حينَ يجورُ الزمانُ… يبقى النورُ في القلوب

حينَ يجورُ الزمانُ… يبقى النورُ في القلوب
إذا جارَ الزمانُ على الناسِ، تكسَّرت أشياءُ كثيرةٌ في الداخل قبل الخارج، واهتزَّت الموازينُ حتى صارَ الصادقُ غريباً، وصارَ صاحبُ المصلحةِ يُزيِّنُ نفسَه بثوبِ الشرفِ والوقار. في زمنٍ تختلطُ فيهِ الأصوات، يعلو الضجيجُ ويخفتُ صوتُ الحقيقة، ويغدو القلبُ النقيُّ كطائرٍ صغيرٍ يبحثُ عن غصنِ أمانٍ في ريحٍ لا تهدأ. كم هو موجعٌ أن ترى الوجوهَ تتبدّل، والقلوبَ التي كانت مأوىً للمحبّة تصيرُ باردةً كشتاءِ المدنِ البعيدة. صديقُ الأمسِ الذي كان يزرعُ الطمأنينةَ في الروح، قد يصبحُ اليومَ عابراً لا يعرفُ ملامحَ الوفاءِ. فالنفوسُ حين تُرهقها المصالح، تذبلُ فيها الورود، ويجفُّ نهرُ الرحمةِ في العيون. لكنَّ الحياةَ، مهما اشتدَّ قسوتُها، لا تخلو من نافذةِ نور، ولا تنطفئُ فيها شمعةُ الخيرِ تماماً. فكما يتعاقبُ الليلُ والفجر، يتعاقبُ الحزنُ والرجاء، وكما يذبلُ الغصنُ في الخريف، يعودُ في الربيعِ أكثرَ اخضراراً وبهاء. إنَّ الدنيا، مهما اتَّسعت، تبقى قصيرةً كحلمٍ عابر، فلا تحزنْ إن رأيتَ أهلَ الطمعِ يعلون، ولا تنكسرْ إذا ضاقَ طريقُ الفضيلة. فالذهبُ الحقيقيُّ لا يفقدُ قيمتَه ولو غطّاهُ التراب، والقلبُ الطاهرُ يبقى جميلاً ولو أرهقتهُ الخيبات. كم من إنسانٍ نامَ على وسادةِ المجد، ثم استيقظَ على هشاشةِ الدنيا وتقلباتها، وكم من بسيطٍ مجهول رفعَهُ اللهُ بنقاءِ قلبهِ وصفاءِ سريرته. فالأيامُ لا تثبتُ على حال، والدهرُ يدورُ كعجلةِ الريح، مرةً يمنحُ الورد، ومرةً يبعثرُ أوراقهُ في الطرقات. لا تُرهقْ روحكَ بمطاردةِ السراب، ولا تجعلْ الأطماعَ قيداً حولَ قلبك. فما خُلقتِ الروحُ لتتنافسَ على الفاني، بل خُلقتْ لتسمو، ولتتركَ أثراً جميلاً يشبهُ العطرَ بعد الرحيل. ما أجملَ الإنسانَ حين يكونُ نقيَّ القلب، هادئَ الروح، لا يؤذي أحداً، ولا يحملُ في صدرهِ إلا السلام. فالنقاءُ لغةٌ لا يفهمها الجميع، لكنَّها تصلُ دائماً إلى القلوبِ الصادقة، كما يصلُ ضوءُ القمرِ إلى البحر في ليالٍ يغمرُها السكون. وفي زحمةِ هذا العالم، ابقَ قريباً من نفسك، قريباً من الله، فالإيمانُ هو اليدُ التي تُمسكُ قلبكَ حين تتساقطُ الأشياءُ من حولك. هو السكينةُ التي لا تُشترى، والنورُ الذي لا تطفئهُ عواصفُ الحياة. فلا تأسفْ على دنيا تساوى فيها الخيرُ والشرُّ في أعينِ البعض، ولا تنحنِ لعابرِ غرورٍ ظنَّ أن المجدَ يُشترى. فالعزُّ الحقيقيُّ ليسَ مالاً ولا منصباً، بل قلبٌ مطمئن، وروحٌ تعرفُ طريقَ الحقِّ ولو طالَ السفر. كنْ كالنخلةِ، ترتفعُ بصمتٍ، وتمنحُ الخيرَ حتى لمن يرشقُها بالحجارة. وكنْ كالمطر، يمرُّ خفيفاً على القلوبِ العطشى فيتركُ فيها حياةً جديدة. ولا تسمحْ لقسوةِ العالم أن تُطفئَ الطفلَ الجميلَ في داخلك. إنَّ بعضَ الخيباتِ ليستْ نهايةَ الطريق، بل بدايةُ الحكمة. وبعضَ الدموعِ ليستْ ضعفاً، بل غسيلٌ للقلبِ من تعبِ الأيام. فاصبرْ إذا ضاقتْ بكَ الحياة، فبعدَ العسرِ يُولدُ اليسر، وبعدَ الليلِ الطويل يأتي فجرٌ يحملُ في يديه أغنياتِ الضوء. يا صاحبَ القلبِ الطيب، إن ضاقتْ بكَ الدنيا يوماً، فتذكّرْ أن الورودَ لا تنمو إلا بعد المطر، وأنَّ النجومَ لا تُرى إلا في الظلام. فتمسَّكْ بالخير، ولو قلَّ أهله، وتمسَّكْ بالنور، ولو ازدحمَ العالمُ بالعتمة. لأنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بما يملك، بل بما يمنح، ولا بما يقول، بل بما يزرعُهُ من أثرٍ جميلٍ في القلوب. وما يبقى في النهاية ليسَ ضجيجَ الحياة، بل تلك اللحظاتُ الصادقة التي مررنا بها كنسمةِ حب، وتركناها خلفنا كأغنيةٍ لا تموت.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال