عشَّمتَني بالحَلْق... فخرمتُ أذني للسراب

عشَّمتَني بالحَلْق... فخرمتُ أذني للسراب
المرشَّح يا بدرَ هذا الحيِّ، يا وعدًا يُلوِّحُ في المدى، ألقِ على عبدِك نظرةً، فالنورُ من عينيكَ يحييني، وابعث إليَّ من صوتِكَ العذبِ نغمةً، فصوتُكَ في الأسماعِ لحنٌ يُطربُ القلبَ ويُدنيني. أعطني صوتَكَ، فإنَّ صوتَكَ عندي أغنيةُ الرجاءِ، وأنشودةُ البقاءِ، وبه تُزهرُ أيّامي بعد طولِ عناءِ. أنا الذي أحفظُ مصالحَكَ كما يحفظُ الوردُ ندى الصباح، وأصونُ أحلامَكَ كما يصونُ البحرُ سرَّ الملاح، فلا تنسَني إذا ما أقبلَ الفجرُ بالنجاح، ولا تدعْ تعبي يضيعُ بين الريحِ والرواح. لا تجعلْ شقائي هباءً، ولا إنفاقي غبارًا في الفضاء، ولا سعيي سرابًا يذوبُ في الصحراءِ إذا جاء المساء. أنا لكَ بابٌ إن أُغلقَت الأبواب، وظلٌّ إن أحرقتكَ شمسُ الغياب، ووعدٌ يجيءُ بالخيرِ إذا تكاثفتْ سحبُ العذاب. سأزرعُ في الطريقِ مصابيحَ الأمل، وأجعلُ من التعبِ راحةً، ومن القحطِ سحابةً، ومن الانتظارِ فرحةً. فأعطني صوتَكَ، فإنَّ صوتَكَ عندي ليس ورقةً تُلقى، بل زهرةٌ تُهدى، ونجمةٌ تُرجى، وحلمٌ يفتحُ للأيامِ نافذةَ الضياء.  الناخب كم مرَّ هذا اللحنُ على سمعي، فداعبَ أذني، ثم مضى كنسيمِ المساءِ، وكم سمعتُ الوعدَ يُولدُ على الشفاه، ثم يموتُ قبل أن يبلغَ سماءَ الوفاءِ. يا صاحبي، ما أكثرَ الألحانَ إذا اقتربَ الموعد، وما أقلَّ الأفعالَ إذا انفضَّ الموعد. تأتي الكلماتُ مزدانةً كالورد، ثم ترحلُ ذابلةً كالأوراقِ في الخريف، ويصبحُ الوعدُ قمرًا بعيدًا، تراه العيونُ ولا تبلغه الكفوف. تنسى عهودَكَ، وتنسى وعودَكَ، وتنسى الوجوهَ التي صفَّقت، والأيدي التي رفعت، والقلوبَ التي انتظرت، ثم تمضي كأنَّ شيئًا لم يكن. تذكرُ الطريقَ إليهم قبل الفوز، وتنساه بعد الفوز، فيا للعجبِ من قربٍ يصيرُ بعده البعد، ومن دفءِ اللقاءِ الذي يعقبه البرد. كنتَ قبل الكرسيِّ قريبًا، فصرتَ بعد الكرسيِّ غريبًا، وكان صوتُكَ يسبقُ خُطاك، فصار صمتُكَ يسبقُ جوابَكَ. كم مرةً صدَّقنا الكلامَ الجميل، فأورقَ في القلبِ الرجاء، ثم جاء الواقعُ عاريًا من الحلم، فذبلتْ أغصانُ الرجاءِ في الفناء. لقد أصبحَ المثلُ شاهدًا عليك، والأيامُ تحفظُ ما نسيت، والناسُ تروي ما مضى وما أتيت. وصدقَ القائلُ حين قال: "عشَّمتَني بالحَلْق، فخرمتُ أذني للسراب." أغريتني ببريقِ الذهب، فلم أحصدْ سوى لمعانِ الوهم، ورسمتَ لي قصرًا من الأمنيات، فاستيقظتُ على جدارٍ من الغيم. أريتني النهرَ يجري لبنًا وعسلًا، فإذا بالأرضِ عطشى، وإذا بالأمنياتِ سفنًا من ورق، تغرقُ عند أول موجةٍ من الحقيقة. يا صاحبَ الوعودِ الموشّاةِ بالكلام، إنَّ القلوبَ لا تعيشُ على الأصداءِ، ولا ترتوي من سرابِ الرجاءِ، فالزرعُ يريدُ مطرًا، والليلُ يريدُ قمرًا، والناسُ تريدُ فعلًا يسبقُ القول، لا قولًا يسبقُ الأفول. فإن وعدتَ فأوفِ، وإن قلتَ فاصدق، فما أجملَ الوعدَ إذا صدق، وما أقسى الوعدَ إذا احترق. فالناسُ تحفظُ من يداوي جرحَها، وتنسى من يبيعُها الحلمَ في ثوبِ الكلام، وما بين الصدقِ والزيفِ، وما بين النورِ والخداعِ، وما بين القربِ والجفاءِ، تظلُّ الحقيقةُ وحدها أجملَ الأصوات، وأبقى الذكريات. بين المرشح و الناخب عشمتني بالحلق المرشح يا بدر، نظرة لعبدك... نظرة تحييني ترجعلي نبضي وتوهجي... وتداوي حنيني أنا اللي واقف على بابك، شوقي بيناديني والليل طويل ومفيش غيرك... نجمك يهديني أديني صوتك، عشان أفلق عدويي صوتك سلاحي وسري، ورفيقي في نِيِّي لو طال عليّ الليل، صوتك يدفيِّي يشعل ف قلبي حماسي... ويقوّي عَنيّي أديني صوتك، دا صوت مطرب بيشجيني يسحرني نغمه، ويحييني ويحييني أعيش على همسته، ويغمرني بحنيني لو غبت لحظة عنّي، تضعف قوانيني أنا اللي أعرف مصالحك، أوعى تنساني في عزّ وقتك، أنا ظهرك، سندك وكياني لا تنسى يوم إني وقفت، وبعت زماني واخترت دربك، وقلت بصدق: "ده مكاني" لا يضيع شقايا، ومصرفي، وتأميني ده العمر راحلك هدية، ف إيدك، خذني كل اللي جمّعته، وحلمته، خزنته بعيني لجل العيون اللي بنورها، تناديني الناخب يا ما النغم ده سمعته... ورنّ في وداني، والوعد يتقال... ويرجع يتنسى تاني، تنسى وعودك، وتنسى الناس، وتنساني، وانت اللي صح المثل فيك، وصدق لسانه: "عشّمتني بالحلق، خرّمت أنا وداني!" قلتوا: "هنبني... ونعلي... ونمسح الأحزان"، وآمنت بيكم، وصدّقت الكلام كإنه قرآن، رسمتلكوا الحلم في قلبي، وفي الخيال ألوان، وفي الآخر؟ نفس الدائرة... ونفس الموال كمان! صوتي رماه الأمل في سلة الوعود الفاضية، ورجعت بيّه لخط البداية... والمراية قاضية، أنا اللي اخترت، وأدّيتك مفتاحي بإيدي، بس نسيت إنك نايم... أو بتلعب في مواعيدي! فاض الكيل... وقلبي اتلسع من نار الأماني، والمثل لسه بيرنّ فيا... زي طَعنَة فِ أماني: "عشّمتني بالحلق، خرّمت أنا وداني!"

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال