الشامة و الفتاة البديلة
كانت جارتنا و صديقتنا " بهار " التركية التي تجالسنا كل أسبوع على رصيف الوجه البحري ، في تلك الأمسية المبللة بالملح والحنين ، حيث يداعب الموج الهادئ صخور الشاطئ ، تحكي قصة وكأنها لا تروي حكايةً سمعَتها ، بل جرحًا عميقا ما يزال يتنفس في صدرها المتفتح . كنا قد ابتعدنا قليلًا عن ضجيج السوق، واخترنا الشاطئ المقابل لمركز سلطان الشرق الكبير، حيث البحر يفتح قلبه على وسعٍه أزرق غامق، وتغلق الشمس وراءه آخر أبواب النهار. هناك جلست ، تحدق في الأفق البعيد ، ثم قالت بصوتٍ خفيض ، كأنها تخشى أن يوقظ الكلام أرواحًا نائمة :
هذه ليست قصة امرأة واحدة ، بل قصة قلبين ضيّعتهما الأقدار في الزحام ، ثم أعادتهما الحياة من حيث لا يحتسبان.
ثم بدأت تروي القصة بصوت حزين .
كانت ديلوربا امرأةً من طبقة نادرة ؛ جمعت بين الثراء الفاحش والهيبة والجمال، لكنها كانت تحمل في جسدها وهنًا قاسيًا ، مرضًا مزمنًا ينهش أيامها ببطء ، كما تنهش النار خشبًا يابسًا لا يقوى على المقاومة. ومع ذلك ، كانت لا تبدو امرأةً مهزومة. كانت تعرف أن العمر ، مهما طال ، لا يمنح أحدًا وعدًا مكتملًا. ولهذا قررت أن تختصر الطريق إلى أمومتها ، وأن تتزوج رجلاً يبدو قريبًا منها ، متقربًا من قلبها ، متوددًا إلى روحها ، علّها تجد معه طفلًا أو طفلة يترك للحياة أثرًا أخيرًا، صغيرًا يشبه الفجر قبل أن يكتمل.
لم يكن زوجها إلا رجلًا لبس ثوب المحبة وهو يخبئ تحت أطرافه مطامع سوداء. رأى في ثروتها الهائلة جنةً لا تُرفض ، وفي ضعفها بابًا مفتوحًا للغنيمة. أما هي ، فكانت تعرف نواياه كما تعرف اليد دفءَ النار قبل أن تلمسها. لكنها مضت ، لأن الإنسان أحيانًا لا يختار ما يحب ، بل يختار ما ينقذه من الفراغ ، ينقذها من الضياع .
ومضت الأيام القليلة ، وحملت ديلوربا في احشائها ما كانت تفكر فيه. كان الخبر بالنسبة إليها أشبه بيدٍ خفية تزيح عن عينيها غبار السنين. فرحت فرحًا عظيمًا ، لكنها فرحة مشوبة بالخوف ، فالمرأة التي تتأخر عليها الأماني تتشبث بها كما يتشبث الغريق بخشبة واحدة في قلب البحر. أحبّت الجنين حتى قبل أن تسمع بكاءه ، حتى قبل أن ترى وجهه ، وصارت تخاطبه في صمتها وكأنه يسمعها من رحم الغيب.
لقد خافت عليه من كل شيء. خافت عليه من المرض ، ومن الشر ، ومن أبيه ، ومن العالم كله. لذلك أوقفت أدويتها كلها ، متوهمة أن حبها له أقوى من جسدها ، وأن الحنان قد يغلب الطب. كانت تمسح بيدها على بطنها وتهمس :
لا تخف يا صغيري ، أنا هنا. سأحمل عنكِ الألم، وسأدفع عنكِ كل أذى.
ولم تكن وحدها من يمتلئ قلبه بالخوف. فقد كتبت وصيةً دقيقة ، أوصت فيها بكل ما تملك لوليدها القادم ، واشترطت ألا يملك من المال شيئًا إلا بعد أن يبلغ العشرين ، ويتزوج ، ويعقل معنى الحياة. كأنها كانت تريد أن تحميه من الطمع الذي كان ينام إلى جوار أبيه.
غير أن القدر كان يخبئ لها فصلًا أكثر وحشة من كل ما توقعت.
حين جاء وقت الولادة ، انفتحت السماء على وجعٍ عظيم. نزيفٌ حاد ، صراخٌ مختنق ، وغرفةٌ باردة صارت مسرحًا لرحيلٍ مزدوج. خرج الطفل إلى الدنيا في لحظةٍ خاطفة ، ثم انطفأ كل شيء. لم يكتب له أن يفتح عينيه طويلًا. وماتت ديلوربا وهي تمسك بالحياة من طرفها الأخير ، كمن يودّع العالم وفي فمه اسم لم يولد بعد. وكانت طفلةً فائقة الجمال ، دائمة الابتسام ، أو هكذا قيل، لأن الجمال أحيانًا لا يترك لأصحابه فرصة البقاء.
أما الزوج، فقد وقف ذاهلًا. لم يكن الذهول في قلبه حزنًا ، بل صدمةَ رجلٍ فقد صفقته الكبرى. ماتت الزوجة ، وماتت الطفلة ، وتبدد المال من بين يديه كالماء على الرمل. لم يعد يهمه سوى ذلك الإرث الذي كان يراه قبل أيامٍ جسرًا إلى الغنى المطلق. وهنا بدأت الطمع يتحول إلى وحشٍ كاسر كامل الوجه.
قال لنفسه: كيف أعود صفر اليدين ؟ كيف أواجه الناس وقد ضاع كل شيء ؟
ثم خطرت له فكرةٌ تشبه العفن حين يتسلل إلى الخبز : أن يأتي برضيعة أخرى ، بأي طريقة ، وأن يجعلها بدل الصغيرة المفقودة ، حتى لا ينقطع خيط الثروة عن يده.
وكانت لديه خادمة اسمها " أيبرو " ، امرأةٌ قاسية الملامح ، باردة العينين ، تعيش على ما تبقى في صدرها من ولاءٍ لرجلٍ أنقذ حياتها يومًا ، يوم وجدها ملقاةً بين الحياة والموت ، وقد فقأ أحد المجرمين عينها وتركها لنصف موت. منذ تلك اللحظة ، صار الولاء عندها دينًا ، لا مجرد شعور.
بحثت " ايبرو " عن الطريق الأقذر لترد الجميل. قصدت وكرًا للمجرمين ، وتحديدًا الرجل الذي فقأ عينها ، وعرضت عليه مالًا كثيرًا مقابل أن يختطف مولودة صغيرة. لم تكن تريد أن تنتقم لماضيها ، بل أن تفي بوعدٍ ذليلٍ قطعته لرجلٍ لا يعرف الرحمة. وافق الرجل ، واتفقا على أن تُختطف طفلة من إحدى الفلاحات العاملات في الحقول ، طفلةٌ لا ذنب لها سوى أنها جاءت إلى الدنيا في المكان الخطأ.
وكان ذلك الرجل يمتلك ابنًا صغيرًا يدعى " زاروك " . لم يكن الصبي بعد قد صار مجرمًا كامل الملامح ، لكنه كان يعيش في بيتٍ لا يعرف غير السرقة والصفقات السوداء. وفي ذلك اليوم ، اقترب من أمٍّ كانت تحتضن ابنتها الرضيعة قرب الحقول. كانت الأم تضحك لها وتضع على خدها قبلةً صغيرة ، كأنها تسقي قلبها من زهرٍ لا يذبل. وفجأة ، تسلّل الولد، انتزع الصغيرة من بين ذراعيها ، وانصرف مسرعًا.
شعرت الأم كأن قلبها اقتُلع من مكانه. ركضت ، وصرخت ، وانهالت دموعها على التراب. كانت تسابق ظلًّا لا يُمسك ، لكن الطريق خانها ، والحجارة خانتها ، وقدمها تعثرت فسقطت أرضًا. رفعت رأسها ، فرأت السيارة المجهولة تبتلع ابنتها من بعيد ، مثل وحشٍ يبتلع الضوء عند الغروب.
أما الأب فقد تمّم الصفقة مع " ايبرو " ، وأخذ المال ، لكنه لم يدر أن المرأة التي فقدت عينها ما تزال تملك عينًا داخل روحها ترى بها كل الطامعين. فقد اتفقت مع رجلٍ آخر كان يعمل معه ، على أن يكون المال كله من نصيبه إذا تخلّص من الرجل الأول. وجاء الرصاص أمام عين ابنه " زاروك " . سقط الأب ، وسقط معه آخر خيط كان يربط الصبي بعائلةٍ لم تمنحه إلا العتمة.
منذ ذلك اليوم ، صار " زاروك " وحيدًا في عالمٍ من حديد. لم يجد من يحنو عليه ، ولا من يعلّمه أن اليد يمكن أن تبني بدل أن تسرق. لكنه ، على قسوته ، كان يحمل في داخله شرارةً صغيرة لم تمت. كان يتذكر وجه المرأة التي خطف منها الرضيعة ، ويتذكر دموعها ، وتلك النظرة التي اندفعت منهما كأنها تناديه من قاع بعيد. والأشد من ذلك أنه احتفظ بسوارٍ سقط من يد الصغيرة يوم اختطفها. كان ينظر إليه أحيانًا ، فيشعر بوخزةٍ ضمير غامضة ، كأن شيئًا ما في داخله لا يرضى عن ما حدث.
