التفكير الأسطوري وأصداء الفكر السحري في الإسلام
قراءة في جذور المعتقدات الإنسانية
منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء باحثًا عن معنى وجوده، بدأ ينسج حول العالم حكاياته الأولى. كانت تلك الحكايات مزيجًا من الدهشة والخوف والرغبة في الفهم؛ فحين عجز العقل البشري في بداياته عن تفسير الظواهر الطبيعية، لجأ إلى الأسطورة والسحر. هكذا وُلد ما يسميه الباحثون التفكير الأسطوري أو الفكر السحري، وهو نمط من التفكير يرى العالم شبكة من القوى الخفية والرموز والكيانات غير المرئية التي تتحكم في مصير الإنسان والطبيعة.
لم يكن هذا النمط من التفكير خاصًا بشعب دون آخر، بل هو مرحلة تكاد تكون مشتركة في التاريخ الحضاري للبشرية. فالإنسان الأول – قبل ظهور الفلسفة والعلوم المنظمة – كان يعيش في عالم مفعم بالرموز والأساطير؛ عالمٍ لا تنفصل فيه الطبيعة عن المقدّس، ولا الواقع عن الخيال. ومن هنا نشأت الملاحم والأساطير والطقوس التي شكّلت لاحقًا جزءًا من الذاكرة الثقافية للشعوب.
في هذا السياق يندرج كتاب «الفكر السحري في الإسلام» للباحث اليمني محمد علي عطبوش (منشورات دار الرافدين، 2019)، الذي يحاول أن يدرس أثر ذلك الإرث الأسطوري في بعض الممارسات والأفكار التي ظهرت في البيئة الإسلامية بعد ظهور الإسلام. والكتاب، بما يحمله من جرأة علمية ومنهج توثيقي واسع، يفتح بابًا مهمًا للتأمل في العلاقة المعقدة بين الدين، والأسطورة، والعلم، والمجتمع.
الأسطورة: علم الإنسان الأول
يرى كثير من الأنثروبولوجيين أن الأسطورة كانت العلم الأول للإنسان البدائي، وهي أيضًا فنه وفلسفته وشعيرته الدينية في آن واحد. فالأسطورة لم تكن مجرد قصة خيالية؛ بل كانت محاولة لفهم العالم وتفسير ظواهره الكبرى: الموت، والخصب، والفيضانات، والنجوم، ودورات الفصول.
وقد لاحظ علماء الأنثروبولوجيا – مثل عالم الاجتماع الفرنسي لوسيان ليفي-بريل – أن الإنسان البدائي لم يكن يفكر وفق منطق السببية العلمية، بل وفق ما سماه العقلية ما قبل المنطقية، حيث تختلط الأشياء ببعضها في شبكة من الرموز والعلاقات الغيبية. فالعاصفة قد تكون غضب الآلهة، والمرض قد يكون فعل روح شريرة، والخصب قد يرتبط بطقوس معينة أو قرابين رمزية.
أما عالم الأنثروبولوجيا البريطاني جيمس جورج فريزر فقد ذهب في كتابه الشهير الغصن الذهبي إلى أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل رئيسية:
1. مرحلة السحر.
2. مرحلة الدين.
3. مرحلة العلم.
وفي مرحلة السحر يعتقد الإنسان أن بوسعه التأثير في الطبيعة عبر طقوس معينة أو تعاويذ أو رموز، وكأن الكون يستجيب لقوانين خفية يمكن التحكم فيها.
من الأسطورة إلى الدين
عندما ظهرت الأديان التوحيدية الكبرى – اليهودية والمسيحية والإسلام – جاءت برسالة إصلاحية تهدف إلى تحرير الإنسان من عبادة القوى الطبيعية أو الآلهة المتعددة. فقد أكدت هذه الأديان فكرة الإله الواحد، ونادت بمبادئ أخلاقية جديدة تقوم على المسؤولية الفردية والعدالة.
لكن هذه الأديان لم تظهر في فراغ تاريخي؛ بل نشأت داخل مجتمعات كانت مشبعة بالمعتقدات الأسطورية والطقوس السحرية. لذلك كان من الطبيعي أن يحدث نوع من التفاعل بين الدين الجديد والموروث الثقافي القديم.
ففي كثير من الأحيان حاولت الأديان الجديدة القضاء على الممارسات السحرية أو الوثنية، لكنها في أحيان أخرى احتفظت ببعض الطقوس بعد إعادة تفسيرها ضمن إطار توحيدي جديد. وهذا ما حدث في تجارب دينية عديدة عبر التاريخ.
أثر الأساطير القديمة في القصص الدينية
من الأمثلة المعروفة في الدراسات المقارنة للأديان قصة الطوفان. فقد ظهرت هذه القصة في حضارات عديدة قبل ظهور الديانات الإبراهيمية، ومن أشهرها القصة الواردة في ملحمة جلجامش السومرية.
في تلك الملحمة يظهر بطل يدعى أوتو نبشتم الذي نجا من طوفان عظيم بفضل سفينة بناها بأمر من الآلهة. ويلاحظ الباحثون أن هذه القصة تشبه في خطوطها الكبرى قصة نوح الواردة في التوراة والقرآن.
ولا يعني هذا التشابه – كما يؤكد كثير من الباحثين – أن النصوص الدينية مجرد تكرار للأساطير القديمة، بل يدل على أن الذاكرة الإنسانية تحتفظ برموز مشتركة تعبر عن تجربة بشرية عميقة، مثل الخوف من الفناء أو الأمل في الخلاص.
كذلك نجد في الأساطير السومرية قصة الإله تموز الذي يموت ويعود إلى الحياة في دورة رمزية تعبر عن تعاقب الفصول والخصب والجفاف. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه الفكرة – فكرة موت الإله وعودته – ظهرت لاحقًا بصيغ مختلفة في بعض المعتقدات الدينية.
الطقوس الجاهلية وتحولها في الإسلام
في البيئة العربية قبل الإسلام كانت هناك طقوس دينية مرتبطة بالكعبة وبالقبائل العربية المختلفة. وقد وثّق المؤرخ العراقي الكبير جواد علي كثيرًا من هذه الممارسات في كتابه الضخم المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.
فقد كان العرب يطوفون حول الأصنام ويقدمون لها القرابين، وكان بعضهم يلطخ جدران الكعبة بدماء الذبائح، كما كانت بعض القبائل تصب اللبن على أصنامها طلبًا للبركة أو التطهير.
وعندما جاء الإسلام لم يُلغِ كل هذه الطقوس دفعة واحدة، بل أعاد صياغتها بما يتناسب مع عقيدة التوحيد. فالحج – مثلًا – كان موجودًا قبل الإسلام، لكنه ارتبط بطقوس وثنية. فجاء الإسلام فطهّر هذه الشعيرة من مظاهر الشرك، وأبقى عليها بوصفها شعيرة توحيدية جامعة.
هذا التحول يعكس حكمة اجتماعية عميقة؛ فإلغاء التقاليد دفعة واحدة قد يؤدي إلى صدمة ثقافية عنيفة، بينما إعادة تفسيرها تدريجيًا يسمح للمجتمع بالانتقال من منظومة فكرية إلى أخرى دون تمزق.
السحر في المخيال الشعبي الإسلامي
من أهم القضايا التي يناقشها كتاب محمد عطبوش استمرار بعض مظاهر الفكر السحري في الثقافة الإسلامية الشعبية. فمع أن الإسلام في نصوصه الأساسية يدعو إلى التوحيد ويؤكد مسؤولية الإنسان الأخلاقية، فإن المخيال الشعبي ظل يحتفظ ببعض التصورات القديمة حول الجن والشياطين والتعاويذ.
ومن الأمثلة التي يذكرها المؤلف أحاديث تُصوِّر الشيطان بصورة كائن محدود القدرة، مثل الحديث الذي يقول إن الشيطان لا يستطيع فتح باب مغلق أو حلّ رباط. ويرى الباحث أن هذه الصورة قد تكون امتدادًا لتصورات قديمة كانت تربط بين الشياطين والحيوانات أو الكائنات غير العاقلة.
كما ورد في بعض الروايات أن على ظهر كل بعير شيطانًا، وأن الإنسان إذا ركب الدابة فعليه أن يذكر اسم الله. ويذهب المؤلف إلى أن هذا التصور قد يكون متأثرًا بمعتقدات جاهلية كانت ترى أن الجن تركب الحيوانات.
وهنا ينبغي التمييز بين النص الديني ذاته وبين التأويلات الشعبية التي قد تضيف إلى النصوص عناصر من المخيال الثقافي السائد.
البعد النفسي للفكر السحري
من الناحية النفسية، يرتبط الفكر السحري بحاجتين أساسيتين لدى الإنسان:
1. الحاجة إلى الأمان
2. الحاجة إلى التفسير
فالإنسان بطبيعته يخاف المجهول، ولذلك يبحث عن وسائل تمنحه شعورًا بالسيطرة على مصيره. وعندما يعجز عن التحكم في الواقع عبر المعرفة العلمية، يلجأ إلى الرموز والطقوس.
ولهذا نجد أن الفكر السحري يزداد انتشارًا في المجتمعات التي تعاني من القلق أو عدم الاستقرار. فالأفراد قد يلجؤون إلى التمائم أو التعاويذ أو قراءة الطالع بحثًا عن الطمأنينة النفسية.
حتى في العصر الحديث، حيث بلغت العلوم مستويات مذهلة من التقدم، لا يزال كثير من الناس يؤمنون بالأبراج أو الحسد أو بعض الممارسات السحرية. وهذا يدل على أن الفكر السحري ليس مجرد بقايا من الماضي، بل هو نزعة إنسانية عميقة تظهر كلما ضعفت ثقة الإنسان في قدرته على فهم العالم.
من السحر إلى العلم
يشير كثير من الباحثين إلى أن بعض العلوم الحديثة نشأت في بداياتها داخل إطار سحري. فالكيمياء مثلًا تطورت من الخيمياء التي كانت تمزج بين التجربة العلمية والرموز الغامضة. وكذلك علم الفلك نشأ من التنجيم.
لكن مع تطور المنهج العلمي، بدأت هذه المجالات تنفصل تدريجيًا عن السحر وتعتمد على الملاحظة والتجربة والبرهان.
وقد درس المؤرخ الأمريكي لين ثورندايك هذه العلاقة في بحثه عن العلوم السحرية في الحضارة العربية في القرن التاسع الميلادي، حيث أشار إلى أن بعض العلماء المسلمين درسوا التنجيم والكيمياء في إطار معرفي كان لا يزال مختلطًا بالسحر، قبل أن تتبلور العلوم لاحقًا في صورتها الحديثة.
الحد الفاصل بين الدين والسحر
من أهم القضايا التي يثيرها كتاب «الفكر السحري في الإسلام» محاولة تحديد الحد الفاصل بين الدين والسحر.
فالدين – في جوهره – يقوم على الإيمان بالله والالتزام الأخلاقي والسعي إلى الخير. أما السحر فيقوم على الاعتقاد بإمكانية التحكم في القوى الغيبية عبر طقوس أو تعاويذ.
غير أن هذا الحد الفاصل قد يختلط في بعض الأحيان داخل الثقافة الشعبية، حيث تتحول بعض الممارسات الدينية إلى طقوس ذات طابع سحري إذا فقدت معناها الروحي وأصبحت مجرد وسائل لتحقيق منفعة دنيوية.
ومن هنا تأتي أهمية النقد الفكري الذي يحاول التمييز بين الإيمان الروحي والخرافة الثقافية.
بين الجرأة الفكرية والتحديات الاجتماعية
لا يمكن إغفال أن مثل هذه الدراسات قد تثير جدلًا واسعًا في المجتمعات المحافظة، لأنها تمس موضوعات حساسة تتعلق بالدين والتراث. وقد تعرض الباحث محمد علي عطبوش بالفعل لتهديدات بسبب أفكاره النقدية، خصوصًا بعد كتابه السابق عن نقد الإعجاز العلمي.
لكن التاريخ الفكري للبشرية يبين أن التقدم المعرفي غالبًا ما يبدأ بأسئلة جريئة. فالفلسفة اليونانية، وحركة التنوير الأوروبية، وحتى النهضة العلمية الحديثة، كلها نشأت من رغبة في إعادة النظر في المسلمات.
خاتمة: رحلة الإنسان بين الأسطورة والعقل
إن تأمل العلاقة بين الأسطورة والدين والعلم يكشف لنا أن الفكر الإنساني ليس خطًا مستقيمًا، بل هو رحلة طويلة مليئة بالتحولات. فالإنسان بدأ بأساطير تفسر العالم، ثم جاءت الأديان لتمنح تلك الأساطير بعدًا أخلاقيًا وروحيًا، ثم ظهر العلم ليقدم تفسيرًا عقلانيًا للظواهر الطبيعية.
لكن هذه المراحل لا تلغي بعضها تمامًا؛ فبقايا الأسطورة ما تزال حاضرة في الثقافة الشعبية، وبقايا الدين ما تزال تلهم الأخلاق والقيم، والعلم بدوره يواصل توسيع حدود المعرفة.
وربما تكمن الحكمة في أن ندرك أن الإنسان كائن معقّد يجمع بين العقل والخيال، بين الحاجة إلى البرهان والحاجة إلى المعنى. فحين نفهم جذور الفكر السحري في تاريخنا، لا يكون الهدف إدانة الماضي، بل فهمه… لأن فهم الماضي هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أكثر وعيًا وحرية.
المراجع
1. محمد علي عطبوش – الفكر السحري في الإسلام، دار الرافدين، 2019.
2. جيمس جورج فريزر – الغصن الذهبي.
3. برونيسلاف مالينوفسكي – السحر والعلم والدين.
4. لوسيان ليفي-بريل – العقلية البدائية.
5. جواد علي – المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.
6. لين ثورندايك – العلوم السحرية العربية في القرن التاسع.
