أمام عينيها انهارت كل الأكاذيب

أمام عينيها انهارت كل الأكاذيب
( 1 ) يا سيّدتي… أعرفها، تلك الأعوامُ التي كانت تمشي مخمورةً بعطرِ اللذّة، أعرفها كما يعرف البحرُ ملوحةَ الغرقى، وكما تعرفُ الشموعُ رجفةَ الليل الأخيرة. أعرفُ الأقبيةَ التي نامت فيها أحلامُ الجسد، والقاعاتِ الدافئة حين كانت الضحكاتُ تتدلّى من الشفاه كعناقيدَ نبيذ صفراء. أعرفُ الكلماتِ الطينيّة حين تُقالُ على موائدِ اللهو، فتتمايلُ كراقصةٍ فاجرة أرهقها العطرُ والموسيقى، وتذوبُ الأنفاسُ الشهوانيّة في مرايا العيون. أعرفُ الغنجَ، وتلك الموسيقى التي كانت تُشعلُ في الروح حرائقَ مؤقّتة، ثم تتركُ القلبَ باردًا… كمدينةٍ بعد المطر. لكنّي يا سيدني، في ذروةِ الصحوِ المرير، أتألّمُ كثيرًا حين أرى وجهي لا يعرفُ وجهي، وحين أرى صمتي ينكرني… ويهجرني. أبحثُ عن نصفي الطيّب، عن طفلٍ قديم كان يركضُ في حقولِ النقاء، ثم ضاعَ بين ضجيجِ الرغبات وأسواقِ العابرين. يا سيّدتي، كم هو موجعٌ أن يكتشفَ الإنسانُ أنّه كان غريبًا عن نفسهِ طوالَ الطريق.  ( 2 ) قاسيةٌ هي أزمنةُ اللهو، حين تسكنُ القلبَ كريحٍ سوداء، وتجعلُ الروحَ تمشي حافيةً فوق الزجاج. قاسيةٌ طرقاتُ الليل، وهي تعبرُ عروقي كجيادٍ متعبة، تطرقُ أبوابَ الذاكرة بعنفٍ ووجع. لكنّي يا سيدتي ، حين أعودُ إلى نفسي آخرَ الليل، أعرفُ الحقيقةَ كاملةً: أنّي أنا القاسي، و أنا الجاني ، وأنا الهاربُ من ألمِ الحقيقة. أنا الفارسُ المغوار الذي أضاعَ حصانَه في أسواقِ اللذّة، ثم عادَ يسألُ المارةَ عن طريقِ النجاة. ولماذا أخافُ أن يدعوني الناسُ جبانًا ؟ ولماذا يصعقني هذا القلبُ اليابس، وأنا أعرفُ أنّي كنتُ أوّلَ الخاذلين ؟ حتّى الألقابُ لم تعد تُنقذني، فما جدوى أن يسمّوني فارسًا، إذا كنتُ أعجزُ عن الانتصارِ على نفسي ؟ يا سيّدتي، إنّ أقسى الهزائم ليست تلك التي تأتي من العالم، بل تلك التي تنبتُ في داخلنا كشجرةِ شوكٍ صامتة.  ( 3 ) أقرأُ في عينيكِ وطنًا رائعًا، وطنًا يشبهُ أغنيةً قديمة مهجورة نجت من الحروب. أقرأُ في عينيكِ كتابَ السلامِ الضائع، ذلك السلام الذي تركناهُ وحيدًا في زحامِ البنادق. أقرأُ الكلماتِ المهجورة، التي ماتتْ قبل أن تجدَ شفاهًا تُحبّها، وأقرأُ حزنَ الأرصفة، وصمتَ الشوارعِ حين يمرُّ بها الخوف. في عينيكِ تختلطُ الأشياءُ كلّها: الحبُّ والموت، القمحُ والرصاص، الطفولةُ والرماد. وحين أحدّقُ طويلًا، أشمُّ شواءَ الموتِ الغاضب، كأنّ المدنَ المحترقة ما زالتْ تتنفّسُ تحت جلدِ المساءِ. هناك… ينتظرُ الفرسُ فارسَه المتعب، وينتظرُ الهاربُ أن يجدَ بابًا أخيرًا للنجاة. يا سيّدتي، عيناكِ ليستا مجرّدَ عيون، إنّهما وطنٌ كلّما اقتربتُ منه شعرتُ أنّي أعودُ إليَّ.  ( 4 ) أشعرُ، يا سيّدتي، أنّ موتي ليس موتَ رجلٍ واحد، بل موتُ أرملةٍ أضاعتها الحروب، وطفلٍ جائعٍ ينامُ على الغبار. أشعرُ رمادَ الصحراءِ يهبُّ في صدري، ويجمعُ جراحَ البلاد في قلبي المتعب. كلُّ جرحٍ في الوطن ينامُ على صدري، وكلُّ صرخةٍ تبحثُ عن نافذةِ ضوء. أحملُ بعثرتي السوداء كأنّي أحملُ خرائطَ الخراب، لكنّ شيئًا في دمي ما زال يصهلُ كحصانٍ بريّ. شيءٌ ما يركضُ نحو ترابِ الأرض، يقبّلُها كما يُقبّلُ العاشقُ يدَ حبيبتهِ بعد الفراق. أمنحُها حبًّا يشبهُ المطر، وعطاءً يشبهُ سنابلَ القمح حين تتمايلُ في الريح. يا سيّدتي، إنّي كلّما اقتربتُ من هذا التراب، أشعرُ أنّ الصحراء تُزهرُ في داخلي. ويمتدُّ الحنينُ عميقًا… عميقًا كأغنيةِ بدويٍّ يُنادي نجمةً بعيدة. فأنا، رغم كلِّ هذا التعب، ما زلتُ أؤمنُ أنّ القلبَ الذي عرفَ الحبّ لا يموت، وأنّ الأرواحَ التي أحرقتها الخيبات تستطيعُ يومًا أن تُنبتَ من رمادها حقولًا جديدةً من الضوء.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال