الوقار والطيش
قراءة دينية واجتماعية ونفسية في ضوء الذاكرة الإنسانية
مقدمة
يمضي الإنسان في حياته بين قوتين متعارضتين تسكنان النفس البشرية منذ فجر الطفولة: قوة الوقار التي تميل إلى السكينة والحكمة والتبصر، وقوة الطيش التي تنزع إلى العجلة والاندفاع والانفعال. وليس الصراع بينهما مجرد صراع أخلاقي عابر، بل هو صورة مصغرة للصراع الأزلي بين العقل والهوى، وبين التأمل والاستجابة الفورية، وبين النضج والتسرع.
فالوقار ليس بطئاً في الحركة، كما أن الطيش ليس دليلاً على الحيوية والشجاعة؛ بل إن الوقار قوة هادئة، والطيش ضعف صاخب. والإنسان، كلما تقدم به العمر، وجد نفسه يعود إلى محطات طفولته الأولى، يستخرج منها المعاني التي غابت عنه يوم عاشها، فيكتشف أن الذكريات القديمة لم تكن أحداثاً عابرة، بل كانت دروساً مؤجلة الفهم، أودعتها الحياة في ذاكرته ليعود إليها حين ينضج العقل ويهدأ القلب.
الوقار: سكينة الروح ونضج العقل
لغةً، يدل الوقار على الرزانة والحلم والعظمة والهيبة. أما اصطلاحاً فهو سكون النفس عند الحركة، وثباتها عند المواقف المتغيرة، وقدرتها على اتخاذ القرار بعيداً عن سلطان الانفعال.
والوقار في الرؤية الإسلامية ليس مظهراً خارجياً فحسب، بل حالة داخلية من الاتزان النفسي والروحي. فالإنسان الوقور لا يرفع صوته ليُسمع، ولا يسرع ليصل أولاً، ولا يغضب ليبرهن على قوته، بل يزن الأمور بميزان الحكمة، ويترك للعقل فرصة الحديث قبل أن يتكلم اللسان أو تتحرك اليد.
وقد اقترنت هذه الصفة في التراث الإسلامي بجملة من الخصال الحميدة، مثل الأناة والحلم والاقتصاد والسمت الحسن وحسن التقدير. وفي الحديث الشريف: «التأني من الله والعجلة من الشيطان»، وفي حديث آخر: «السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة».
ولعل أجمل صور الوقار أن يمتلك الإنسان القدرة على تأجيل رد فعله حتى يكتمل فهمه للموقف؛ فاللحظة التي تفصل بين الاستفزاز والاستجابة هي المساحة التي يولد فيها العقل أو يموت فيها.
الطيش: حين تسبق العاطفة الحكمة
على النقيض من الوقار يقف الطيش، وهو خفة العقل عند اشتداد الموقف، وسرعة الانفعال دون تقدير للعواقب. والطيش لا يرتبط بالعمر دائماً؛ فقد يحمل طفل صغير قدراً من الحكمة يفوق رجلاً جاوز الستين، كما قد يحمل شيخ كبير اندفاعاً لا يختلف كثيراً عن اندفاع الصغار.
ومن صفات الطيش العجلة، والسفاهة، وقلة الحلم، والاستجابة الفورية للمثيرات النفسية والاجتماعية. ويؤدي هذا السلوك غالباً إلى خسائر لا تكون في أصلها بحجم الأسباب التي أوجدتها.
كم من خصومة بدأت بكلمة وانتهت بقطيعة سنوات، وكم من نزاع نشب بسبب موقف صغير تضخم حتى أصبح معركة للكرامة الوهمية والانتصار للنفس. فالطيش يشبه الشرارة الصغيرة التي تسقط على حقل يابس؛ لا قيمة لها في ذاتها، لكنها قد تترك وراءها أرضاً محترقة.
الذكريات بوابة إلى الوقار
ثمة علاقة خفية بين الذاكرة والوقار؛ فكلما استعاد الإنسان ماضيه بعين التأمل لا بعين الحسرة، ازداد نضجاً واتزاناً. إن الذكريات ليست خزائن للصور فقط، بل مختبرات للحكمة المتأخرة.
لطالما شعر الإنسان بحاجته إلى استحضار بعض مواقف طفولته المبكرة، وحين تنجح الذاكرة في إعادة تلك الصور القديمة، يشعر بشيء من السكينة وكأنه عثر على جزء ضائع من نفسه. فالطفل الذي كنا عليه لا يغادرنا تماماً، بل يختبئ في أعماقنا، ويطل بين الحين والآخر ليذكرنا بالبدايات الأولى لتشكيل شخصياتنا.
كانت تصرفات الطفولة تصدر عن سجية فطرية لا تعرف الحسابات المعقدة ولا تقدير النتائج، وكان الطفل يتحمل عواقب أفعاله دون أن يدرك تماماً أسبابها أو آثارها. أما حين يستعيد الإنسان تلك اللحظات بعد سنوات طويلة، فإنها تتحول من مواقف عابرة إلى مادة للتأمل والتعلم، ومن أحداث صغيرة إلى جسور تعبر به نحو الحلم والوقار.
مشاجرة صغيرة ومعنى كبير
من الذكريات التي تبقى حية في الوجدان مشاجرات الطفولة العابرة. فقد يشتبك طفل مع آخر لأسباب لا تستحق الذكر، ثم تمضي السنوات ويبقى المشهد حاضراً في الذاكرة وكأنه وقع بالأمس.
أتذكر خصومة نشبت مع أحد الجيران في سنوات العمر الأولى. لم يكن سببها عظيماً، ولم تكن نتائجها جسيمة، لكن حرارة الانفعال يومها جعلت الموقف يبدو وكأنه معركة مصيرية. اشتد النزاع، وبحكم صغر سن خصمي كان الحماس يسبق العقل، فمزق ثوبي من أعلاه إلى أسفله، فلم أجد إلا أن أقابله بالفعل نفسه، وكأن الرد بالمثل كان آنذاك قانون العدالة الوحيد الذي تعرفه طفولتنا.
كنا نعلم حال أسرنا، وندرك قيمة ما أتلفناه، لكن الغضب كثيراً ما يعيد الإنسان إلى بداياته الأولى حيث تتراجع الحكمة أمام الرغبة في الانتصار.
وحين أستعيد تلك الحادثة اليوم، أتذكر كيف اشتعلت في التاريخ حروب طويلة لأسباب تبدو ضئيلة إذا قيست بما خلفته من مآسٍ. فالنفوس حين تسيطر عليها العصبية لا تعود ترى حجم الأسباب، بل ترى فقط صورة الذات التي تريد الدفاع عنها.
الأسباب الصغيرة والنتائج الكبيرة
تكشف الدراسات النفسية أن الإنسان في حالات الانفعال الحاد يفقد جزءاً من قدرته على التقدير العقلاني، وتصبح استجاباته أقرب إلى ردود الفعل الغريزية منها إلى القرارات الواعية. ولهذا كان الغضب من أكثر الحالات التي أوصى الشرع بضبطها والابتعاد عن آثارها.
إن الأسباب الواهية تملك أحياناً قدرة عجيبة على إرباك العقل وإعلاء شأن الذات على حساب الحقيقة. وقد يتبنى الإنسان أثناء غضبه أفكاراً لا يؤمن بها لو عاد إلى هدوئه المعتاد.
ولعل هذا ما يفسر كثرة النزاعات الاجتماعية التي تنشأ حول مواقف صغيرة: كلمة في طريق، أو سوء فهم في مجلس، أو خلاف في رأي، ثم تتحول إلى خصومات طويلة لأن أحد الأطراف لم يمنح نفسه الوقت الكافي للتفكير.
ومن هنا تظهر قيمة الوقار بوصفه مهارة عقلية قبل أن يكون فضيلة أخلاقية.
الطفولة مدرسة اجتماعية
على الرغم من سلبيات مشاجرات الأطفال، فإن علماء النفس التربوي يرون أن كثيراً منها يؤدي دوراً مهماً في تشكيل الشخصية الاجتماعية للطفل، إذ يتعلم من خلالها حدود القوة، ومعنى التفاوض، وأهمية الاعتذار، وطبيعة الاختلاف بين الناس.
فالطفل الذي يخطئ ويتعلم من خطئه يكتسب خبرة لا تمنحها الكتب وحدها. ومن خلال هذه الخبرات تتكون صفات الحلم أو التهور، والصدق أو الكذب، والشجاعة أو الجبن.
إن الطفل يشبه الأرض الخصبة التي تستقبل كل ما يلقى فيها؛ فإن ألقيت فيها الحكمة أثمرت وقاراً، وإن غرست فيها العصبية أثمرت طيشاً.
ولهذا كان للبيت والأصدقاء والبيئة المحيطة أثر بالغ في تشكيل الشخصية المستقبلية للفرد.
الذكرى كبلسم للنفس
ليست كل العودة إلى الماضي هروباً من الحاضر؛ فبعض الذكريات تعمل كبلسم عفوي للنفس، تداوي ما أحدثته السنوات من تعب وإرهاق.
إن استحضار أصوات الأزقة القديمة، وضحكات الطفولة، ولهو الأصدقاء، وروائح البيوت الأولى، يمنح القلب قدراً من الطمأنينة لا تفسره النظريات النفسية وحدها.
فالروح، مثل الجسد، تحتاج إلى مواطنها الأولى.
غير أن الحكمة تقتضي ألا يتحول النظر إلى الماضي إلى إقامة دائمة فيه، بل يكون عودة عابرة نستخرج منها الدروس ثم نعود إلى الحاضر أكثر وعياً واتزاناً.
فالماضي ليس سجناً نسكنه، بل مدرسة نزورها كلما احتجنا إلى درس جديد.
تكرار الزمن واختلاف الصور
من خصائص الحياة أنها تعيد الأسئلة نفسها بأشكال مختلفة. فالمواقف التي واجهتنا في طفولتنا قد تعود إلينا في أعمالنا أو أسرنا أو علاقاتنا الاجتماعية، لكن بأسماء جديدة ووجوه مختلفة.
فالطفل الذي كان يغضب لأن صديقه أخذ لعبته، قد يغضب وهو رجل لأن زميلاً سبقه إلى منصب أو فرصة عمل. والمشاعر هي نفسها، وإن تغيرت التفاصيل.
ولهذا فإن مراجعة التجارب القديمة تمنح الإنسان قدرة أكبر على فهم الحاضر والتعامل معه بحكمة.
إن الزمن لا يكرر الأحداث بحروفها، لكنه يكرر معانيها.
العقل ربان الإنسان
إذا كان المال زينة الحياة، فإن العقل هو ربان السفينة التي تحمل الإنسان عبر أمواجها المتقلبة. ومن دون العقل يصبح العلم عبئاً، والقوة خطراً، والسلطة باباً إلى الظلم.
إن العقل ليس ترفاً فكرياً، بل هو أساس التكليف ومسؤولية الاختيار. وبه يميز الإنسان بين الخير والشر، وبين المصلحة العابرة والمصلحة البعيدة.
ومن خلاله يمكن تفسير معظم السلوكيات الإنسانية؛ فكل تصرف يصدر عن الفرد هو امتداد لتجارب سابقة، أو لتربية أسرية، أو لخبرات اجتماعية، أو لأفكار تشكلت عبر سنوات طويلة.
إن الإنسان يحمل ماضيه معه أينما ذهب، لكنه يملك في الوقت نفسه القدرة على إعادة قراءته، واستخلاص الحكمة منه، وتحويله من عبء يطارده إلى نور يهديه.
خاتمة
يبقى الإنسان طوال حياته مسافراً بين الوقار والطيش، بين حكمة تناديه من جهة، واندفاع يجذبه من جهة أخرى. وليس النضج أن يختفي الطيش تماماً، بل أن يتعلم العقل كيف يقوده ويهذبه ويمنعه من التحكم في المصير.
إن الذكريات القديمة ليست صفحات منتهية، بل مرايا نرى فيها وجوهنا الأولى، فنبتسم أحياناً، ونخجل أحياناً أخرى، لكننا في الحالتين نتعلم.
ومن أجمل ما تهبه لنا السنوات أن تجعلنا ننظر إلى أخطاء الأمس بعين الرحمة لا بعين الندم، وأن نستخرج من رعونة الطفولة وقار الشيخوخة، ومن ضجيج البدايات سكينة النهايات.
وهكذا يظل الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما: اتزان يقوده إلى الحكمة، أو طيش يدفعه إلى الندم؛ وبينهما تتشكل سيرته، وتكتب أيامه، وتُبنى علاقته بنفسه وبالناس وبخالقه.
مراجع مقترحة
1. القرآن الكريم.
2. صحيح البخاري. صحيح مسلم
3. ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين.
4. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين.
5. ابن خلدون، المقدمة.
6. مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.
7. عبد الستار إبراهيم، علم النفس الإكلينيكي.
8. كارل يونغ، الإنسان ورموزه.
9. إريك إريكسون، الطفولة والمجتمع.
10. دانيال جولمان، الذكاء العاطفي.
11. محمد عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن.
