العروس الهاربة
كانت الكنيسة في تلك الليلة تبدو كأنها قطعة مقتطعة من حلمٍ أبيض.
الأضواء المعلّقة على الجدران العتيقة ترتجف كنجوم صغيرة، والشموع الموزعة قرب المقاعد تبعث دفئًا خافتًا يشبه صلاة قديمة. أمام الباب الكبير توقفت سيارة العروس، مغطاة بالشرائط الملوّنة والزهور البيضاء والحمراء، كأنها تحمل قلبًا مزهرًا إلى مصيره الأخير.
انطلقت الزغاريد من كل صوب، واندفع الأطفال بملابسهم البيضاء يحيطون بالعروسين، يحملون الشموع بأيدٍ مرتجفة من رهبة الاحتفال. كانت وجوههم البريئة تُضفي على المشهد طابعًا سماويًا، حتى بدا العروسان وهما يسيران خلفهم كأنهما يعبران جسرًا بين عالمين: عالم الوحدة، وعالم الحياة المشتركة.
العريس كان يبتسم بثقة رجلٍ ظنّ أنه أخيرًا أمسك بالسعادة من يدها.
أما العروس، فكانت جميلة على نحوٍ مؤلم؛ عيناها الواسعتان غارقتان في شيء يشبه الحزن، لكن أحدًا لم ينتبه. الجميع كانوا منشغلين بالثوب الأبيض، بالأغاني، بالكاميرات، وبالوعود اللامعة التي يحب الناس تصديقها في حفلات الزفاف.
اقتربا من الهيكل.
بدأت الطقوس الدينية المعتادة، الكلمات المحفوظة عن ظهر قلب ، الأدعية، تبادل النظرات المرتبكة، والابتسامات التي يفرضها حضور الناس. كان كل شيء يسير كما ينبغي له أن يسير، حتى جاءت اللحظة التي سأل فيها الكاهن العروس بصوته الهادئ :
هل تقبلين هذا الرجل زوجًا لكِ ؟
ساد صمت قصير.
رفعت العروس رأسها ببطء، ونظرت إلى العريس طويلًا، كأنها تراه لأول مرة. ثم قالت بصوت مرتجف، لكنه واضح كحد السكين القاطع :
كلا…
ثم أعادت بهستيريا، وكأنها تنتزع نفسها من هاوية :
كلا… كلا.
تجمّدت وجوه المعازيم من هول المفاجأة . حتى الشموع بدت وكأنها توقفت عن الارتعاش.
ارتفع الهمس أولًا كطبل ، ثم انفجر المكان بالفوضى العارمة . نساء يضعن أيديهن على أفواههن خوفا من النطق بما لا يليق ، رجال يتبادلون النظرات المذهولة، أطفال بدأوا بالبكاء دون أن يفهموا شيئًا.
أما العروس، فقد رفعت طرف ثوبها الأبيض وركضت خاربة خارج الكنيسة.
ركض والدها خلفها، وبعض أقاربها، وهم ينادون اسمها، لكنها لم تتوقف. كانت تركض كما لو أن الجدران كلها تطبق على صدرها، وكأن هذا الثوب ليس ثوب زفاف، بل قيد طويل من الحرير الأبيض.
في الداخل بقي العريس واقفًا مكانه متجمد الملامح ، وجهه شاحب، وعيناه فارغتان كبيتٍ احترق لتوّه.
اقترب منه أحد أصدقائه المقربين وربت على كتفه بحذر :
ربما أجبروها على الزواج منك ؟
هزّ رأسه بعنف، ثم قال بصوت مبحوح :
لا… لا أظن. كانت تبدو راضية دائمًا. لم أفهم لماذا فعلت هذا بي أمام الناس جميعًا.
سكت قليلًا، ثم انخفض صوته أكثر :
سألت نفسي… هل أخبرها أحد أنني أخونها ؟ هل أوشى بي شخص ما ؟
نظر إليه صديقه متفاجئًا :
وهل كنت تخونها ؟
رفع رأسه بسرعة، وفي عينيه شيء من الجرح والكبرياء :
أقسم أنني لم أفعل. بل كنت أبتعد عن النساء جميعًا. حتى أصدقائي قلّلت لقاءاتي بهم من أجلها. كنت أعيش لها وحدها.
جلس على المقعد الخشبي، وأسند رأسه بين كفيه، ثم بدأ يتكلم كمن يفتش داخل نفسه للمرة الأولى :
كنت أرافقها إلى كل مكان. إلى النادي، إلى الأسواق ، إلى لقاءاتها مع صديقاتها. كنت أحرص أن أكون موجودًا دائمًا بجوارها… دائمًا.
ابتسم ابتسامة باهتة كئيبة :
حتى في المطاعم، كنت أطلب الطعام بدلًا عنها. أعرف ماذا تحب ، وما يناسبها. كنت أختار لها الحلوى التي تهوها ، والعصير المفضل لديها ، وكل شيء.
تنهد في عمق ، ثم تابع :
وعندما تشتري ملابسها، كنت أرافقها أيضًا. أختار لها الألوان التي أراها أجمل عليها. كنت أجادل الباعة وأفاصلهم حتى أوفر المال. كنت أظن أن ذلك دليل اهتمام.
رفع عينيه نحو صديقه كطفل ينتظر تصديقًا :
حتى في البيت… كنت أحب المطبخ. أعدّ لها الطعام والحلوى. كنت أرى سعادتها حين أعتني بكل التفاصيل.
صمت قليلًا، ثم أضاف بفخرٍ خافت :
وحتى البقشيش… كنت أمنعها من دفعه. لماذا ندفع أكثر ما دامت الخدمة محسوبة ضمن الفاتورة ؟
ظل صديقه يحدق فيه بصمت.
وفي تلك اللحظة، دخلت كلمات العريس إلى رأسه لا كاعترافات حب، بل كقطع أحجية اكتملت فجأة.
اقترب منه أكثر وقال ببطء :
هل كنت تترك لها شيئًا تفعله بنفسها ؟
رفع العريس رأسه متفاجئًا.
ماذا تعني ؟
أعني… هل سألتها يومًا ماذا تريد ؟ ماذا تحب ؟ ماذا تختار ؟
هل تركت لها فرصة لتكون هي ، لا أنت ؟
ارتبك العريس ، و دفن وجهه بين كفيه.
أكمل صديقه بصوت هادئ:
أنت لم تخنها مع امرأة أخرى… لكنك خنقتها بحبك.
ارتعشت ملامح العريس كأن صفعة غير مرئية هوت على روحه.
وفي الخارج، كانت العروس تجلس داخل سيارة والدها، تبكي بصمت.
الماكياج الذائب حول عينيها جعلها تبدو كطفلة ضاعت في مدينة كبيرة.
قالت لها أمها وهي تمسك يدها :
لماذا فعلتِ هذا ؟ كان يحبك.
أغمضت عينيها، ثم همست:
نعم… كان يحبني كثيرًا يحبني أكثر مني .
إذن ما المشكلة ؟
التفتت نحو النافذة، إلى الليل الممتد خارج السيارة، وقالت بصوت منكسر:
المشكلة أنني اختفيت في كيانه ، اخفاني داخله .
سكتت لحظة، ثم تابعت :
لم أعد أعرف ماذا أحب، ولا ماذا أريد. كل شيء كان يختاره عني. الطعام، الملابس، الأماكن، حتى طريقة ضحكي أمام الناس. كان يفعل ذلك بحب… أعرف… لكنه كان يمحو ملامحي ببطء يخفي شخصيتي .
تنهدت بحرقة :
كنت أشعر أنني أعيش داخل حياته هو، لا حياتي أنا.
في تلك اللحظة داخل الكنيسة، كان العريس يغوص للمرة الأولى داخل نفسه.
تذكر كيف كانت تبتسم أحيانًا بصمت حين يختار عنها
. كيف كانت تتردد قبل أن تقول رأيًا مختلفًا.
كيف كان يقاطعها بحنان ظاهري ليقول :
“أنا أعرف ما يناسبك أكثر.”
اكتشف فجأة أن الحب قد يتحول إلى قفص ذهبي، وأن الرعاية حين تتجاوز حدّها تصبح نوعًا ناعمًا من السيطرة.
قال لصديقه بصوت خافت:
— كنت أظن أنني الرجل المثالي.
أجابه صديقه:
المشكلة ليست في نيتك… بل في خوفك.
خوفي ؟
نعم. كنت تخاف أن تخسرها، فحاولت أن تتحكم بكل شيء حولها. الإنسان حين يخاف كثيرًا، يبالغ في الإمساك بمن يحب… حتى يخنقه دون أن يشعر.
شعر العريس بوخزة عميقة داخله.
للمرة الأولى فهم أن الحب ليس أن تحيط إنسانًا بنفسك من كل الجهات، بل أن تمنحه مساحة يتنفس فيها.
رفع رأسه نحو الهيكل حيث كانت الشموع لا تزال مشتعلة، وقال كمن يحدّث نفسه :
كنت أحب صورتها داخل حياتي… أكثر مما أحب حقيقتها.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة، وأضاف :
إذا عُرف السبب… بطل العجب.
وفي تلك الليلة، غادر المدعوون واحدًا تلو الآخر. انطفأت الأضواء تدريجيًا، وخمدت الزغاريد، وبقيت الكنيسة فارغة إلا من رائحة الزهور الذابلة.
لكن شيئًا واحدًا ظل معلقًا في الهواء :
أن أكثر العلاقات ألمًا ليست تلك التي ينقصها الحب…
بل تلك التي يختنق فيها الإنسان من فرط ما يُحب.
