الولد الذي لم يأتِ

الولد الذي لم يأتِ
كان الناس في الحارة يقولون إن القط الأسود عفريت، والكلب الأسود عفريت، والحمار الأسود عفريت، بل إن كل مخلوق لفّه السواد من رأسه إلى ذيله لا بد أن يكون مسكونًا بشيء من الجن. وكانت الجدّات يرددن ذلك بثقة الواثقين العارفين ببواطن الأمور، يسلمنه للأحفاد كما يسلمنهم وصفات علاج البرد وأسرار حفظ الملوخية. أما أنا، فلم أقتنع يومًا ، فلم اقتنع و كنت أعرف أن جدتي تريد أن ننام بأسرع ما يمكن من الخوف . فالعفريت الحقيقي، في ظني، ليس قطًا ولا كلبًا ولا حتى حمارًا. العفريت الحقيقي هو الإنسان. ، هو الأطفال التي تبلغ شقاوتهم حد الفوضى . ذلك الكائن العجيب الذي يستطيع أن يرتكب في يوم واحد ما يعجز عنه عفريت المصباح طوال عمره. عفريت مصباح علاء الدين كان محدود الصلاحيات؛ ثلاثة طلبات فقط ثم يختفي العفريت . أما الإنسان، فيستطيع أن يفسد ألف شيء، ويحطم ألف قلب، ويخلق ألف مشكلة، ثم ينام ملء جفنيه وكأن شيئًا لم يكن. ولعل هذا ما جعلني كلما رأيت جارتي أم الوَلَد أتساءل: أهي امرأة عادية حقًا أم إحدى عجائب هذا العالم ؟ كانت امرأة ضخمة الجسد، حتى إن الناظر إليها من بعيد يظنها عربة تجر خلفها مقطورة. فالبروز يكتنفها من امام و من خلف . ترتدي السواد دائمًا. ، في الفرح ترتديه. ، وفي الحزن ترتديه. ، وفي الأعياد ترتديه. ، وفي الأيام العادية ترتديه. ، و كأنها ليس لديها ألا ذلك الثوب . ليس حبًا في اللون، بل لأن جلبابها الوحيد لم يكن يعرف مهنة أخرى غير مرافقة جسدها صباحًا والعودة إلى الدولاب مساءً. لكن الشيء الأكثر حضورًا فيها لم يكن جسدها الضخم. كان لسانها العريض ، لسانًا لا يتناسب مع قوانين الطبيعة. لسانًا أطول من قامتها وأعرض من ظلها. تتكلم كما تتنفس. بل ربما كانت تتنفس لكي تتمكن من الكلام. تتحدث في المطبخ. وفي الفناء. وفي أثناء غسل الأطباق. وفي أثناء تنظيف الأرض. وإذا لم تجد من يحدثها، جلست تحاور نفسها وكأنها شخصان لا شخص واحد. وكان زوجها، أبو الوَلَد، أول ضحايا هذا السيل المتدفق من الكلمات. والمفارقة الساخرة أن أم الوَلَد لم يكن لديها ولد أصلًا. تزوجت منذ سنوات طويلة ولم تنجب. وللغريب في الأمر نصيب دائم في هذه الدنيا، فقد بدا أن الطرفين راضيان عن ذلك. كانت هي تقول : الحمد لله... الولد رزق من عند ربنا. أما هو فكان يقول في سره: الحمد لله... نجا مخلوق بريء من هذه المعركة. لم يكن يكره الأطفال بل كان حبه الوحيد هو رؤية أطفال الجيران ، يربت عليهم ، يغطيهم الحلوى ، و يدعو لهم بالفلاح و النجاح . . لكنه كان يرى الحياة كغرفة ضيقة بلا نوافذ. فكيف يدعو طفلًا إلى الدخول إليها؟  كان أبو الوَلَد رجلاً نحيلًا كأنه خرج من بطن الجوع لتوه. عيناه غائرتان. وكتفاه منحنِيتان. وخطواته تشبه خطوات شخص يحمل فوق ظهره أعوامًا كاملة من التعب. كان يتذكر يوم زواجه فيبتسم ابتسامة ساخرة. قال له أحد أصدقائه يومها بسخرية : مبروك يا رجل. فرد عليهم بابتسامة عريضة : الله يبارك فيك... ادعُ لي فقط. وكان الدعاء هو الشيء الوحيد الذي يملكه فعلًا. لا مهر. لا شبكة. لا تجهيزات. جاء أهل العروس بها في سيارة قديمة ومعها حقيبة ملابس صغيرة. سلموها إليه وكأنهم يسلمون أمانة طال انتظار صاحبها. ومن يومها أصبحا زوجين يتقاسمان الفقر كما يتقاسمان الهواء. هو راض عن تلك الزيجة ، و هى راضية شاكرة ، أن تزوجت .  كان يستيقظ كل صباح باكرًا. لا لأن لديه عملاً ثابتًا. بل لأنه يخشى البقاء في البيت. يخرج يبحث عن رزق. أي رزق. يدخل هذا المحل. ثم ذاك. ثم يعود بخيبة جديدة. كل صاحب محل كان يسبقه إلى الجواب : والله يا عم أبو الوَلَد، لو عندي شغل ما كنتش شغّلت ابني. فيهز رأسه ويرحل. وعند الظهيرة يعود إلى البيت. يأكل ما تيسر. فولًا. أو بطاطس. أو مكرونة. أما اللحم والدجاج فكانا من الكماليات الأسطورية التي يسمع عنها في اعلانات تلفاز المقهى ، أكثر مما يراها. ثم تبدأ المرحلة الأصعب من يومه. الكلام. كلام أم الوَلَد. عن الجارات. وعن الأسعار. وعن القريب والبعيد. وعن امرأة رأت في المنام بقرة تطير. وعن أخرى أقسمت أن القطط تفهم لغة البشر. وكان يشعر أحيانًا أن الكلمات تتساقط فوق رأسه كالمطر. بل كأسياخ الحديد. حتى إذا ضاقت به الجدران خرج هاربًا.  كان المسجد ملاذه. يجلس بعد العصر في ركن هادئ. لا يصلي طوال الوقت. ولا يقرأ طوال الوقت. أحيانًا كان يكتفي بالصمت. وكان الصمت بالنسبة إليه عبادة أخرى. حين يصمت الإنسان يسمع نفسه. وحين يسمع نفسه يكتشف كم هي متعبة. ظل ذات يوم يحدق في أرض المسجد ويتساءل : هل خلق الله الإنسان ليعيش هكذا فقط ؟ يولد. ويجوع. ويتعب. ويكبر. ثم يموت ؟ أم أن هناك معنى يختبئ خلف كل هذا التعب ؟ لم يجد جوابًا. لكنه وجد شيئًا من السكينة. وكان ذلك يكفي.  وعندما يغلق خادم المسجد الأبواب، يتجه إلى الكورنيش. هناك كان البحر صديقه الوحيد. يجلس على الحافة الحجرية. يرمي صنارته في الماء. ولا يهمه كثيرًا أن يصطاد شيئًا. كان يحب النظر إلى الموج. الموج الذي يأتي ويذهب دون أن يشتكي. دون أن يسأل لماذا. ودون أن ينتظر مقابلًا. فيحدث نفسه : يا بحر... أنت أرحم من البشر. تعطي الجميع مكانًا على شاطئك. ولا تسأل أحدًا عن جيبه. ثم يبتسم. ويراقب الغروب. ويشعر أن الشمس تشبهه. كل يوم تحترق طوال النهار. وفي المساء تختفي بصمت.  وحين يعود إلى البيت تستقبله أم الوَلَد كعادتها. ها... اصطدت إيه ؟ فيجيب : ولا حاجة. فتضحك و يخرج لسانها من مخبئه : . يا ما جاب الغراب لأمه. فيتنهد. ويذهب إلى فراشه. لكن العجيب أن أم الوَلَد لم تكن تتوقف عن الكلام حتى أثناء النوم. كانت تتمتم. وتجادل أشخاصًا غير موجودين. وتضحك أحيانًا. وتغضب أحيانًا. فيستيقظ مذعورًا. ثم يدرك أنها نائمة. فيعود للنوم من جديد.  ومرت السنوات. متشابهة. متكررة. كأن الزمن عربة تدور في دائرة مغلقة. حتى جاء اليوم الذي قرر فيه الهرب. لا من البيت. بل من حياته كلها. استيقظ صباحًا وقال لنفسه : سأختفي اليوم. لكن إلى أين ؟ بيت أخيه ؟ سيستقبلونه يومًا أو يومين. ثم ماذا ؟ بيت أخته ؟ لن يستطيع البقاء. العالم كله بدا ضيقًا. كأن الأرض نفسها لا تملك زاوية فارغة لرجل مثله.  وفي النهاية وجد فكرة. حديقة عامة. مكان واسع. أشجار. ومقاعد. وهدوء. جلس على أحد المقاعد. أغمض عينيه. ولأول مرة منذ سنوات شعر أنه حر. لا أحد يتحدث. لا أحد يسأله. لا أحد يطلب شيئًا. استلقى قليلًا. وغلبه النعاس. ورأى في نومه حلمًا غريبًا. رأى طفلًا صغيرًا يجري نحوه. يناديه : يا أبي ! تجمد في مكانه. لم يعرف الطفل. لكن قلبه عرفه. احتضنه. وشعر بدفء لم يشعر به طوال عمره. ثم سمع صوتًا بعيدًا يهتف: يا عم... اصحى ! فتح عينيه فزعًا. فإذا بحارس الحديقة يقف فوق رأسه. ممنوع النوم هنا. نظر أبو الوَلَد حوله. اختفى الطفل. اختفى الحلم. وعادت الدنيا كما كانت. نهض ببطء. وسأل الحارس : هو فيه مكان الواحد ينام فيه شوية من غير ما حد يطرده ؟ نظر إليه الحارس طويلًا. ثم قال : لو لقيت المكان ده... ابقى دلّني عليه. ابتسم أبو الوَلَد ابتسامة باهتة. ومضى في طريقه. وفي تلك اللحظة أدرك أن كل البشر يهربون. بعضهم يهرب من الفقر. وبعضهم يهرب من الوحدة. وبعضهم يهرب من الضجيج. لكنهم جميعًا يعودون في النهاية إلى المكان نفسه... إلى حياتهم. لأن الإنسان قد يهرب من الدنيا كلها، لكنه لا يستطيع أن يهرب من نفسه.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال