أحلامُ الحُطام
لا ترجُ قلبًا شحيحًا بالعطاء،
فأطيبُ العمرِ—إن ضنَّ به صاحبه—مضى وذهب،
وأندى المُنى إذا تأخرت، ذبلتْ كوردٍ عطِشٍ في مهبِّ التعب.
غابَ ما حلمتَ به خلفَ ضبابٍ كثيف،
توارى كأنّه سرٌّ خجول،
أو نجمةٌ أطفأتها يدُ السحاب قبل أن تبلغَ الأُفق.
وما تمنّاه قلبُك الوديع،
احتجبَ في صمتٍ مريب،
كأنّ الحياةَ وعدتْك ثم تراجعتْ،
وابتسمتْ لك يومًا… ثم انصرفت.
كلُّ ما كنتَ بالأمس تنشده،
كلُّ ما كنتَ تلهثُ خلفه كطفلٍ يطاردُ فراشة،
تبعثرَ في مهبِّ الذكريات،
وصارَ هباءً… لا يُمسك، ولا يُرى، ولا يُستعاد.
يا شاعرَ الحبِّ والجمال،
أما زلتَ تسعى لابتلاعِ القِباب؟
أما زلتَ ترفعُ كفّيك إلى سماءٍ بعيدة،
تظنُّها تُصغي، وهي في غفلةٍ عن نداءاتك؟
يا شاعرَ الحب،
لن تفيقَ من خمره ما دامَ فيك نبض،
ولا من شرابه ما دام في عينيك بريق.
تجري وراءَ خيالٍ هارب،
وتغترفُ من كؤوسه جرعاتٍ لذيذة،
لكنها - في ختامها - تُورثُكَ مرارةَ السهاد.
والحُسنُ، يا شاعرَ الجمال،
يمرُّ هنا كطيفٍ عابر،
لا يستأذنُ بابًا،
ولا يُلقي التحية على العتبات،
يأتي كنسمةٍ،
ويمضي كذكرى،
ويتركُ القلبَ معلقًا بين الدهشةِ والحنين.
أخفقتَ، يا خافقَ الفؤاد،
وما كان إخفاقُك إلا لأنك أحببتَ بصدق،
وقاسيتَ من الحبِّ ما يُقاسيه العاشقون:
سقمٌ جميل، وتعبٌ شهي،
وألمٌ يُشبه اللذّة في خفائه.
أما ترى الليلَ والنهار،
كيف تعاقبا عليك كحدّين من سيفٍ واحد؟
كيف حطّما فيك كلَّ ما اجتذبته من أمل،
وتركاكَ واقفًا على أطلالِ نفسك؟
وصرتَ…
هذا الحطامَ النابض،
جسدٌ يسكنه الصمت،
وقلبٌ يعزفُ ألحانًا لا يسمعها أحد.
إذا لامسَ الدواءُ جراحَك،
ظننتَ أنّ الحياةَ تبتسم،
لكنها – كعادتها - تهرب،
تتركُك بين رجاءٍ لا يكتمل،
وخذلانٍ يتكرّر.
أما ترى الشمسَ حين تميلُ نحو الغروب،
كيف تُوحي بأن النهايةَ قريبة؟
وكيف تهمسُ للأشياء:
“كلُّ جمالٍ إلى أفول،
وكلُّ بدايةٍ تحملُ في طيّاتها ختامًا خفيًّا”؟
يا شاعرَ الحب،
لم تفق بعدُ من نشوته،
ولا تزالُ تسكنُ في حرِّ ناره،
تتقلّبُ بين لهيبها ودفئها،
كأنّك وجدتَ فيها ضياعك… ونجاتك معًا.
فيك قلبٌ اشتعلَ بالحب،
حتى صارَ وهجًا يمشي على قدمين،
حوّلتَه - بوهمك الجميل - جنةً خضراء،
لا لغو فيها ولا صخب،
جنةً من طهرٍ صافٍ،
تطوفُ بها خيالاتُ الوحي،
وتهمسُ فيها الأمنيات.
والحبُّ - إن ملكَ الفؤاد -
رفعَه إلى سماءٍ لا تُدرك،
وجعلَه يُحلّقُ فوق حدودِ الألم،
كأنّه نُسبَ إلى نورٍ علويٍّ لا يخبو.
لكن،
يا نارَ القلب في توهّمه،
والوهمُ – للقلب - صانعُ الأكاذيب الجميلة،
أرفقْ بنفسٍ سكنتْكَ زمنًا،
وأرفقْ بقلبٍ كانَ يهفو بنبضك طربًا،
ثم صارَ يئنُّ من شدّةِ الانتظار.
أحلامُه…
ما تزالُ تعاوده،
ككأسٍ تدورُ بين الشفاه،
ترقصُ فيها الفقاعات،
وتوهمُ الظمآنَ بالارتواء.
غمامةٌ مرّت بسماء قلبك،
لم تمطرْ،
لكنها تركتْ ظلالًا ثقيلة،
فأثقلتْ الفؤادَ باكتئابٍ شفيف،
كأنّه حزنٌ لا يُرى… لكنه يُحسّ.
وإذا لاحَ برقٌ في الأفق،
لمعتْ خواطرُك،
واختطفَ الخيالُ روحك،
فعدتَ تُصدّقُ الوعدَ القديم،
وتنسجُ من الضوء حكايةً جديدة.
لكن،
ما إن يخبو الوميض،
حتى تسمعَ الصوتَ الخافت في داخلك:
“لقد انطفأ الضوء… فيك، لا في السماء.”
لا ترجُ قلبًا لا يجود،
ولا تركنْ إلى ظلٍّ لا يدوم،
فأطيبُ العمرِ إن أُهدر،
لا يعود،
وأجملُ المُنى إن تأخرت،
تذبلُ في صمتٍ… ثم تموت.
واجعلْ من الحطامِ بداية،
ومن الألمِ لحنًا،
ومن الخيبةِ جناحًا خفيًّا،
يحملك - ولو بعد حين -
إلى أفقٍ جديد.
فما الحطامُ إلا شكلٌ آخرُ للحياة،
وما الانكسارُ إلا درسٌ في النهوض،
وما الحبُّ - مهما أوجع -
إلا بابٌ إلى معرفةِ القلب بنفسه.
امضِ…
ولو مثقلاً بالذكريات،
ولو مثقلاً بالحنين،
ففي الطريقِ دومًا
شيءٌ يستحقُّ أن يُعاش.
وإن ضاعَ منك الحلمُ يومًا،
فلا تدعْ روحك تضيع معه،
بل ازرعْ في داخلك حلمًا جديدًا،
أكثرَ صدقًا،
أكثرَ هدوءًا،
وأقربَ إلى قلبك… من كلِّ ما مضى.
لا ترجُ من ضنَّ أن يهب،
فالعطاءُ روح، لا يُتعلَّم،
والحبُّ نبع، لا يُستعار.
واذكر - وأنت تمضي -
أنّ أجملَ ما في الحلم،
ليس تحقّقه،
بل ذلك الضوء الذي يسكبه في القلب
قبل أن يتحقّق… أو يضيع.
