وخرجَ متزيّنًا بالندى. له لمعةُ لؤلؤٍ في طرفِ الابتسام، وله عنقُ غزالٍ يتيهُ في الخميلةِ ثم يعودُ إليها كما يعودُ القلبُ إلى هوى القلب. يرعى في ظلِّ الروضِ كأنما أُعطيَ من الجمالِ ما يكفي أمة كاملة، وتحمله الرقةُ كما تحملُ النسمةُ ورقةَ ياسمينٍ لا تريدُ لها أن تذبلَ ولو لحظة. وإذا تبسّمَ، انشقَّ الرملُ عن ماءٍ خفيّ، وخُيّلَ للعينِ أن الشمسَ قد تركتْ لهُ بعضَ ردائها فأفصحَ عنهُ الجلدُ النقيُّ واللونُ المصقولُ والفتنةُ المهذبة. وأنا، كلما ثقلتْ على صدري الهمومُ، أركبُ سيارتي التي تعرفُ طريقَ الصباحِ وطريقَ المساء، تمضي بي كأنها رفيقةُ همٍّ لا دابةُ سفر، لا تتعثرُ إلا لتنهضَ من جديد، ولا تتباطأُ إلا لتسبقَ الريحَ في لحظةِ انطلاق. ناقة صلبةٌ، كأن ألواحَها من خشبٍ عتيقٍ صُفَّ بعناية، وكأنَّ ظهرَها طريقٌ ممهدٌ لخطى المسافرِ الملهوف. جسدٌ يلمعُ تحتَ الشمسِ كما يلمعُ الصبرُ في وجهِ الرجال، وعزمٌ ينهضُ في عضلاتِها كما ينهضُ الشوقُ في صدرِ من لا يملكُ البوح. تعلو بها التلالُ كما تعلو النوايا الكبيرةُ على الصغائر، وتنخفضُ بها الوديانُ كما تنخفضُ النفسُ إذا لامسها التعب، ثم لا تلبثُ أن تستقيمَ من جديد، كأنها تعرفُ أن الطريقَ لا يُقاسُ بالقربِ وحده، بل بثباتِ القدم. لها فخذانِ متينانِ، يبدوانِ كأنهما بابانِ منيعانِ لقصرٍ لا يقتحمهُ إلا الريحُ أو المجد. ولها مرفقانِ دقيقانِ، كأنهما مفصلانِ صُنعا لخطوةٍ محسوبةٍ لا تعرفُ العبث. ولها عنقٌ إذا انحنى حسبتَهُ غصنًا في صخرةٍ، وإذا ارتفعَ رأيتَهُ لواءً في قلبِ الصحراء. وعلى مقدمِها رأسٌ شديدُ اليقظة، كالسيفِ إذا استيقظَ من غمده، وكالعينِ إذا تعلّمتِ الحذرَ من كثرةِ الأسفار. وله وجهٌ صافٍ كصفحةِ قرطاسٍ لم تُكتبْ عليه الخيبات، وخدٌّ ناعمٌ كأنما رُسم بالقلمِ الأولِ قبل أن يتدخلَ العالم. وعينانِ هادئتانِ، فيهما سكونُ الصخرِ وحرارةُ الماءِ تحتَ الرمل، تحتفظانِ بما ترى ولا تفضحانِ ما تشعران، كأنهما تعرفانِ أن السرَّ جمالٌ آخر. ولستُ إذا أقبلَ الليلُ على قلبي أدعهُ يطولُ بلا خصام. أدفعهُ بالذكرى إن أحزنني، وأدفعُهُ بالشرابِ إن أثقلني، وأدفعُهُ بالفخرِ إن حاولَ أن يكسّرَ فيَّ آخرَ ما تبقّى من صلابة. فأنا رجلٌ لا يرضى أن يُرمى على قارعةِ الحياةِ كما تُرمى قطعةُ قماشٍ بالية، بل أجعلُ من خوفي سبيلاً إلى جرأتي، ومن وحدتي سبيلاً إلى اتساعِ صدري. إذا اجتمعَ القومُ وسألوا: من الفتى؟ قلتُ: ها أنا، لا لأنني أطلبُ مدحًا، بل لأنني لا أقبلُ أن يسبقني غيري إلى موضعِ الكرامة. إذا هاجتِ الفِرَقُ، كنتُ أولَ من يثبتُ، وإذا اضطربتِ الخيولُ، كنتُ أولَ من يهدئُ جموحَها. وإذا احتاجوا إلى من يسندُ الليلَ على كتفيه، كنتُ ذلك الذي لا يعتذرُ من حملِ التعب. ولقد عرفتُ المجلسَ والشارعَ والسوقَ والضيفَ والخمرةَ والإنفاق، وعرفتُ أن للذةِ وجهين: وجهًا يبهجُ الروحَ، ووجهًا يفتكُ بها إن تجاوزَتْ حدَّها. لكنني كنتُ في شبابي أميلُ إلى السعةِ، أفرحُ بالكأسِ إذا دُعيتُ إليها، وأبسطُ يدي بما أملكُ كأن الغدَ لا يحتاجُ إلى ادّخار. ثم لمّا تضايقتْ عليّ الدوائرُ، وأعرضتْ عني العشيرةُ، وأفردتني الأيامُ كما يُفردُ البعيرُ الشاردُ في فلاةٍ لا أنيسَ فيها، عرفتُ أن الوحدةَ أقسى من الفقر، وأن نظرةَ القريبِ إذا جفّتْ أبردُ من سيفٍ لا يجرحُ الجسدَ بل يجرحُ المعنى. ألا أيها اللائمُ، إن كنتَ ترى في حضوري الميدانَ جرأةً، وفي شهودِ اللذةِ ضعفًا، فأنتَ لم تعرفْ طبائعَ الرجالِ ولا معادنَ الأيام. إن كنتَ لا تستطيعُ ردَّ الموتِ عني، فدعني أختارُ خطوتي إليه، أدخلهُ وأنا واقفٌ لا وأنا ممددٌ بالوجل. ولولا ثلاثٌ من زينةِ الدنيا ورهبةِ الروح، لما أبقيتُ في العمرِ بقيةً أعلّقُ بها سراجَ الصبر: أن أسبقَ العاذلاتِ إلى الكأسِ حين يلمعُ لونُها الكميت، وأن أُجيبَ نداءَ النصرةِ إذا صاحَ الصائحُ في الساعاتِ العسيرة، وأن أختصرَ النهارَ حين يهبطُ المطرُ على الخيامِ فيصيرُ تحتها الحديثُ أدفأَ من الشكوى، وأبهى من السجعِ حين يلاعبُ المعنى. أنا الكريمُ الذي لا يشتهي أن يعيشَ نصفَ حياة، أريدُها كاملةً: كرامةً في الموقف، وشجاعةً في العطاء، وقلبًا لا يتهيبُ السؤالَ إذا كان السؤالُ بابًا إلى النخوة. ومع ذلك، ما اخترتُ الترفَ إلا لأنه كان يلمعُ أمامي كما يلمعُ البدرُ فوقَ كثبانِ الليل، وما أمسكتُ عن البذلِ إلا إذا ضاقَتْ بي اليدُ وضاقتْ بي يدُ من حولي أيضًا. ثم إن الموتَ حقٌّ، ولكنه لا يساوي عندي الفزعَ منه. أراهُ يختارُ الكرامَ كما يختارُ الندى أزهارهُ الأولى، ويُهمِلُ البخلاءَ وإن ضيّقوا على أنفسهم، لأن المالَ إذا أُغلقَ على صاحبهِ صار قيدًا لا ثروة، وإذا جرى في يدِ الشريفِ صار أثرًا لا عدًّا. أرى العمرَ ينقصُ كلَّ ليلةٍ كما ينقصُ المصباحُ من زيته، ومع ذلك نبتسمُ كأننا لا نرى كيف تُنقِصُ الأيامُ منّا ما لا يُستردّ. ولقد عرفتُ في الناسِ قسوةَ القريبِ، وذلك الجرحُ أعمقُ من كلِّ جرحٍ، لأن السهمَ إذا جاءَ من الغريبِ عُدَّ حادثًا، أما إذا جاءَ من رحمٍ قريبٍ صار في القلبِ صدعًا لا يُرمَّمُ بسهولة. كم عانيتُ من اللومِ الذي لا يعرفُ سببه، ومن العتابِ الذي يجيءُ بلا عدلٍ، ومن الصدِّ الذي يرفعُ بيني وبين بعضِ من أحببتُ حاجزًا من صمتٍ أثقلَ من السيوف. ومع ذلك، بقيتُ على خلقي، لا أبيعُ الوفاءَ بمالٍ، ولا أُقايضُ المروءةَ براحةٍ زائلة، ولا أبدّلُ طبعَ الفتى الحرِّ بطبعِ من يشتري رضى الناسِ بثمنِ نفسه. لو شاءَ ربي لجعلني من ذوي الثراء، ولأحاطني ببنينَ سادةٍ يرفعونَ شأنَ البيتِ ويصنعونَ المجدَ للغد، ولكنه شاءَ أن أكونَ كما أنا: رجلًا يَعرفُهُ الناسُ من وقعِ خطوته، ومن شدّةِ قامته، ومن صلابةِ صدره، ومن سعةِ يده إذا قُدّرَ لها أن تعطي. أنا الرجلُ الذي ترونهُ في مواطنِ الفخرِ، وفي مواطنِ الحربِ، وفي مواطنِ اللينِ إذا دعتْ إليه الضرورةُ، فلا أستطيلُ على صغير، ولا أهابُ كبيرًا إذا جارَ، ولا أفرُّ إذا احتدمَ اللقاء، بل أقدّمُ قلبي كما يُقدَّمُ السيفُ للريح كي يُختبرَ هل يلمعُ حقًا أم لا. وقد علّقتُ على خاصرتي سيفًا رقيقَ الحدِّ، إذا نهضتُ به في وجهِ الخصمِ حسبتَ البدءَ فيه كالنهايةِ، لأنه لا يتركُ للردِّ وقتًا، ولا يمنحُ الخصمَ مساحةً للمناورة. هو أخي في الثقةِ، وشريكي في الحسم، إن قلتُ له: تقدمْ، تقدّمَ، وإن قلتُ له: انتظرْ، كان انتظارهُ شبيهًا بانقباضِ البرقِ قبلَ سقوطه. وإذا اشتدَّتِ الغاراتُ، كنتُ حاضرًا، وإذا اضطربتِ الكتيبةُ، كنتُ جدارها، وإذا أخذتِ المخافةُ بالقلوب، كنتُ أنا الذي يشقُّ لها سبيلَ النجاة. وليس الشرفُ عندي شعارًا يُعلّقُ على الأبواب، بل ممارسةً يوميةً، ومحنةً تُثبتُ المعدن، وساعةً تُقاسُ فيها الرجولةُ لا بالألفاظِ بل بالفعل. أما الليلُ، فقد عرفني صبورًا حينًا، ونفورًا حينًا، وعرف أني لا أُسلمُ لهُ أمري كما يستسلمُ النائمُ للوسادة. وفي يومٍ من الأيامِ، وقفتُ موقفًا لو لا ثباتُ الجأشِ لكانتِ الفرائصُ فيه ترتعشُ، وحاولتُ أن أُخفيَ ارتباكًا بشجاعةٍ مكتملةٍ، فما استطعتُ إلا أن أجعلَ الخوفَ خادمًا للعزم، لا سيدًا عليه. ولقد حفظتُ في ذاكرتي صورةَ ذلك الصغيرِ المذبوحِ، حين نظرتُ إلى النارِ توقدُهُ، فقلبُتُ المشهدَ في نفسي حتى بدا لي أن الإنسانَ مهما أوتيَ من بأسٍ يبقى هشًّا أمامَ قسوةِ المصير. ومع ذلك، لا أنحني، لأن انحناءَ الروحِ ليس من شأنِ من وُلدَ على شغفِ التحدي. سيأتيكَ الزمنُ بما لم تعرفْهُ، وستنطقُ الأيامُ بما عجزَ عنهُ اللسان، وسيفضحُ الغدُ ما تسترُهُ اللحظة، ويأتيك بالخبرِ من لم تودّعهُ، ويخبرك بما لم تشترِهُ، لأن الحقيقةَ، مهما تأخرتْ، تسيرُ في الصحراءِ بلا دليلٍ وتصلُ في النهايةِ إلى قلبِ من يستحقُّها. وهكذا أبقى بين الأطلالِ والنجوم، بين الكأسِ والرمح، بين الحنانِ والصلابة، بين سخريةِ العالمِ ووقارِ القلب، أصوغُ من الوجعِ أغنيةً، ومن الفقدِ معنى، ومن الطريقِ وعدًا لا ينكسر. فإن سألَ سائلٌ: أين روحُ المعلّقةِ هنا؟ قلتُ: هي في هذا التوترِ الجميلِ بين الحنينِ والفخر، بين الحبِّ والبطولة، بين رهافةِ المعنى وبأسِ العبارة، بين قلبٍ يحبُّ حتى الأطلال، وروحٍ لا تنحني إلا لتلتقطَ من الترابِ ما يكفيها لتصنعَ منهُ مجدًا جديدًا.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال