عينيك
بعدَ ارتحالي الطويلِ في منافي الوجوه،
وبعدَ سفري وحيدًا في مُقَلِ النساء،
أجوبُ الملامحَ كما يجوبُ الطائرُ التائهُ خرائطَ السماء،
أفتّشُ عن عينٍ تُؤويني،
عن نظرةٍ إذا مرّت على روحي
أزهرتْ فيها حدائقُ الطمأنينة،
وسالَ في مسامِّها ماءُ الرجاء.
بحثتُ عنكِ
في وجوهٍ كثيرةٍ تشبهُ الصباحَ ولا تُشبهه،
تلمعُ كالنجمِ من بعيد،
لكنها حين تقتربُ
لا تمنحُ القلبَ إلا مزيدًا من العناء.
وكنتُ كلّما ظننتُ أني بلغتُ مرفأَ الحنان
ألفيتُني أرسو على شاطئِ السراب،
فأعودُ أكثرَ تعبًا،
وأشدَّ انكسارًا،
كغريبٍ أضاعَ اسمَه في زحامِ النداء.
نعاني - أنا وقلبي - سهادًا طويلًا،
كأنّ الليلَ أقسمَ ألا يرحل،
وألا يتركَ للجفنِ هدأةً
ولا للروحِ فسحةَ صفاء.
نعاني ضياعَ الحياةِ إذا غابَ وجهُكِ،
ونحيا التيهَ إذا لم يلمعْ في البعيدِ
وعدُ اللقاء.
وكم شربنا من كؤوسِ الوهمِ
حتى حسبنا السمَّ شهدًا،
وكم عشنا من الأعوامِ
وما عشنا سوى عمرِ الشقاء.
ثم جئتِ...
بعد السرابِ والعذاب،
بعدَ اغترابي في ليالي الشتاءِ الطويلة،
حيثُ كان البردُ ينهشُ وحدتي،
وكانت الريحُ تعزفُ على نافذتي
مراثي الغياب.
بعدَ اغترابي في ليالي الخريف الطويلة،
حيث تسقط أوراق الشجر الذابلة ،
و الرياح محملة بغبار خانق
جئتِ كأنكِ الوعدُ الذي أخلفه الزمنُ ثم عاد يعتذر،
كأنكِ فجرٌ أفاقَ من سباتِ الغيم،
وأهدى للأرضِ أولَ خيطٍ من الضياء.
أرى مُقلتيكِ
جزائرَ شوقٍ مبعثرةً فوق بحرِ الحنين،
كلُّ جزيرةٍ منها وطنٌ،
وكلُّ وطنٍ منها نجاة.
فيهما يرسو قلبي
بعد طولِ الإبحار،
ويُلقي عن كتفيه تعبَ المرافئ،
ويخلعُ ثوبَ الأسى
ليلبسَ نورَ الصفاء.
أرى مقلتيكِ
كباقاتِ وردٍ
أرسلها حبيبٌ بعيدٌ
ليعتذرَ عن كلِّ هذا الغياب،
ولتغسلَ عن روحي غبارَ المنافي،
ولتمسحَ عن عينيَّ سهادَ الليالي،
ولتمحو من دفاتري
سيرةَ اليأسِ والانتظار.
يا لروعةِ حضوركِ
حين يهبطُ على القلبِ
كالمطرِ الأوّلِ فوق أرضٍ عطشى،
فيوقظُ فيها ألفَ سنبلة،
وألفَ أغنية،
وألفَ نهرٍ من الدعاء.
جئتِ
لتبعثي في الحسِّ نبضًا جديدًا،
وتشعلي ما أخمدتهُ الليالي من حنين
من قناديلَ كانت تنامُ على جدرانِ الروح.
جئتِ
كأنكِ ينبوعُ سحرٍ فريد،
إذا لامسَ صخرتي اليابسة
تفجّرَ منها الماءُ،
ورقصَ في ضلوعي الندى.
وتأتينَ كفجرٍ ذكيِّ السمات،
له مكرُ الضوءِ وبراءةُ الطفل،
وشقاوةُ العصفورِ حين يختبرُ جناحيه
لأوّلِ مرّة.
فأنتِ البدءُ بعد انتهاء،
وأنتِ الحياةُ إذا ضاقتِ الحياة،
وأنتِ القصيدةُ إذا خانتني اللغة،
وأنتِ المعنى إذا تاهتْ حروفي
في متاهاتِ الهجاء.
فهاتِ يديكِ،
واجمعيني من شتاتي،
كما تجمعُ الأمُّ شظايا الحلمِ
من قلبِ طفلٍ بكى.
ضمّيني إليكِ ، إلى صدرك
حتى أذوبَ خلالكِ
كما يذوبُ العطرُ في الورد،
وكما يذوبُ النورُ في المرايا،
وكما يذوبُ النهرُ في صدرِ البحر.
دعيني أعبرُ في وريديكِ
كأنني نبضةٌ خُلقتْ لتسكنَكِ،
وكأنكِ الدمُ الذي به أعيش
يكتملُ في القلبِ معنى البقاء.
نعانقُ شوقَ الحياةِ
فنغدو همستينِ على شرفةِ مساء،
وعطرينِ التقيا صدفةً
فأنجبا هذا الفضاءَ المضمّخَ بالوجد.
ونصيرُ نبضًا يرقصُ بين الخمائل،
حيثُ ظلُّ الجداولِ
يُرتّلُ أنشودةَ العشقِ
وتُصغي إليه الطيورُ
في خشوعِ المساء.
هناك،
حين ينامُ العالمُ على ضجيجه،
نظلُّ وحدنا
نكتبُ على صفحةِ الصمتِ
سيرةَ هذا الهوى الدفين،
ونتركُ للياسمينِ
أن يُكملَ ما عجزتْ عنهُ الكلمات.
فما أجملَ اليومَ هذا اللقاء،
وما أبهى العمرَ حين يبتدئُ من عينيكِ.
كأنّ السنينَ التي مضتْ
لم تكن إلا تمهيدًا
لهذه اللحظة الفريدة ،
لهذا الندى الذي انسكبَ على قلبي،
لهذا الميلادِ الجديد.
اليومَ فقط يا حبيبتي
أدركتُ أن الراحةَ ليست مكانًا،
ولا وطنًا من تراب،
بل عينانِ إذا نظرتُ فيهما
سكنَ البحرُ في صدري،
وهدأتْ عواصفُ الروح.
اليومَ فقط يا حبيبتي
عرفتُ أنني ما كنتُ أبحثُ عن امرأة،
بل عن نجمةٍ
تدلُّ قلبي إذا ضلَّ الطريق،
وعن حضنِ معنى
إذا ضاقتْ عليَّ الجهات.
فارتاحي بي
كما أرتاحُ في عينيكِ،
ودعينا نبدأُ عمرًا
لا يُقاسُ بالوقت،
بل بعددِ النبضاتِ التي تُزهرُ بيننا،
وبعددِ الأحلامِ التي تنامُ في كفّينا.
وما أجملَ اليوم...
عمري الجديد،
إذ وُلدتُ من نظرةٍ،
ومن وردةِ همسٍ،
ومن رعشةِ شوقٍ
تُسمّى: عينيكِ.
