حين انفصلتُ عن نفسي
لا... يا رب، دلّني إلى بابٍ لا أراه.
همست انعام بالكلمات وهي تضمّ كفيها المرتجفتين إلى صدرها، كأنها تخشى أن تسمع الجدران صوتها.
كان الليل ينسحب ببطء من نافذة الغرفة، وكانت المدينة البعيدة تغفو تحت سماء يبهت فيها القمر شيئاً فشيئاً، بينما الرجل الذي صار زوجها قبل ساعات قليلة ينام في هدوء كامل، كمن انتهى من أمرٍ كان ينتظره منذ زمن.
التفتت إليه. كان وجهه ساكناً، مطمئناً، خالياً من الأسئلة.
أما هي، فكانت الأسئلة كلها قد استيقظت دفعة واحدة داخلها. لم تكن تعرف كيف يمكن لقلبين دخلا غرفة واحدة في الليلة نفسها أن يخرجا منها إلى عالمين مختلفين تماماً.
نظر إلى النوم كراحة. ونظرت إليه كمسافة لا تُجتاز.
رفعت عينيها نحو النافذة. كان القمر يبتعد خلف الغيوم، وكأنه هو الآخر لا يريد أن يرى عروساً تجلس على الأرض بثوب أبيض فقد لمعانه قبل أن يكتمل الليل. تأملت اللآلئ الصغيرة المتناثرة قرب أطراف ثوبها، وتذكرت كيف كانت أمها ترتبها بيديها المرتجفتين من الفرح وهي تقول:
انعام ستكونين أجمل عروس في البلدة.
ابتسمت يومها.
أما الآن فقد بدا لها أن الجمال يشبه الزجاج ؛ يكفيه ارتطام واحد حتى يفقد صوته اللامع إلى الأبد.
مر الوقت ثقيلاً. وظلت جالسة في مكانها، بينما أخذ عقلها المتعب يدور في دائرة مغلقة.
ثم جاءها سؤال مفاجئ:
ولو أردت الرحيل... إلى أين أذهب ؟
أغلقت عينيها. لم تجد جواباً.
كانت انعام الابنة الوحيدة لأسرة محافظة تحبها كثيراً، لكنها كانت تحب الخوف أكثر.
عاشت طفولتها بين دفاتر المدرسة ورائحة الكتب الجديدة.
وكانت تعود إلى البيت كل يوم حاملةً حكايات صغيرة عن المعلمات والصديقات والأشجار التي تظلل الساحة.
ثم جاء اليوم الذي قالت فيه أمها بهدوء :
انعام كبرتِ يا انعام.
ولم تفهم يومها ما الذي يعنيه أن تكبر فتاة في بيتٍ يخاف العالم.
بعد أسابيع قليلة، توقفت المدرسة. واختفت الحقيبة. وصارت النافذة هي الطريق الوحيد إلى الخارج. تقبلت القرار في صمت. لم تكن تملك لغةً للاعتراض.
لكن شيئاً في داخلها ظل جائعاً. فأخذت تقرأ. كانت تقرأ بنهم المسافر الذي يشرب الماء بعد عطش طويل. قرأت الروايات والتاريخ والشعر.
عرفت المدن البعيدة قبل أن تعرف الشارع المجاور. عرفت البحار قبل أن ترى النهر القريب من بيتها. وأحبت أشخاصاً لم يولدوا إلا في الكتب.
ومع مرور الأعوام، أصبحت روحها تشبه آلة كمان معلقة على جدار هادئ، تنتظر اليد التي تعرف كيف توقظ الموسيقى منها برفق.
وحين بدأت تفكر في الزواج، لم تفكر في بيت أو أثاث أو ذهب. كانت تفكر في الحديث. في الصداقة. في رجل يعرف كيف يصغي. في شخصٍ يمكن أن تقول له في ليلة شتوية:
انعام انظر... القمر جميل الليلة.
فيجيبها :
انعام نعم، لكنه أقل جمالاً منكِ وأنتِ تنظرين إليه.
كانت أحلامها بسيطة. لكن البساطة أحياناً أصعب الأشياء حصولاً.
جاء الخاطب الأول. دخل البيت محاطاً بالوجوه والنظرات والكلمات المحسوبة.
جلست انعام في صمت. شعرت أن الجميع يتحدث عنها دون أن يتحدث إليها.
وكان الرجل ينظر إليها كما ينظر شخص إلى شيء يريد تقييمه قبل شرائه.
حين غادر، شعرت بإهانة غامضة لا تعرف كيف تصفها. ثم جاء الرفض.
قالت أمها وهي تحاول الابتسام :
انعام الخير فيما اختاره الله.
أومأت انعام برأسها. لكنها لم تكن تبكي الرفض. كانت تبكي شيئاً آخر. تبكي كرامة لا تعرف كيف تدافع عنها. تبكي الإنسان المختبئ خلف الثوب والابتسامة والخجل. وتبكي أيضاً تلك القصة الصغيرة التي كانت تنسجها في خيالها منذ سنوات عن رجل يأتيها ذات يوم لأنه اختار قلبها، لا لأن أحداً اختارها له.
بعد ذلك رفضت تجربة الخاطب الثاني. وكان الرفض هذه المرة صامتاً لكنه واضح.
ثم ظهر الرجل الذي سيصبح زوجها. قريب للعائلة. معروف للجميع. لا حاجة لرؤية جديدة أو جلسات طويلة أو أسئلة كثيرة.
قال والدها:
انعام رجل محترم.
وقالت أمها :
انعام وسيصونكِ.
و قالت الخالات :
انعام نصيب ممتاز.
أما هي فكانت تسأل نفسها :
وهل يكفي هذا كله لكي يحب الإنسان ؟
لكن السؤال ضاع وسط أصوات كثيرة.
ووُضع الخاتم في إصبعها. وانتهى الأمر.
مر عام كامل من الخطبة. رأته خلاله مرات قليلة. كان قليل الكلام. وكانت هي أكثر قلةً منه.
وفي إحدى الأمسيات الصيفية جلسا وحدهما للمرة الأولى. كان الهواء ساخناً، وكانت الأشجار ساكنة. وتحدثا عن أشياء صغيرة لا تتذكرها الآن.
لكنها تتذكر أنه اقترب منها يومها لأول مرة، وأنها شعرت بشيء من الطمأنينة.
قالت لنفسها :
ربما يحتاج الحب إلى الوقت فقط.
تمسكت بهذه الفكرة كما يتمسك الغريق بخشبة صغيرة وسط البحر.
اقترب موعد الزفاف. وصارت الأيام تمر حولها بسرعة غريبة. كانت تأكل وتبتسم وتتحرك وتجيب عن الأسئلة.
لكن جزءاً منها كان بعيداً جداً.
وكان يعود إليها أحياناً شعور خاطف يشبه صوتاً خافتاً يقول :
هل أنتِ متأكدة ؟
فتطرده بسرعة. لأن كل شيء أصبح جاهزاً.والرجوع صار مستحيلاً.
وكان السؤال الأكبر دائماً :
إن لم يكن هذا الطريق... فأين الطريق الآخر ؟
ولم تكن تملك جواباً.
صعدت إلى غرفتها ليلة الزفاف وسط الزغاريد والضحكات والأصوات العالية. وكان قلبها يمشي أمامها بخطوات.
تذكرت كتاباً قرأته ذات مرة لكاتب أوروبي تحدث عن الزواج باعتباره رحلة تعارف طويلة بين شخصين يكتشف كل منهما الآخر ببطء واحترام وصبر.
ابتسمت للفكرة.
و قالت في نفسها :
جميل... إذن سيبدأ كل شيء من الغد .
لكن الغد لم يأتِ كما تخيلته.
وجاءت الليلة مختلفة تماماً عن كل الكتب التي قرأتها. ومختلفة عن كل الأحلام التي خبأتها في وسادتها الصغيرة منذ طفولتها.
وحين انتهى كل شيء، شعرت أنها تقف خارج نفسها، تنظر إلى فتاة أخرى تشبهها تجلس على الأرض في صمت.
خرج الزوج إلى أسرته. وعاد بعد ساعات. ثم نام سريعاً.
أما هي ، فبقيت مستيقظة.
كان هناك شيء انكسر داخلها دون صوت.
وشعرت لأول مرة أن الإنسان قد يفقد جزءاً من روحه دون أن يرى أحد ذلك.
في الصباح فكرت في الطلاق. ثم ضحكت من الفكرة بمرارة.
كيف ؟ و بأي مال ؟ و بأي بيت ؟ و بأي حياة ؟
لقد تعلمت القراءة، لكنها لم تتعلم مهنة. وتعلمت الحلم ، لكنها لم تتعلم النجاة.
وكان العالم خارج الزواج مجهولاً أكثر من الزواج نفسه. فصمتت.
مرت الأيام.
وكان الزوج يحاول الاقتراب منها أحياناً، لكنها كانت تشعر أن بينهما جداراً لا يُرى. ولم يفهم هو السبب. ولم تستطع هي أن تشرحه.
كيف تشرح لإنسان أن بعض الأبواب إذا فُتحت بعنف لا تعود تغلق كما كانت ؟ و كيف تقول له إن القلوب أيضاً تحتاج إلى الاستئذان ؟
أصبحت أكثر هدوءاً. أكثر صمتاً. وأكثر بعداً.
حتى بدت أحياناً كأنها تعيش داخل البيت بجسدها فقط.
ذات يوم تحدثت عن الانفصال.
كان صوتها خافتاً. مرتبكاً. كصوت طفلة تعترف بخطأ لم ترتكبه.
حدقت أمها فيها بذهول. و قالت :
انعام هل جننتِ ؟
و قال والدها بصرامة :
انعام بيت الزوج هو بيتكِ الوحيد.
ثم انتهى الحديث. كما تنتهي الأشياء كلها حين تكون المرأة وحدها في مواجهة الجميع.
وفي مساء من أمسيات الشتاء كانت تسير مع زوجها قرب النهر الذي يمر خارج البلدة.
كان الماء يلمع تحت ضوء القمر كأنه طريق طويل من الفضة السائلة. توقفت تنظر إليه طويلاً. اقتربت من حافة الأرض الممتدة داخل الماء.
وكان زوجها يقف إلى جوارها.
وفجأة خطرت لها فكرة أخافتها هي نفسها. فكرة سريعة. خاطفة. مرت في رأسها مثل برق بعيد.
عرفت أنه لا يجيد السباحة. وعرفت أيضاً أن النهر عميق. وبقيت الفكرة معلقة بين عقلها وقلبها لثوانٍ طويلة.
ثم رفعت رأسها نحو السماء. كان القمر هناك. القمر نفسه الذي صاحب وحدتها في سنوات القراءة الطويلة. والقمر نفسه الذي كان يسمع أسرارها الصغيرة أيام المراهقة.
شعرت كأنه ينظر إليها في هدوء.
وفي تلك اللحظة تذكرت كلمات شاعر قديم كانت تحبها:
يمكن للإنسان أن يبني سداً في وجه النهر،
لكن من يبني سداً في وجه الحزن إذا فاض ؟
تنفست بعمق.
وتراجعت خطوة إلى الخلف. وتركت الفكرة تذوب في الماء.
مرت السنوات.
ومضت الحياة كما تمضي الأنهار؛ لا تتوقف لتسأل أحداً إن كان راضياً عن الطريق.
ورُزقت بالأطفال. طفل بعد طفل.
وامتلأ البيت بالأصوات الصغيرة والحقائب المدرسية والأحذية المتناثرة والضحكات المفاجئة.
وكانت تحب أبناءها كثيراً.
لكنها كانت تشعر أحياناً أنها تنظر إلى حياتها من بعيد. كأن امرأة أخرى تعيش مكانها. وامرأة أخرى تبتسم. وامرأة أخرى تتحدث.
أما هي فقد بقيت جالسة في مكان ما داخل روحها القديمة تنتظر شيئاً لا تعرف اسمه.
وفي مساء هادئ بعد ست سنوات، جلس زوجها قرب النافذة.
كان القمر يسكب نوره فوق الغرفة مثل خيوط فضية رقيقة.
نظر إليها مبتسماً وقال :
انعام ماذا نسمي طفلتنا السادسة ؟
بقيت صامتة. ثم رفعت عينيها إلى القمر.
وشعرت فجأة أن فتاة صغيرة كانت تسكنها منذ زمن بعيد تطرق الباب من الداخل. الفتاة التي كانت تقرأ الروايات. الفتاة التي كانت تحلم بالحديث الطويل والحب الهادئ. الفتاة التي كانت تؤمن أن الأرواح تتعارف قبل الأجساد.
أين ذهبت تلك الفتاة ؟ ومتى غادرت ؟ ومتى توقفت عن البحث عنها ؟
سألها الزوج مرة أخرى :
انعام انعام... بماذا تفكرين ؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيها.
ثم قالت بهدوء يشبه الهمس :
انعام لا أعرف.
وسكتت قليلاً.
ثم أضافت وهي تنظر إلى القمر البعيد :
انعام الحقيقة أنني منذ سنوات طويلة... لم أعد أعرف نفسي جيداً.
وكان القمر يواصل رحلته في السماء بصمت. وكأن السماء كلها كانت تصغي إلى امرأة لم تكن تبحث عن اسم لطفلتها الجديدة، بقدر ما كانت تبحث عن اسمها هي... بعد كل هذا الغياب.
