نحن لا نزرع الكوسة تأملات في المحسوبية حين تتحول إلى ثقافة

نحن لا نزرع الكوسة تأملات في المحسوبية حين تتحول إلى ثقافة
ثمة كلمات صغيرة تنجح في أن تختصر عصورًا كاملة من الخلل الاجتماعي، وأن تحمل فوق حروفها البسيطة أوزانًا من المرارة لا تستطيع المجلدات أن تصفها. ومن بين تلك الكلمات الشعبية الساخرة تبرز كلمة «الكوسة»، لا باعتبارها نباتًا أخضر ينمو في الحقول وتحت أشعة الشمس، وإنما باعتبارها رمزًا اجتماعيًا للمحاباة والوساطة والطرق الخلفية التي تتسلل منها المصالح إلى المؤسسات، فتأكل من جدرانها بصمت كما يأكل الصدأ الحديد. نحن لا نزرع الكوسة في الأرض وحدها، بل نزرعها أحيانًا في الإدارات، وفي المكاتب، وفي لجان الاختيار، وفي البرامج الفنية والثقافية، ثم نتظاهر بالدهشة حين نجد أن الثمار التي نجنيها ليست سوى التراجع وفقدان الثقة وانطفاء المواهب. ولم نسمع بعد من المسؤولين في المؤسسات الإعلامية والثقافية ما يكفي لتبديد الشكوك التي تتردد بين الناس حول بعض صور المحاباة التي يقال إنها تجد طريقها إلى بعض البرامج والأعمال الفنية. وربما يكون كثير من هذه الأحاديث مبالغًا فيه أو غير دقيق، لكن مجرد انتشارها بهذا الاتساع يكشف عن أزمة أعمق من الواقعة نفسها؛ إنها أزمة الثقة. فالناس لا يصدقون الشائعات إلا حين تكون البيئة مهيأة لتصديقها. وحين يغيب الوضوح، تصبح الهمسات حقائق، وتتحول الأسئلة إلى أحكام، ويبدأ الجمهور في النظر إلى النجاح بعين الريبة بدل الإعجاب. إن أخطر ما يفعله الفساد الصغير أنه يقتل الإيمان بالعدالة الكبيرة. فالموهوب الذي يرى الفرص تُمنح لغير الأكفأ، يبدأ في مراجعة علاقته بالجهد والعمل والاجتهاد. والعامل المجتهد الذي يشاهد الترقيات تُوزع وفقًا للقرابة أو المصالح، يفقد شيئًا من حماسه كل صباح. أما الشاب الذي يدخل الحياة العامة ممتلئًا بالحلم، فإنه يخرج منها أحيانًا وهو يحمل قناعة مرة مفادها أن الطريق المستقيم أطول من أن يُحتمل. وهكذا لا يسرق الفساد الأموال وحدها، بل يسرق المعنى نفسه. وفي بعض الأحيان لا تكون المشكلة في الرشوة المباشرة أو المنفعة الواضحة، بل في ذلك النوع الناعم من الانحياز الذي يرتدي ثياب المجاملة والعلاقات العامة. فقد يختار بعض المسؤولين أو مقدمي البرامج أو أصحاب القرار أشخاصًا بعينهم بصورة متكررة، لا لأنهم الأفضل دائمًا، وإنما لأنهم الأقرب أو الأكثر قدرة على صناعة الود أو الأكثر استعدادًا لتقديم خدمات متبادلة. وهنا تتحول المؤسسة العامة شيئًا فشيئًا إلى دائرة مغلقة، يدخلها الأشخاص أنفسهم، وتُسمع فيها الأصوات ذاتها، بينما يبقى الآخرون واقفين خلف الزجاج، يرون المشهد ولا يشاركون فيه. إن العدالة لا تعني أن يفوز الجميع، لكنها تعني أن تكون البداية متاحة للجميع. ومن المؤلم أن بعض أشكال المحاباة لا يمارسها أصحاب النفوذ وحدهم، بل يشارك فيها أحيانًا أفراد المجتمع أنفسهم دون أن يشعروا. فالصحفي الذي يبالغ في الإشادة بشخصية عامة انتظارًا لمصلحة مستقبلية، أو الكاتب الذي يغض الطرف عن أخطاء صديق، أو المسؤول الذي يمنح الفرصة لمن يعرفه بدلًا ممن يستحقها، جميعهم يضيفون حجرًا صغيرًا إلى البناء الكبير للخلل. وهكذا تصبح الكوسة ثقافة لا حادثة، ومناخًا لا تصرفًا فرديًا. والثقافات لا تنهار بقرار إداري، لأنها تعيش داخل العقول قبل أن تعيش داخل المؤسسات. من الناحية النفسية، تقوم المحسوبية على حاجة إنسانية قديمة إلى الأمان والانتماء. فالإنسان بطبيعته يميل إلى مساعدة من يعرفهم، ويشعر براحة أكبر في التعامل مع الوجوه المألوفة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول العاطفة الشخصية إلى معيار مهني، وحين يصبح القرب أهم من الكفاءة، والعلاقة أقوى من الاستحقاق. وعند هذه النقطة يبدأ الضمير المهني في التآكل ببطء. فالمرء لا يستيقظ صباحًا ليقرر أن يكون فاسدًا، بل يتنازل خطوة صغيرة بعد أخرى؛ مجاملة بسيطة هنا، واستثناء محدود هناك، ثم يجد نفسه بعد سنوات جزءًا من منظومة كاملة كان يظن أنه مجرد عابر سبيل فيها. أما من الناحية الاجتماعية، فإن المحسوبية تخلق طبقتين داخل المجتمع الواحد: طبقة تمتلك المفاتيح، وطبقة تقف أمام الأبواب المغلقة. الطبقة الأولى لا ترى في الطريق صعوبة كبيرة، لأنها اعتادت أن تجد من يمهد لها العقبات، بينما تتعلم الطبقة الثانية أن تبذل جهدًا مضاعفًا للحصول على النتيجة نفسها. ومع مرور الزمن لا يصبح الإحباط شعورًا فرديًا، بل يتحول إلى مزاج عام. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالأمم لا تنهار حين تفتقر إلى المواهب، وإنما حين تفقد المواهب إيمانها بأن الاجتهاد له قيمة. لقد رأينا في حياتنا اليومية أمثلة كثيرة على هذا الحزن الصامت. طالب متفوق أنهى سنوات دراسته بامتياز، ثم وجد الوظيفة تذهب إلى شخص أقل منه كفاءة لكنه أكثر قربًا من أصحاب القرار. وموظف أمضى سنوات طويلة في العمل الجاد، ثم شاهد ترقية كان ينتظرها تذهب إلى زميل آخر لأن الطريق إليه كان أقصر عبر العلاقات الشخصية. وفنان موهوب يحمل مشروعًا حقيقيًا، لكنه يقف طويلًا خارج الأبواب المغلقة بينما تمر أمامه أعمال أقل جودة وأكثر حظًا. هذه المواقف لا تصنع الغضب وحده، بل تصنع نوعًا أعمق من الحزن. إنه الحزن الذي يشعر به الإنسان حين يكتشف أن جهده لا يكفي. وهو حزن ثقيل، لأن الإنسان يستطيع مقاومة الفشل، لكنه يجد صعوبة أكبر في مقاومة الشعور بالظلم. كم من شاب عاد إلى منزله بعد مقابلة عمل وهو يحمل ملفه تحت ذراعه وإحساسًا خافتًا بأن القرار كان قد اتخذ قبل أن يدخل الغرفة أصلًا؟ وكم من أم رأت خيبة الأمل في عيني ابنها المتفوق ولم تجد الكلمات التي تخفف عنه؟ وكم من مبدع دفن مشروعه في الأدراج لأنه أدرك أن الطريق إلى الضوء لا يمر دائمًا عبر الموهبة؟ إن هذه اللحظات الصغيرة لا تُكتب عادة في التقارير الرسمية، لكنها تتراكم داخل الذاكرة الجماعية للأمم. ولعل المسرح والثقافة والإعلام من أكثر المجالات حساسية تجاه هذه الظاهرة، لأن الإبداع بطبيعته يحتاج إلى الحرية والعدالة والفرصة المفتوحة. فحين تنشغل المؤسسات الثقافية بالإجراءات الإدارية أكثر من انشغالها بالإنتاج الحقيقي، تصبح الخطط السنوية مجرد أوراق جميلة، وتتحول التصريحات الكبيرة إلى عناوين صحفية مؤقتة. كم من موسم ثقافي بدأ بالوعود وانتهى بالصمت؟ وكم من مشروع أعلن عنه بحماس ثم اختفى قبل أن يرى النور؟ إن المشكلة ليست في نقص الخطط، بل في الفجوة بين الخطط والتنفيذ. فالورق لا يبني مسرحًا، والتصريحات لا تصنع جمهورًا، والوعود لا تفتح أبواب القاعات المغلقة. وفي المقابل، نرى مؤسسات صغيرة بإمكانات محدودة لكنها تعمل بكفاءة وانضباط، فتنجز ما تعجز عنه ميزانيات أكبر وإدارات أوسع. وهذا يؤكد حقيقة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: المشكلة ليست دائمًا في الموارد، بل في طريقة إدارتها. ومن الناحية المنطقية، تبدو المحسوبية قصيرة النظر حتى بالنسبة لمن يستفيد منها. فالاختيار القائم على العلاقات قد يحقق منفعة سريعة، لكنه يضعف المؤسسة على المدى الطويل. والمؤسسة الضعيفة لا تحمي أحدًا، بل تسقط على رؤوس الجميع، بمن فيهم الذين استفادوا منها يومًا. إن الطائرة لا يهمها اسم الطيار بقدر ما يهمها أن يكون قادرًا على القيادة. والمستشفى لا ينقذ المرضى بالوساطة. والجسر لا يقف ثابتًا لأنه يعرف المهندس شخصيًا. الكفاءة ليست رفاهية أخلاقية، بل ضرورة للبقاء. ولذلك فإن مكافحة المحسوبية لا تبدأ بالشعارات الغاضبة ولا بالخطب الرنانة، وإنما تبدأ بالشفافية ووضوح المعايير وإتاحة الفرص والمحاسبة العادلة. حين يعرف الجميع شروط الاختيار، تقل الشكوك. وحين تكون القرارات قابلة للمراجعة، تزداد الثقة. وحين يرى الناس أن الجهد يؤتي ثماره، يعود الأمل إلى النفوس. فالعدل ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل طاقة اجتماعية هائلة تدفع الناس إلى العمل والإبداع والانتماء. إن المجتمعات التي تحترم الكفاءة تكسب أفضل عقولها. أما المجتمعات التي تكافئ القرب على حساب الجدارة، فإنها تخسر أفضل أبنائها بصمت. وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن البعض يزرع الكوسة، بل أن كثيرين اعتادوا وجودها حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. والاعتياد أخطر من الخطأ نفسه. فالخطأ المؤقت يمكن إصلاحه، أما الخطأ الذي يتحول إلى عادة فإنه يبدأ في إعادة تشكيل الضمير العام. لهذا يجب أن يظل النقد حاضرًا، لا بوصفه رغبة في الهدم، وإنما بوصفه دفاعًا عن الفكرة الأجمل: أن يكون لكل مجتهد مكان، ولكل موهبة فرصة، ولكل إنسان حق في أن يصل بعمله لا بعلاقاته. يومها فقط سنستطيع أن نقول بثقة واطمئنان: نحن حقًا لا نزرع الكوسة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال