مرثية القيم الأخيرة «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» ولكن: إلى أيِّ طريقٍ نعود ؟

مرثية القيم الأخيرة «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» ولكن: إلى أيِّ طريقٍ نعود ؟
الحمد لله على ما وصلت إليه الأمة من براعةٍ في دفن أشيائها الجميلة وهي تبتسم. فبعد مرضٍ طويلٍ من الإنهاك والتآكل البطيء، تنعى الأمة العربية اليوم وفاة آخر ما تبقّى من القيم الأصيلة: الكرامة، والنخوة، والشهامة، وحرارة الضمير. وقد تقرّر ـ في مشهدٍ يفيض بالسخرية السوداء ـ أن يُقام العزاء في الكنيست الإسرائيلي يوم السبت، وفي البيت الأبيض يوم الأحد، بينما تتوزّع الصلوات على المساجد والكنائس والمعابد، كأنّ العالم كله صار يقرأ الفاتحة على روح الإنسان العربي، لا على جسد القيم وحدها. أيُّ مشهدٍ هذا الذي يبدو كقصيدةٍ كتبها اليأس بيده المرتجفة ؟ وأيُّ زمنٍ ذاك الذي أصبحت فيه الكرامة جثماناً يُشيَّع، بينما يقف أصحابها الحقيقيون خلف الحواجز، صامتين، عاجزين حتى عن البكاء ؟ لقد كانت القيم العربية، عبر قرونٍ طويلة، أشبه بنخلةٍ شامخةٍ في قلب الصحراء؛ قد يضربها القيظ، وتصفعها الريح، لكنها لا تنحني. أما اليوم، فقد صار الإنسان العربي كغصنٍ مبتلٍّ بالدخان؛ لا هو قادرٌ على الاشتعال، ولا على النجاة من الاحتراق.  موتٌ بطيء لا يسمعه أحد ليست الكرامة جسداً يُدفن، لكنها تموت كل يومٍ ألف مرة. تموت حين يرى الأب أبناءه يهاجرون في قوارب الموت، ثم يرفع يديه إلى السماء قائلاً: “لعلّ الغربة أرحم”. وتموت حين يعتاد المواطن مشهد الظلم حتى يصبح جزءاً من أثاث يومه، كالكوب الموضوع قرب النافذة، أو صوت المذياع في الصباح. لقد أصبح القهر مألوفاً إلى درجةٍ مخيفة. فالإنسان لا يُهزم حين يُقمع فقط، بل حين يتصالح مع قمعه، ويبرّر قيوده، ويدافع عن السوط الذي يجلده. في علم النفس الاجتماعي، يُسمّى هذا “التكيّف مع العجز”، وهو الحالة التي يفقد فيها الإنسان إيمانه بجدوى المقاومة بعد تكرار الخيبات. يشبه الأمر طائراً ظلّ زمناً طويلاً داخل قفصٍ ضيّق، حتى إذا فُتح الباب أمامه، لم يجرؤ على الطيران. لقد تعلّم الخوف حتى صار الخوف وطناً. وهذا ما حدث لكثيرٍ من المجتمعات العربية؛ إذ لم تعد المشكلة في غياب الحرية وحده، بل في ضمور الرغبة فيها. صار الناس يبحثون عن الأمان ولو في قاع الذل، وعن لقمة العيش ولو بثمن الكرامة، وعن النجاة الفردية ولو فوق أنقاض الجماعة.  حين يصبح الصمت فضيلة في الأزمنة المريضة، تتبدّل المعايير. فيصبح الصامت “حكيماً”، والمتملّق “واقعياً”، والخائف “عاقلاً”، بينما يُتَّهم صاحب الموقف بالتهوّر والجنون. وهكذا يُقتل الضمير بالتدريج، لا بالرصاص، بل بالتعوّد. لقد رأينا في العقود الأخيرة كيف تحوّل كثير من الناس إلى كائناتٍ متعبة تبحث فقط عن الحد الأدنى من الحياة. الموظف الذي يُهان يومياً ثم يبتسم لرئيسه كي لا يخسر راتبه. الصحفي الذي يدفن الحقيقة تحت الكلمات المزيّفة لأنه يخاف على أطفاله. الطالب الذي يحفظ ما لا يؤمن به كي ينجح. والمواطن الذي يرى الفساد علناً ثم يقول: “وما حيلتنا؟”