الخُلْعُ عند الفراعنة وأحكامُه
حين سبقت حضارةُ النيلُ الأزمنةَ في صونِ كرامة المرأة والأسرة
مقدمة
كثيرون يظنون أن قانون الخلع في المجتمعات العربية وليد العقود الأخيرة، وأن ظهوره في مطلع الألفية الثالثة، وبالتحديد عام 2000، كان حدثاً قانونياً غير مسبوق في تاريخ التشريع الاجتماعي العربي. غير أن صفحات التاريخ، إذا أُعيد فتحها بعيداً عن الغبار الذي تراكم فوقها، تكشف لنا حقيقة مدهشة؛ وهي أن فكرة الخلع، بوصفها وسيلةً لإنهاء علاقة زوجية فقدت مقومات الرحمة والمودة، لم تكن غريبة عن حضارة مصر القديمة، بل كانت جزءاً من منظومة قانونية واجتماعية متقدمة سبقت كثيراً من الحضارات الإنسانية.
لقد أدرك المصري القديم، منذ فجر التاريخ، أن الأسرة ليست سجناً، وأن الزواج ليس قيداً أبدياً يفرض على أحد الطرفين احتمال الظلم أو الإهانة أو العنف. فالبيت الذي يغيب عنه السكن، وتفقد فيه الرحمة، يتحول إلى جدار بارد تخنقه الخصومات، وتذبل في أرجائه الأرواح.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة الإنسانية الخالدة بقوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فإذا غابت المودة، وضاعت الرحمة، وتحول السكن إلى خوف واضطراب، أصبح البحث عن الخلاص حقاً مشروعاً يحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته.
المرأة في مصر القديمة: مكانة صنعتها الحضارة
حين نتأمل أوضاع المرأة في الحضارات القديمة، نجد أن كثيراً منها نظرت إليها باعتبارها تابعة للرجل أو أقل منه منزلة وحقوقاً، غير أن الحضارة المصرية القديمة رسمت صورة مختلفة إلى حد بعيد.
فقد تمتعت المرأة المصرية بحقوق قانونية واجتماعية واسعة، وكان لها ذمة مالية مستقلة، وحق التملك والبيع والشراء والتقاضي، بل والوصول إلى مناصب دينية وعلمية رفيعة.
لم تكن المرأة في مصر القديمة مجرد ظل للرجل، بل كانت شريكته في بناء الأسرة والمجتمع والدولة. وقد استطاعت أن تكون كاهنة في المعابد، وطبيبة تعالج المرضى، وكاتبة تدون الوثائق، بل وجلست أحياناً على عرش البلاد نفسها، كما حدث مع الملكات العظيمات اللواتي حفظ التاريخ أسماءهن بحروف من نور.
ولعل هذا الاحترام العميق للمرأة هو الذي جعل التشريع المصري القديم يضع القوانين التي تصون كرامتها وتحميها من التعسف والظلم.
الزواج عند الفراعنة: ميثاق إنساني قبل أن يكون عقداً قانونياً
لم يكن الزواج في المجتمع الفرعوني مجرد ارتباط شكلي بين رجل وامرأة، وإنما كان عقداً أخلاقياً واجتماعياً يقوم على المشاركة والاحترام المتبادل.
وكان المصري القديم ينظر إلى الأسرة باعتبارها النواة الأولى لاستقرار المجتمع، ولذلك أحاطها بالقوانين التي تحفظ حقوق جميع أفرادها.
وقد كانت وثائق الزواج تتضمن بنوداً واضحة تحدد واجبات الزوج وحقوق الزوجة، بصورة تثير الإعجاب إذا ما قورنت ببعض المجتمعات القديمة الأخرى.
وكان من بين تلك البنود ما يؤكد حق المرأة في المعاملة الكريمة، وحقها في الانفصال إذا استحالت الحياة الزوجية.
فالحضارة التي شيدت الأهرامات، وأبدعت في الهندسة والفلك والطب، لم تغفل عن بناء الإنسان نفسه، لأن العمران الحقيقي يبدأ من استقرار البيت.
الخلع في مصر القديمة: حين يصبح القانون حارساً للكرامة
يروي الباحث في تاريخ مصر القديمة الدكتور وسيم السيسي أن المرأة المصرية القديمة امتلكت حق اللجوء إلى القضاء لطلب الخلع إذا تعرضت للأذى أو الإهانة أو العنف من زوجها.
كان القاضي يستمع إلى شكوى الزوجة، ويحقق في الأمر، ويمنح الزوج فرصة لتصحيح سلوكه، لأن الهدف الأول للقانون لم يكن هدم الأسرة، وإنما إصلاحها وإنقاذها.
فإذا ثبت أن الزوج أساء معاملة زوجته، أو اعتدى عليها بالضرب أو السب أو الإهانة، لم يكن الأمر يمر دون حساب.
ففي المرة الأولى يُنذر الزوج ويحذر من تكرار الإساءة.
وفي المرة الثانية يعاقب بعقوبة أشد، تعبيراً عن رفض المجتمع للعنف الأسري.
أما إذا أصر على بطشه وتعسفه للمرة الثالثة، فإن القانون كان يمنح الزوجة حق الخلع والانفصال عنه حمايةً لكرامتها وإنسانيتها.
إنها صورة حضارية متقدمة تؤكد أن المصري القديم لم يكن يعتبر القوة الجسدية وسيلة للسيطرة داخل الأسرة، بل كان يرى أن الاحترام هو أساس العلاقة الزوجية.
العنف الأسري في ميزان الحضارات
إن العنف داخل الأسرة ليس مجرد خلاف عابر، بل هو انهيار لفلسفة الزواج نفسها.
وقد أدرك المصريون القدماء هذه الحقيقة مبكراً، فرفضوا تحويل المرأة إلى ضحية دائمة للصمت والخوف.
ويكفي أن نتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
كما قال عليه الصلاة والسلام:
«استوصوا بالنساء خيراً».
وفي حديث آخر قال:
«ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم».
إن الحضارات الحقيقية تُقاس بطريقة تعاملها مع الضعفاء، ومع من تقع عليهم السلطة لا مع من يملكونها.
ولذلك فإن حماية المرأة من الظلم ليست ترفاً قانونياً، وإنما معيار من معايير الرقي الإنساني.
وثيقة الزواج الفرعونية: عقد يقوم على العدالة
من أروع ما ورد في وثائق الزواج المصرية القديمة ذلك النص الذي جاء فيه:
"إذا هجرتك كزوج أرد إليك مهرك، وأرد لك نصف ما جمعناه في حياتنا الزوجية."
يكشف هذا البند عن مستوى متقدم من التنظيم القانوني والمالي داخل الأسرة المصرية القديمة.
فالعلاقة الزوجية لم تكن قائمة على الاستغلال أو الهيمنة الاقتصادية، وإنما على المشاركة وتحمل المسؤولية المشتركة.
وقد أشار بعض الباحثين إلى أن عدداً من التشريعات الحديثة في بعض الدول الغربية تقوم على مبادئ مشابهة فيما يتعلق بتقسيم الممتلكات بعد الانفصال.
إن التاريخ أحياناً لا يسير دائماً من الماضي إلى المستقبل، بل قد يضطر المستقبل إلى العودة إلى الماضي ليتعلم منه.
لماذا استمرت الحضارة المصرية آلاف السنين؟
يتساءل المؤرخون كثيراً عن السر الذي جعل الحضارة المصرية القديمة تستمر لآلاف السنين دون انقطاع حقيقي في بنيتها الاجتماعية.
والإجابة ربما تبدأ من الأسرة.
فالبيت المستقر يصنع مجتمعاً مستقراً، والمجتمع المستقر يبني دولة قوية.
لقد أدرك المصري القديم أن الظلم داخل البيت لا يبقى حبيس الجدران، بل يخرج إلى الشارع والسوق والحقول والمعابد، ثم يمتد إلى جسد المجتمع كله.
لذلك كانت القوانين تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات.
فلا سلطة مطلقة للرجل، ولا إلغاء لدوره، بل شراكة قائمة على المسؤولية والعدل.
