الحاكم بأمر الشيطان
حين يتحول العرش إلى مرآة للجنون
في تاريخ الأمم رجالٌ يصنعون الدول، ورجالٌ يهدمونها، ورجالٌ يقفون في المنطقة الرمادية بين البناء والهدم، فلا يدري المؤرخ أكانوا عباقرةً أم مجانين، مصلحين أم طغاة، أصحاب رؤى أم أسرى أوهام. غير أن قلةً من الحكام استطاعوا أن يتركوا خلفهم هذا القدر من الحيرة الذي تركه الخليفة الفاطمي السادس: الحاكم بأمر الله.
ذلك الرجل الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه، ثم خرج منه كالشبح. حكم مصر والشام والحجاز، وأمر الناس ونهاهم، وبدّل القوانين كما يبدّل المرء ثوبه، ثم اختفى ذات ليلة في ظلام المقطم، تاركاً خلفه أسئلةً أكبر من الإجابات.
ولعل أكثر الألقاب قسوةً التي أُلصقت به هو لقب "الحاكم بأمر الشيطان"، وهو لقب استخدمه بعض الكتّاب والمؤرخين تعبيراً عن حجم التناقضات والدموية التي ارتبطت بسيرته. والحقيقة أن هذا اللقب، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، يكشف شيئاً مهماً: أن الرجل لم يُنظر إليه باعتباره حاكماً عادياً، بل باعتباره ظاهرةً نفسية وسياسية نادرة.
طفل على عرش إمبراطورية
كان المنصور بن العزيز بالله في الحادية عشرة من عمره حين جلس على عرش الدولة الفاطمية سنة 996م.
طفلٌ تحيط به الجيوش، ويتنافس على عقله الوزراء والقادة والخصيان والحاشية. طفلٌ استيقظ ذات صباح ليجد نفسه مالكاً لمصر والشام والحجاز وأجزاء واسعة من شمال أفريقيا.
وفي العادة، حين يُلقى طفلٌ في بحر السلطة قبل أن يتعلم السباحة، فإن السلطة لا تربيه، بل تلتهمه.
نشأ الحاكم في قصرٍ تتشابك فيه المؤامرات كما تتشابك جذور الأشجار في المستنقعات. رأى الوجوه تبتسم نهاراً وتطعن ليلاً. سمع كلمات الطاعة تخفي وراءها رغبات التمرد. فكبر وهو يشك في الجميع.
ومع مرور السنوات، تحولت الريبة إلى عقيدة، والخوف إلى منهج حكم.
دولة قوية وحاكم قلق
كانت الدولة الفاطمية في زمنه من أقوى دول العالم الإسلامي. خزائن ممتلئة، وجيش ضخم، وعاصمة مزدهرة، وأسواق تعج بالتجار والعلماء.
لكن المفارقة أن الحاكم الذي امتلك كل شيء بدا وكأنه لا يثق في شيء.
كان يقتل الوزير لأنه قوي، ثم يقتل الذي يليه لأنه ضعيف.
يعاقب المقربين لأنه يشك في ولائهم، ويعاقب البعيدين لأنه لا يعرف نواياهم.
حتى الدولة نفسها بدت وكأنها تعيش على إيقاع مزاج رجل واحد.
فإذا استيقظ راضياً تنفست القاهرة الصعداء، وإذا استيقظ غاضباً ارتجفت الأسواق وأغلقت الأبواب.
وهنا تبدأ السخرية التاريخية.
ففي الوقت الذي كان العالم يناقش قضايا الفلسفة والعلم والتجارة، كان خليفة المسلمين مشغولاً بإصدار قرارات تتعلق بأطباق الطعام وأعشاب الحدائق.
حربه المقدسة ضد الملوخية
من أغرب ما نُسب إليه من قرارات منعه أكل الملوخية.
نعم، الملوخية.
ذلك النبات الأخضر المسكين الذي لم يقد جيشاً، ولم يثر فتنة، ولم يطالب بالعرش.
لكن يبدو أن الملوخية ارتكبت جريمة كبرى في نظر الخليفة: أنها كانت موجودة.
فصدر الأمر بمنعها.
ولم يكتف بذلك، بل شمل المنع الجرجير وبعض الأطعمة الأخرى.
تخيل مدينة كاملة تستيقظ لتكتشف أن أخطر قضايا الدولة لم تعد الأمن أو الاقتصاد أو الحدود، بل أوراق خضراء تنمو في الحقول.
كأن التاريخ أراد أن يسخر من فكرة السلطة المطلقة.
فحين لا يجد الحاكم عدواً حقيقياً، يبدأ في محاربة الخضروات.
فلسفة الاستبداد
المستبد لا يكتفي بأن يحكم الناس.
إنه يريد أن يسكن داخل رؤوسهم.
يريد أن يحدد ما يأكلون، وما يشربون، وكيف يلبسون، ومتى يخرجون، ومتى ينامون.
فالسلطة المطلقة لا تشبع.
إنها تشبه النار؛ كلما أطعمتها ازداد جوعها.
وهذا ما بدا واضحاً في كثير من تصرفات الحاكم بأمر الله.
لم يكن يريد الطاعة السياسية فقط، بل أراد طاعةً وجودية شاملة، تجعل الفرد يشعر بأن حياته كلها هبة مؤقتة من الخليفة.
المجتمع في زمن الخوف
في المجتمعات الطبيعية، يعتاد الناس على القوانين.
أما في زمن الحاكم، فقد اعتادوا على المفاجآت.
القانون اليوم قد يصبح جريمة غداً.
والممنوع قد يصبح مطلوباً بعد أسبوع.
والحلال قد يتحول إلى محظور بقرار عابر.
وهكذا نشأ نوع من القلق الجماعي.
لم يعد الناس يخافون العقوبة فقط، بل أصبحوا يخافون المجهول.
والمجهول أكثر رعباً من العقوبة نفسها.
فالإنسان يستطيع التكيف مع الظلم الثابت، لكنه ينهار أمام الظلم المتقلب.
من الشك إلى التأليه
في سنوات حكمه الأخيرة، دخلت شخصيته منعطفاً أكثر غرابة.
ظهرت جماعات راحت تنسب إليه صفات فوق بشرية، ثم تطور الأمر إلى دعوات تؤلهه.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في التاريخ.
فالإنسان الذي لم يثق بالبشر، وجد بشراً يرفعونه فوق مرتبة البشر.
والحاكم الذي أراد السيطرة على الناس، وجد أناساً مستعدين للتخلي عن عقولهم طوعاً.
ومن رحم تلك المرحلة ظهرت الدعوة التي تطورت لاحقاً إلى ما يُعرف اليوم بالمذهب الدرزي.
وكان ذلك حدثاً استثنائياً في تاريخ المنطقة، لأن السياسة والعقيدة اختلطتا بطريقة جعلت شخص الحاكم محوراً لرؤية دينية كاملة.
التحليل النفسي لشخصيته
يصعب تشخيص شخصيات تاريخية بدقة بعد ألف عام، لكن قراءة سلوكه تكشف عدة سمات.
أولها الشك المفرط.
كان يرى الخيانة في كل زاوية، والمؤامرة في كل همسة.
وثانيها التناقض الحاد.
يصدر القرار ثم ينقضه.
يعاقب ثم يعفو.
يهدم ثم يبني.
وكأن شخصيتين كانتا تتنازعان داخله.
أما السمة الثالثة فهي الشعور الاستثنائي بالذات.
ذلك الإحساس الذي يجعل صاحبه يرى نفسه أكبر من القانون، وأذكى من الجميع، وأقدر من التاريخ نفسه.
وحين تجتمع هذه السمات مع سلطة مطلقة، تصبح النتيجة خطيرة.
فالحاكم لا يعود أسيراً للواقع، بل يصبح أسيراً لصورته عن الواقع.
القاهرة تحت ظل المزاج
كانت القاهرة في عهده تشبه سفينة ضخمة يقودها قبطان يغيّر اتجاهه كل ساعة.
التجار ينتظرون القرار القادم.
العلماء يتحاشون الكلام.
الوزراء يبتسمون بحذر.
والشعب يراقب من بعيد.
وكان الجميع يعرف حقيقة بسيطة:
أن المشكلة ليست في القرار، بل في القرار التالي.
الليلة التي ابتلع فيها الظلام الخليفة
ثم جاءت الليلة الأخيرة.
خرج الحاكم كعادته إلى جبل المقطم.
كان يحب التجول ليلاً.
وربما كان الليل أكثر وفاءً له من البشر.
ففي الليل لا توجد وجوه منافقة، ولا وزراء متآمرون، ولا حشود متقلبة.
هناك فقط صمت الجبل ونجوم السماء.
خرج على حماره، واختفى.
هكذا ببساطة.
رجلٌ أرعب دولة كاملة اختفى دون أثر واضح.
كأن التاريخ قرر أن يسخر منه للمرة الأخيرة.
الروايات تعددت.
قيل إنه اغتيل.
وقيل إن شقيقته ست الملك دبرت قتله.
وقيل غير ذلك.
لكن المؤكد أنه لم يعد.
لقد خرج من المشهد بالطريقة نفسها التي عاش بها: غامضاً ومثيراً للجدل.
المفارقة الأخيرة
المفارقة أن الرجل الذي حاول السيطرة على كل تفصيل في حياة الناس، لم يستطع السيطرة على نهايته.
والخليفة الذي أصدر آلاف الأوامر، عجز عن إصدار أمر واحد للموت كي ينتظر.
والحاكم الذي أراد أن يخلده الخوف، خلده الغموض.
ما الذي تعلمه التاريخ؟
ليست قصة الحاكم بأمر الله مجرد حكاية عن رجل غريب الأطوار.
إنها درس عميق في طبيعة السلطة.
فالسلطة حين تنفصل عن العقل تتحول إلى نزوة.
وحين تنفصل عن المؤسسات تتحول إلى مزاج.
وحين تنفصل عن النقد تتحول إلى وهم.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الشعوب لا تتذكر الحكام بسبب عدد جنودهم أو حجم خزائنهم، بل بسبب الأثر الذي تركوه في الوعي الإنساني.
لقد بنى الحاكم جامعاً عظيماً ما زال قائماً حتى اليوم، وترك آثاراً معمارية مهمة، لكنه ترك أيضاً صورة لحاكم ظل يطارد الأشباح حتى أصبح هو نفسه شبحاً في كتب التاريخ.
وهكذا يبقى الحاكم بأمر الله واحداً من أكثر شخصيات التاريخ الإسلامي إثارة للحيرة؛ رجل جمع بين الذكاء والقسوة، بين الهيبة والاضطراب، بين البناء والهدم، بين الواقع والأسطورة.
أما الحقيقة الكاملة، فقد تكون قد اختفت معه في تلك الليلة البعيدة فوق صخور المقطم، حين خرج الخليفة للتأمل، فابتلعه الظلام، وبقيت قصته تتأرجح بين التاريخ والفلسفة والسخرية إلى يومنا هذا.
و في عصرنا المعاصر رجال حكموا بأمر الشطان ، أبرزهم نتنياهو ، و ترمب و هتلر و القذافي ، و غيرهم في أوربا و أفريقيا و آسيا و أمريكا
و لعلنا لا ننسى في تاريخ البشرية نيرون