ثم مضت السنوات سريعا .
كبرت الطفلة المفقودة ، لا في الفقر ، بل في القصر. تبنتها الأقدار عند أسرةٍ ثرية ، فنشأت بينهم باسم " زيليش " ، جميلةً على نحوٍ يرهق النظر ، واسعة العينين الرمادتين، رقيقة القسمات، تحمل في ملامحها نبرة حزنٍ لا تليق بصبيةٍ مدللة. كانت كأنها زهرة وُضعت في مزهرية من ذهب، لكن جذورها بقيت تبحث عن ترابٍ آخر. تربت وسط الخدم، والممرات اللامعة، والستائر الثقيلة، والوجوه التي تبتسم بقدر ما تخبئ. تعلمت تعليمًا عاليًا، وصارت أكثر رصانةً مما ينبغي لفتاة في عمرها.
أما والدها بالتبني ، ذلك الرجل الثري ، فلم يكن يرى فيها إلا مشروع زواجٍ يكتمل حين تبلغ العشرين. كان يعدّ الأيام كما يعدّ التاجر أرباحه. وقبل أن تبلغ ذلك السن بستة أشهر ، أعلن خطبتها على ابن شريكه في الأعمال، الشاب " جيهان " — الاسم ذاته الذي سيصير، في ما بعد، بابًا إلى مصيرٍ آخر — وكان أيضًا مديرًا للأمن ، صاحب منصبٍ كبير في وزارة الداخلية. بدا للناس أن القدر منحها رجلاً مناسبًا ، لكن قلبها لم يصدق. كانت تشعر أن كل شيءٍ حولها مرتبٌ بيدٍ لا تحبها.
لها صديقة وحيدة اسمها " ملتم " ، ابنة الشريك ، وأخت ذلك الشاب المتقدم لخطبتها. ومع ذلك، لم تجد " زيليش " في قلبها سكينة. كان أبوها يضيّق عليها الخروج ، ويحاصرها بالأسوار كما لو كانت كنزًا يخشى عليه من الضوء. لم تكن تعرف من العالم سوى نافذةٍ عالية وصوت أمٍ معلّقٍ على الجدار في صورةٍ قديمة: " ديلوربا " .
كانت " زيليش " تقف أحيانًا أمام تلك الصورة وتخاطبها كما تخاطب الغريبَ الذي يتفهم الألم من غير شرح.
لماذا تركتِني يا أمي ؟ لماذا بقيتُ وحدي في هذا البيت البارد ؟ أهذا أب ؟ أم جدارٌ يلبس وجه إنسان ؟ أين أنتِ حين أحتاج إلى يدٍ تمسح عني الخوف ؟
وفي قلبها ، كانت تقيم محاكمةً طويلة للعالم كله. كانت تخشى أن تكون الحياة مجرد غرفةٍ مغلقة ، وأن العمر مجرد انتظارٍ ثقيل لشيءٍ لا يأتي. لذلك كثيرًا ما كانت تلجأ إلى أحلامها ، تتخيل فارسًا غامضًا ، لا ثريًا ولا موظفًا ولا تابعًا ، بل رجلًا يحمل فيها معنى الخلاص ، لا الخاتم فقط.
وفي يوم الخطبة ، تسلل " زاروك " إلى القصر. لم يدخل كضيف ، بل كلص ، كما اعتاد أن يفعل. كان الليل قد هبط خفيفًا ، إلا أن النهار ما يزال معلّقًا على الزجاج. توارى في إحدى الحجرات ، يبحث عن غنيمةٍ يسيرة ، قطعة ذهب أو مجوهرات ، شيءٍ يبيع به بؤسه. غير أن الصدفة كانت قد رتبت لقاءً لا يشبه اللصوصية ولا الأعراس ، بل يشبه ارتطام روحين في ممرٍّ ضيق.
دخلت " زيليش " الغرفة فجأة بعد حادثٍ بسيطٍ أزعجها في حفل الخطوبة. كانت متوترة ، مثقلة ، وفي عينيها ماءٌ حزين لا يريد أن يذرف. أغلقت الباب خلفها ، ثم أسندت ظهرها إلى الحائط ، وأخذت تتنفس بصعوبة. رفعت رأسها نحو صورة أمها المعلقة على الجدار ، وقالت بصوتٍ متهدج :
لماذا تركتني يا أمي وحيدة بائسة مع أبٍ لا يعرف للحنان طريق ؟ لماذا كبرتُ وأنا أتعلم كيف أبتسم لمن لا يحبني ؟ هل كتب عليّ أن أكون هديةً في يد الرجال ؟
كان " زاروك " ، المختبئ خلف الستارة، يسمعها. وظل صامتًا ، كمن يسمع اعترافًا لا يخصه لكنه يهزه من الداخل. ثم تابعت ، وقد وضعت يدها على صدرها ، فوق الشامة الجميلة التي تحمل حرفين متداخلين، الزاي والجيم ، كأنهما أثرٌ من لغةٍ قديمة نُقشت على الجلد لا على الورق :
أين أنتِ الآن ؟ لماذا لم تأتي لتخلصيني من كل أوجاعي وآلامي ؟ أيعقل أن الإنسان يولد ليمشي طول عمره إلى باب لا يُفتح ؟
عندها ارتجف " زاروك " . شعر بشيءٍ غريب يمر في جسده. لم يعرف لماذا بدا له وجهها مألوفًا ، ولماذا أيقظت الشامة في صدره ذكرى صغيرة قديمة ، ذكرى يدٍ صغيرة تُنتزع من حضن أم ، وصوت بكاء يختلط بصفير سيارة. أحس أن الهواء ضاق ، وأن الغرفة لم تعد غرفة ، بل فم قدرٍ يوشك أن ينطق.
تراجع خطوة دون أن ينتبه ، فاهتزّ الخشب تحت قدمه، والتفتت " زيليش " فجأة. رأت ظله أولًا ، ثم وجهه ، فشهقت وصرخت بأعلى صوتها. كان صراخها نقيًا ، كأنه طلقة من ضوء. ارتعب هو ، ولم يفكر. جرى إلى النافذة ، ثم إلى الممر ، حتى غادر القصر كله ، وترك خلفه حذاءه المنقوش بحرفي الزاي والجيم.
وقف الحذاء هناك ، وحيدًا ، كأثرٍ من حلمٍ لم يكتمل.
تقدمت " زيليش " نحوه ببطء، كأنها تقرأ في نقوشه رسالةً لا تفهمها بعد. انحنت ، ومررت أصابعها على الحرفين. ثم شعرت بقلبها يرتجف ، لا خوفًا فقط ، بل بشيء يشبه النداء. كان في أعماقها صوتٌ قديم ، أبعد من الذاكرة وأقرب من الدم ، يقول لها إن هذه ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها.
وفي تلك الليلة، لم تنم. ظلت تحدق في السوار والحذاء ، وفي الشامة على صدرها ، وفي الصورة المعلقة لأمها. كانت تتساءل : من هذا الرجل ؟ ولماذا شعرت تجاهه بما لا يشبه الرعب وحده ؟ ولماذا بدا هروبه كأنه فرارٌ من شيءٍ أكبر من السرقة ؟
أما " زاروك "، فقد خرج إلى الشارع وهو يلهث ، كأنما هرب من نفسه لا منها. كان قلبه يطرق صدره بعنف. لأول مرة ، لم يكن خائفًا من الشرطة ، ولا من العقاب ، بل من ذلك الشعور المريب الذي انفتح في داخله عندما رأى وجهها.
قال لنفسه في الظلام :
لِمَ اهتز قلبي ؟ لِمَ كان في نظرتها شيء يشبه طفلةً نسيتها الحياة ؟
هل يمكن أن يكون الإنسان لصًا ، ثم ينهض ذات يوم وقد صار شاهدًا على خطيئته ؟
ومضى، بينما البحر البعيد يواصل صمته، كأنه يعرف أن الأقدار لا تنتهي عند بابٍ مغلق ، بل تبدأ منه. أمّا الشامة التي حملتها " زيليش " على صدرها ، فقد صارت في تلك اللحظة علامةً لا على الجمال وحده ، بل على الوعد الخفي بأن الحب ، مهما طال طريقه ، لا يخطئ العنوان إلى الأبد.
وهكذا، في الليلة التي فرّ فيها " زاروك " من الغرفة ، كانت القصة قد بدت كأنها انتهت ، لكنها في الحقيقة كانت تفتح أول صفحةٍ من حبٍّ طويل ، موجع ، يجرّ خلفه دموع الأمهات ، وخطايا الرجال ، ووحدة البنات ، ثم يترك في النهاية نافذةً صغيرة يدخل منها الضوء.
قالت الفتاة التركية و بعض قطرات الدمع ينسكب على خديها ، ثم سكتت. وبقي البحر أمامنا يلمع كعينٍ قديمة ، تعرف أكثر مما تقول.
ولم أدرِ يومها : أكانت تلك حكاية حب ، أم حكاية ضياعٍ يبحث عن اسمه ؟