المرأة بين الماضي والحاضر
قد يظن البعض أن الدفاع عن حقوق المرأة فكرة حديثة نشأت في القرون الأخيرة، غير أن صفحات التاريخ المصري تثبت أن احترام المرأة جزء أصيل من الشخصية الحضارية المصرية.
فالمرأة التي وقفت بجوار الرجل في الزراعة والبناء والتعليم والطب والدين، كانت تستحق الحماية القانونية والاجتماعية.
إن الأمم التي تحترم المرأة لا تفعل ذلك مجاملة لها، وإنما لأنها تحترم نفسها ومستقبلها.
فالمرأة هي المدرسة الأولى، كما قال الشاعر:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ
وإذا كان بناء المعابد يحتاج إلى حجارة قوية، فإن بناء الأمم يحتاج إلى أسر مستقرة ونساء يشعرن بالأمان والكرامة.
الخلع في الإسلام: رحمة لا هدم للأسرة
حين جاء الإسلام، لم يلغ حق المرأة في إنهاء علاقة زوجية تستحيل معها الحياة، بل أقر مبدأ الخلع وجعله مخرجاً حين تغلق أبواب الإصلاح.
وقد ورد في القرآن الكريم:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
فالغاية ليست كسر الأسرة، وإنما منع تحولها إلى ساحة صراع دائم.
إن الإسلام لا يحب الطلاق، لكنه لا يقدس المعاناة.
ولا يدعو إلى تفكيك البيوت، لكنه لا يفرض استمرار الظلم.
فالعدل أعلى من الشكل، والرحمة أسمى من المظاهر.
أمثلة من الواقع الإنساني
كم من بيت استمرت فيه العلاقة الزوجية شكلاً بينما ماتت فيه الحياة معنى!
زوجة تخشى العودة إلى منزلها، وأطفال يكبرون وسط الصراخ والعنف والخوف، ورجل يظن أن السلطة تعني الإهانة والسيطرة.
وفي المقابل، كم من انفصال جرى باحترام وهدوء، فحفظ كرامة الطرفين، وأتاح لكل منهما فرصة بداية جديدة أكثر استقراراً.
إن الحكمة ليست في استمرار العلاقة مهما كان الثمن، وإنما في القدرة على التمييز بين الصبر الذي يبني، والصبر الذي يهدم الإنسان من الداخل.
دروس من حضارة النيل
إن تأمل تجربة المصريين القدماء يقودنا إلى مجموعة من الدروس المهمة:
أولها أن قوة المجتمع تبدأ من قوة الأسرة.
وثانيها أن احترام المرأة ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل ضرورة حضارية.
وثالثها أن القانون لا ينبغي أن يكون أداة للهيمنة، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة.
ورابعها أن الحضارات العظيمة لا تبنى بالحجارة وحدها، بل تبنى بالقيم.
خاتمة
لقد سبقت مصر القديمة كثيراً من الأمم في إدراكها أن الزواج علاقة تقوم على الرحمة لا القهر، وعلى المشاركة لا التسلط، وعلى الكرامة لا الإهانة.
ومن هنا جاء نظام الخلع عند الفراعنة بوصفه وسيلة لحماية الإنسان قبل حماية العقد، ولصون الكرامة قبل المحافظة على المظاهر.
ولعل أعظم ما نتعلمه من تلك التجربة التاريخية أن العدالة لا تعرف زمناً، وأن القيم الإنسانية الكبرى تظل خالدة مهما تغيرت العصور.
وقد صدق الشاعر حين قال:
وما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
فإذا بقي العدل بقيت الحضارات، وإذا بقيت الرحمة بقي الإنسان، وإذا حُفظت كرامة المرأة استقرت الأسرة، وإذا استقرت الأسرة ازدهرت الأوطان.
وهكذا تظل حضارة النيل، بعد آلاف السنين، تهمس في آذان التاريخ بأن الإنسان كان وسيظل أعظم بناءٍ شيدته الحضارات.
الخُلْعُ عند الفراعنة وأحكامُه حين سبقت حضارةُ النيلُ الأزمنةَ في صونِ كرامة المرأة والأسرة
الناشر :مدونة فكر أديب
-