. إنها ليست مواقف فردية معزولة، بل أعراض انهيارٍ نفسيٍّ جماعي. حين يفقد المجتمع ثقته بذاته، يتحوّل إلى كائنٍ منهك، يشبه شيخاً عجوزاً يجلس قرب باب بيته، يراقب الخراب بصمتٍ بارد.  الضمير العلمي… بين الإنعاش والوفاة الإكلينيكية ولم يكن الضمير الأخلاقي وحده هو الضحية؛ فحتى الضمير العلمي بات يتنفّس اصطناعياً. لقد صار العلم في كثيرٍ من الأحيان أداةً للهيمنة لا للتحرير، وسوقاً للمصالح لا فضاءً للحقيقة. فالعالم الذي كان يُفترض أن يطارد الأسئلة الكبرى، صار أحياناً موظفاً لدى الشركات الكبرى أو الأنظمة الكبرى. وأصبح الإنسان يُقاس بما يملك، لا بما يفهم. لقد اختلف “الأطباء المختصّون” في تشخيص الحالة، لكن الجميع تقريباً اتفقوا على أن المريض في مرحلة الوفاة الإكلينيكية. فحين يُبرَّر الاحتلال باسم السياسة، والقتل باسم الأمن، والكذب باسم الإعلام، يصبح العقل نفسه شريكاً في الجريمة. إن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر، بل تبرير الانحطاط. لأن الفقير يستطيع أن يثور، أما الذي أقنعوه أن الذلّ ضرورةٌ تاريخية، فقد فقد حتى القدرة على الحلم.  منطق الانهيار: كيف تسقط القيم؟ لا تسقط الأمم فجأة، بل تتآكل ببطء، كما يتآكل الحديد تحت المطر. يبدأ الأمر صغيراً: كذبةٌ لا تُواجَه، وظلمٌ يُبرَّر، وخوفٌ يُغطّى بالحكمة، ثم تتحوّل الاستثناءات إلى قواعد، حتى يصبح الخراب نظاماً يومياً. منطقياً، لا يمكن لمجتمعٍ أن يحافظ على كرامته وهو يربّي أبناءه على الطاعة العمياء. ولا يمكن لأمةٍ أن تنهض وهي تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجهل. فالإنسان الحر لا يُولد صدفة، بل يُصنع بالتربية والثقافة والوعي. لكن ما حدث في كثيرٍ من المجتمعات العربية هو العكس تماماً؛ إذ جرى تفريغ الإنسان من فاعليته، وتحويله إلى متلقٍّ سلبيٍّ يستهلك الخوف كما يستهلك الخبز. ولهذا لم يعد الحزن حدثاً استثنائياً، بل صار مناخاً عاماً.  أمثلة من الحزن العربي الكبير يكفي أن تنظر إلى وجوه الأمهات في مخيمات اللجوء لتفهم حجم الفاجعة. أمٌّ تحمل طفلها تحت المطر، وتخبئ في عينيها وطناً كاملاً ضاع منها. وشابٌّ يقف على حدود البحر، ينظر إلى الضفة الأخرى كأنها حلمٌ معلّقٌ فوق الماء. وعجوزٌ يحتفظ بمفتاح بيته منذ خمسين عاماً، مؤمناً أن الأبواب لا تموت مهما طال الغياب. هذه الصور ليست مجرد مشاهد عابرة، بل شهادات حيّة على انكسار الإنسان العربي بين السياسة والتاريخ والجغرافيا. حتى المدن نفسها أصبحت حزينة. دمشق تشبه امرأةً أرهقها البكاء. وبغداد كعازفٍ فقد أصابعه. وغزة كطفلٍ يكتب واجبه المدرسي تحت القصف. والقدس كأمٍّ عجوز تُفتَّش كل صباح عند باب بيتها. أيُّ زمنٍ هذا الذي صار فيه الحزن هو اللغة المشتركة الوحيدة بين الشعوب العربية؟  العزاء العالمي… والاحتفال الخفي في العمق، لا يبدو العالم حزيناً على موت القيم العربية. بل ربما يشعر بعض الأقوياء براحةٍ خفية؛ فالقيم الحيّة كانت دائماً مصدر إزعاج للطغيان. الكرامة تُقلق المستبد. والنخوة تُربك المحتل.والوعي يُخيف الفاسدين. ولهذا يبدو مشهد العزاء في “الكنيست” و ”البيت الأبيض” رمزاً بالغ الدلالة؛ إذ تتحوّل الجنازة هنا إلى احتفالٍ غير معلن بانتهاء زمن الإنسان الذي يرفض الذل. لكن التاريخ يعلّمنا شيئاً مهماً: القيم قد تمرض، وقد تُهزم، لكنها لا تموت نهائياً. فالرماد يخفي تحته جمراً صغيراً، والأمم التي عرفت المجد لا تنسى طريقه تماماً.  هل انتهى كل شيء؟ رغم هذا السواد الكثيف، يبقى في المشهد ضوءٌ خافت. ففي كل مدينةٍ عربية، هناك شخصٌ ما لا يزال يحاول أن يكون نزيهاً وسط الفساد. ومعلّمٌ يزرع في طلابه معنى الكرامة. وصحفيٌّ يكتب الحقيقة رغم الخوف. وأمٌّ تعلّم أبناءها ألا يبيعوا ضمائرهم مهما اشتدّ الجوع. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يمنع الموت الكامل. فالقيم لا تعيش بالخطب الرنانة، بل بالأفعال اليومية البسيطة. حين يرفض الإنسان الكذب، يحمي جزءاً من الحقيقة. وحين يساعد ضعيفاً، ينقذ ما تبقّى من النخوة. وحين يقول “لا” في وجه الظلم، يعيد للكرامة نبضها.  خاتمة: القيامة المؤجلة للقيم ربما ليست هذه مرثيةً نهائية، بل إنذارٌ أخير قبل السقوط الكامل. فالأمم التي تفقد كرامتها تصبح مجرد أرقامٍ في نشرات الأخبار، وشعوباً قابلةً للبيع والشراء، وأراضي مفتوحةً لكل عابر سبيل. أما الأمة التي تستعيد إنسانها، فإنها تستطيع أن تبدأ من الصفر، حتى لو كانت محاطةً بالخراب. لقد كتب التاريخ مراراً أن الليل الطويل لا يمنع الفجر، وأن الإنسان قد ينهض من تحت الركام إذا تذكّر أنه خُلق واقفاً لا زاحفاً. ولعلّ السؤال الحقيقي ليس: “هل ماتت القيم العربية؟” بل: هل بقي فينا ما يكفي من الشجاعة لنحزن عليها حقاً؟ لأن الأمم التي لا تبكي موت ضمائرها، لا تستحق أن تستيقظ.  مراجع وإضاءات فكرية • مالك بن نبي، شروط النهضة — في تحليل القابلية للاستعمار وانهيار الفاعلية الحضارية. • علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب — حول أزمة الإنسان المعاصر وفقدان المعنى. • إريك فروم، الخوف من الحرية — تفسير نفسي لتحوّل الإنسان إلى كائن يخشى التحرر. • غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير — في فهم السلوك الجمعي والتأثير النفسي للمجتمعات. • عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد — من أهم النصوص العربية في تحليل أثر القمع على الأخلاق والوعي. • زيغمونت باومان، الحداثة السائلة — حول هشاشة القيم في العصر الحديث وتفكك الروابط الإنسانية

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال