الاستعارة في القرآن الكريم
جمال التصوير وبلاغة الإيحاء في البيان الإلهي
تمهيد
تُعَدُّ الاستعارة من أرفع ألوان البيان العربي، وأدقِّها أثرًا في النفس، وأعمقها نفاذًا إلى الوجدان؛ إذ تنقل المعنى من دائرة التجريد الذهني إلى فضاء الصورة الحيّة المتحركة. وهي في القرآن الكريم ليست زينة لفظية، بل أداة كشفٍ وإحياءٍ وإشراق، بها يتجسّد المعنى، ويتحوّل المجرد محسوسًا، والغيب مشهدًا شاخصًا.
فالقرآن حين يصوّر، لا يكتفي بعرض الفكرة، بل يُلبسها ثوب الحياة، ويمنحها حركةً وظلالًا وإيقاعًا، حتى لكأنّ المعنى كائنٌ يُرى ويُسمع ويُحَسّ.
أولًا: مفهوم الاستعارة وأنواعها
تعريفها لغةً واصطلاحًا
الاستعارة لغةً مأخوذة من العارية؛ أي نقل الشيء من مالكه إلى غيره على سبيل الإعارة.
وأما اصطلاحًا فهي: استعمال اللفظ في غير ما وُضع له لعلاقة المشابهة، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الأصلي.
وقد عرّفها أبو الحسن الرماني بأنها: "تعليق العبارة على غير ما وُضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة".
ثانيًا: الاستعارة المفردة
تنقسم إلى نوعين رئيسين:
1. الاستعارة التصريحية
وهي التي يُصرَّح فيها بالمشبَّه به، ويُحذف المشبَّه.
أمثلة قرآنية وتحليل بلاغي
﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ سورة الفاتحة: 6
نوع البلاغة: استعارة تصريحية أصلية المشبَّه المحذوف: الدين أو الإسلام
المشبَّه به المصرَّح به: الصراط
شبَّه الله تعالى الدين بالصراط المستقيم؛ لأن الطريق المستقيم يوصل إلى الغاية بأمان، وكذلك الدين يوصل إلى رضوان الله.
وجه الجمال البلاغي: تحويل المعنى العقلي (الدين) إلى صورة حسية (طريق ممتد مستقيم)، مما يجعل السائر فيه كأنه يمشي بخطاه إلى النجاة.
وكأن المؤمن حين يقرأها يرى نفسه سالكًا طريقًا مضيئًا، تحفّه الطمأنينة، ويقوده النور.
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ البقرة: 16
نوع البلاغة: استعارة تصريحية مرشَّحة
• "اشتروا": استعارة للاختيار.
• "ربحت تجارتهم": ترشيح للاستعارة بذكر ما يلائم المشبَّه به (التجارة).
شبّه اختيار الضلالة بعملية شراء، بما فيها من فحصٍ وتروٍّ ومقابلةٍ بين الثمن والمثمن.
الدلالة البلاغية: فيها توبيخ خفيّ؛ إذ يدل اللفظ على أنهم لم يضلّوا عفوًا، بل باختيارٍ وقصدٍ وتدبير.
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الأنعام: 122
نوع البلاغة: استعارة تصريحية مزدوجة
• الكفر = موت
• الإيمان = حياة
الروعة البيانية: لم يقل: كان ضالًا فهديناه، بل صوّر الكفر موتًا حقيقيًا، والإيمان حياة نابضة.
فالإيمان في القرآن ليس فكرة تُعتنق، بل حياة تُستعاد.
﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ يس: 37
نوع البلاغة: استعارة تصريحية
شبّه زوال النهار بسلخ الجلد عن الشاة.
وجه البلاغة: حركة بصرية دقيقة توحي بانسحاب الضوء تدريجيًا كما يُسلخ الجلد شيئًا فشيئًا.
ثالثًا: الاستعارة المكنية
وهي التي يُذكر فيها المشبَّه، ويُحذف المشبَّه به، ويُرمز إليه بلازمٍ من لوازمه.
أمثلة قرآنية
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ مريم: 4
نوع البلاغة: استعارة مكنية
• المشبَّه: الشيب
• المشبَّه به المحذوف: النار
• اللازم المذكور: الاشتعال
صوّر انتشار الشيب بالنار المشتعلة.
صورة خاطفة تلمع فيها بياض الشعيرات كما تلمع ألسنة اللهب.
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ التكوير: 18
نوع البلاغة: استعارة مكنية
• المشبَّه: الصبح
• المشبَّه به: إنسان
• اللازم: التنفس
كأن الفجر كائن حيّ يخرج أنفاس النور.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ الإسراء: 24
نوع البلاغة: استعارة مكنية
• المشبَّه: الذلّ
• المشبَّه به: الطائر
• اللازم: الجناح
تصوير بديع للبرّ بالوالدين؛ فالولد يُخفض جناحه تواضعًا ورحمة.
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ الكهف: 77
نوع البلاغة: استعارة مكنية
شبّه الجدار بإنسانٍ يريد الانقضاض.
فيها إحياء للجماد، وإدخال الحركة والإرادة في مشهد ساكن.
رابعًا: الاستعارة المركبة
هي تركيب استُعمل في غير ما وُضع له لعلاقة المشابهة.
أنواعها
1. تمثيلية
2. مرشحة
3. مجردة
وقد بيّن أقسامها الخطيب القزويني في كتابه الإيضاح.
خامسًا: الاستعارة في الشعر العربي
القرآن الكريم بلغ الذروة في هذا الفن، غير أن الشعراء اقتبسوا من مشكاته.
قول المتنبي:
ولم أرَ قبلي من مشى البحرَ نحوهُ ولا رجلًا قامت تعانقهُ الأسدُ
• البحر = الجود (استعارة تصريحية)
• الأسد = الشجعان
وقول البحتري:
يَسْمو بكفٍّ على الحافين حانيةً تهمي وطرفٌ إلى العلياءِ طمّاحُ
شبّه الكف بالسحابة (استعارة مكنية(.
سادسًا: الجمال الفني في الاستعارة القرآنية
سر جمالها يعود إلى أمرين:
1. تحويل المعقول إلى محسوس
2. إطلاق الخيال في صورة نابضة بالحركة
انظر إلى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
شبّه القلوب بأوعية خُتم عليها، فلا يدخلها نور.
فالختم يوحي بالإحكام، والانغلاق النهائي، لا بمجرد الطبع العابر.
سابعًا: الاستعارة ورهافة التعبير
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ البقرة: 187
نوع البلاغة: استعارة تصريحية
شبّه كلًّا من الزوجين باللباس للآخر.
الدلالة:
• القرب التام
• الستر
• الحماية
• الزينة
ما أرقّ التعبير!
لم يقل: هنّ قريبات منكم، بل جعلهن لباسًا، يلامس الجسد، ويستره، ويجمّله.
خاتمة
الاستعارة في القرآن ليست مجرّد لونٍ بياني، بل هي روح التصوير القرآني.
إنها تنقل المعنى من برودة التجريد إلى حرارة الحياة، ومن سكون الفكر إلى حركة الصورة.
وإذا كان البلغاء يتفاخرون بابتكار الصورة، فإن القرآن يبدع الصورة ويُحييها، ثم يحمّلها من الهداية ما يتجاوز حدود الفن إلى آفاق الإيمان.
فالاستعارة فيه ليست زخرفًا، بل نورًا يكشف، ويدًا تمسك بالقلب، فتقوده إلى الحق في أبهى صورة وأصدق بيان.
المراجع
1. القرآن الكريم
2. أبو الحسن الرماني، النكت في إعجاز القرآن.
3. الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة.
4. عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة.
5. ديوان المتنبي.
6. ديوان البحتري.
