على ضفاف الشوق حين لا يشيخ الحبّ ولا ينام

على ضفاف الشوق حين لا يشيخ الحبّ ولا ينام
أَتَظُنِّينَ أنَّ القلبَ ينسى، وأنَّ العمرَ يمضي كما تمضي الغيومُ الخفيفةُ في سماءِ المساءِ؟ أَتَظُنِّينَ أنَّ البعدَ يُطفئُ ناراً أشعلتِها أنتِ في أعماقِ الروح، وأنَّ النوى يمحو ملامحَ الحنينِ من دفاترِ الأيام؟ كيفَ أَسلو، وأنتِ البدايةُ إذا ابتدأ الفرح، وأنتِ النهايةُ إذا انتهى الكلام؟ كيفَ أُغلقُ بابَ القلبِ، وأنتِ المفتاحُ والبابُ والدارُ والسلام؟ أتعلمينَ يا أنتِ، يا أجملَ صدفةٍ عبرتْ سماءَ أيامي، أنكِ الهواءُ الذي أتنفَّسهُ حين تضيقُ الدنيا، والماءُ الذي ترتوي به صحراءُ روحي حين يجفُّ الرجاء؟ أنتِ نبضي إذا هدأ العالم، وصوتي إذا اختنقت الكلمات، ونوري إذا تاهت خطايَ في دروبِ المساء الطويل. فدعيني، يا سيِّدةَ الحسنِ والدلال، أُرمِّمُ ما كسرَهُ الغياب، وأزرعُ في حدائقِ الحزنِ أغنيةً جديدة، فالروحُ التي عرفت الحبَّ مرةً، لا تُجيدُ إلا الغناء.  أنا غارقٌ في بحرٍ من الصمت، تأكلُ أمواجُهُ ضفافَ أيامي، ويعبرُ اليأسُ أحياناً كشتاءِ طويلٍ فوق نوافذِ القلب. لكنني، رغم التعب، ما انحنيتُ لريحٍ، ولا بعتُ كرامتي لسحابةِ شوقٍ عابرة. أنا كالمطرِ إذا صفا، أمنحُ دون حساب، وأنا كالسيفِ إذا جُرِحَ الكبرياء، ألمعُ ولا أنكسر، وأتألَّقُ ولا أندثر. فلا تظنِّي أنَّ الحبَّ ضعفٌ، فالحبُّ الذي يهدمُ الكرامةَ ليس حباً، والقلبُ الذي يفقدُ احترامَهُ في الطريق، يصلُ متأخراً إلى الفرح. نعم، أحببتُكِ، وما زلتُ أحبُّ فيكِ أشياءَ كثيرة؛ ضحكتكِ حين تُشبهُ المطر، وصمتكِ حين يُشبهُ صلاةَ المساءِ، وعينيكِ حين تتسعانِ لوطنٍ من الأحلام. لكنني لا أُطيقُ جفاءً يلبسُ ثوبَ الدلال، ولا هجرًا يتزيَّنُ باسمِ العتاب، فبين الحبِّ والكبرياءِ خيطٌ من نور، إذا انقطعَ، أظلمتِ المسافات.  لا أُنكرُ أنَّ الشوقَ يسكنني، وأنَّ الحنينَ يعرفُ عنواني جيداً، وأنَّ الليلَ كثيراً ما يفاجئني وأنا أُحادثُ صورتكِ في المرايا. أمشي بين الناسِ باسماً، وفي داخلي ألفُ نافذةٍ تبكي بصمت. أبدو هادئاً، لكنَّ البحرَ أيضاً يبدو هادئاً قبل أن تُوقظهُ العواصف. وكم أشبهُ مزارعاً زرعَ العمرَ قمحاً من الأماني، ثم جاءَ الخريفُ مبكراً، وحصدَ الريحَ بدل السنابل. أرى الوجوهَ من حولي، تبتسمُ وتغني وتحتفل، وأرى في العيونِ حكاياتٍ كثيرة، لكنَّ قلبي لا يرى إلا وجهكِ، ولا يحفظُ إلا اسمكِ، ولا ينادي إلا عليكِ. كم من الجميلاتِ مررنَ كالفصول، وكم من العيونِ أرسلتْ رسائلَ الضوء، لكنَّ بعضَ القلوبِ خُلقتْ لاسمٍ واحد، وبعضَ الأرواحِ لا تُقيمُ إلا في وطنٍ واحد.  كنتُ أتمنى لو اخترتِ الطريقَ الأجمل، طريقَ الودِّ لا الصدِّ، وطريقَ القربِ لا البعد، وطريقَ الصراحةِ لا الصمت. فالحبُّ لا يعيشُ في الظلال، ولا يزهرُ في البرد، ولا يطيرُ بجناحٍ واحد. الحبُّ شمسٌ أو لا يكون، ونهرٌ أو لا يكون، وصوتانِ يلتقيانِ في أغنيةٍ واحدة، لا صدىً وحيداً يضيعُ في الجبال. كنتُ أتمنى أن نمشي معاً في الطريقِ نفسه، فنقتسمُ تعبَ المسافة، ونتبادلُ ظلالَ الأشجار، ونضحكُ للريحِ إذا عبثتْ بخصلاتِ المساء. لكنَّ الريحَ اختارتْ اتجاهاً آخر، واختارتْ السفينةُ شاطئاً آخر، فبقيَ البحرُ بيننا، وبقيَ الشوقُ يُلوِّحُ من بعيد.  لا تظنِّي أنَّ الأنينَ يظهرُ على ملامحي، فأنا أجيدُ إخفاءَ الألم، كما تُخفي السماءُ دموعَها داخلَ الغيوم. أستطيعُ أن أُجمِّدَ الدمعَ في عيني، وأن أبتسمَ والوجعُ يطرقُ أبوابَ قلبي، فالرجالُ أحياناً لا يبكونَ أقلَّ، لكنهم يبكونَ بصمتٍ أكثر. وإذا استعصى اللقاء، فسأكتفي بذكرى جميلة، فالذكرياتُ أحياناً تكونُ وطناً صغيراً للمنفيِّينَ من الحب. وفي الدنيا وجوهٌ كثيرة، وقلوبٌ كثيرة، وأغنياتٌ كثيرة، لكنَّ القلبَ لا يُقاسُ بالكثرة، فقد تكونُ وردةٌ واحدة أجملَ من بستان.  وربما يأتي يومٌ تلتفتينَ فيه إلى الوراءِ، فتجدينَ أنَّ بعضَ الراحلينَ كانوا أكثرَ وفاءً من الحاضرين. وربما تدركينَ أنَّ المبالغةَ في الجفاء تجرحُ أكثرَ مما تُربِّي، وأنَّ القلوبَ مهما أحبَّت فإنها تتعب، ومهما صبرت فإنها ترحل. عندها ستتذكرينَ كيف كانَ الحبُّ بسيطاً وجميلاً، وكيف كانتِ الأيامُ خفيفةً كالفراشات، وكيف كانتِ الضحكاتُ تسبقُ الكلمات. ستتذكرينَ صباحاتٍ كانت تُشبهُ الياسمين، ومساءاتٍ كانت تُشبهُ الدعاء، وأحاديثَ قصيرةً كانت أطولَ عمراً من السنين.  أما أنا، فلستُ شامتاً بالمسافات، ولا فرحاً بانتصارِ الغياب. فالقلوبُ الكبيرةُ لا تُجيدُ التشفي، كما أنَّ الأشجارَ المثمرة لا ترشقُ العابرينَ بالحجارة. لقد غادرتُ حباً أرهقهُ الظلم، واتجهتُ نحو حبٍّ أكثرَ صفاءً، حبٍّ يشبهُ النورَ إذا أشرق، ويشبهُ المطرَ إذا نزل، ويشبهُ الدعاءَ إذا صعدَ إلى السماء. حبٌّ لا يُذلُّ ولا يُهان، لا يجرحُ ولا يفضح، لا يُطفئُ الروحَ بل يُضيئها، ولا يُثقِلُ القلبَ بل يُحلِّقه. هو حبٌّ إذا اقتربَ صارَ سلاماً، وإذا ابتعدَ صارَ احتراماً، وإذا انتهى تركَ خلفهُ ورداً لا رماداً.  ما أجملَ الحبَّ حين يكونُ نقياً، وما أقسى الهوى حين يتحولُ إلى قيد. فبينَ الصفاءِ والجفاء، وبينَ الوفاءِ والرياءِ، وبينَ القربِ والبعد، تولدُ الحكاياتُ وتموت. السجعُ في القلبِ يقول: قربٌ يُحيي، وبُعدٌ يُفني، وودٌّ يبقى، وجفاءٌ يفنى. والطباقُ يهمس: ليلٌ ونهار، حضورٌ وغياب، دفءٌ وصقيع، ابتسامٌ ودموع. والجناسُ يغنّي: بينَ السَّلامِ والكلامِ، وبينَ الهوى والهوية، وبينَ الروحِ والروحانِيَّة، تنمو المعاني كما تنمو الزهورُ على ضفافِ المطر.  ويبقى السؤالُ معلقاً في آخرِ الطريق: هل ينسى القلبُ حقاً من أحبَّ؟ أم أنَّ بعضَ الأرواحِ خُلقتْ لتسكنَ بعضها، ولو فرَّقتْ بينها المدنُ والسنوات؟ ربما يهدأ الشوق، وربما تنامُ الذكريات، لكنَّ الحبَّ الصادقَ لا يموت، إنَّه فقط يغيِّرُ مكانَ إقامته؛ فيغادرُ الشفاه، ويسكنُ الدعاء. وهكذا يبقى في القلبِ ركنٌ مضيء، لا تطفئهُ الرياح، ولا تمحوهُ المواسم، ركنٌ يقولُ في هدوء: لقد مرَّ الحبُّ من هنا، فصارَ القلبُ أوسعَ من الألم، وأجملَ من الحكاية، وأقربَ إلى السماء. وربَّ قلبٍ نظرَ إلى حواءَ حبّاً، ثم نظرَ إليها حكمةً، فعرفَ أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ ليس امتلاكاً... بل ارتقاء، وليس قيداً... بل فضاء، وليس نهايةً... بل بدايةٌ أخرى من الضوء والصفاء.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال