التدخين والأنوثة حين يتكشّف الدخان عن مرايا الروح

التدخين والأنوثة حين يتكشّف الدخان عن مرايا الروح
في تلك الأمسية التي كانت فيها السماء تميل إلى زرقة حائرة، كأنها لم تحسم أمرها بعد بين الغروب والليل، كنا نجلس على مقهى في ساحة الصفا بالكويت. المكان فسيح، لكنه بدا خاليًا على نحو غريب، كأن المدينة بأسرها قررت أن تمنحنا لحظة عزلة غير معلنة. الطاولات متناثرة في صمت، والمقاعد المعدنية تعكس ضوء المصابيح الخافتة، بينما كان الهواء محمّلًا برائحة القهوة المحمصة ووشوشات بعيدة لا تكاد تُسمع. كنا ثلاثة، نتبادل حديثًا عابرًا عن أشياء يومية، لا عمق فيها ولا ضفاف، حين اقتربت نادلة فلبينية بخطوات هادئة، تحمل في يدها شيشة يتلألأ حجرها تحت غطاء من القصدير، كأنه قمر صغير ملفوف بورق فضي. للحظة، حسبتُ أن أحد رفاقي قد طلبها دون أن يخبرني، فرفعت حاجبي مستفسرًا، لكن النظرات المتبادلة بيننا كانت بريئة من أي اتفاق مسبق. مرت النادلة أمامنا دون أن تلتفت، وكأننا شفافون، وتجاوزتنا نحو طاولة أخرى في الطرف البعيد من الساحة، حيث جلست ثلاث نساء ، أغلب الظن أنهن لبنانيات. وضعت الشيشة أمامهن بعناية، ورتبت فوق القصدير بعض الفحمات الحمراء المتقدة، التي كانت تتوهج بلهب برتقالي ناعم، يشبه نبض قلب متوتر. من لهجتهن وهيئة حديثهن، أدركت سريعًا أنهن لبنانيات. لم نعطِ الأمر أهمية كبيرة، فكل إنسان حرّ في اختياراته، والحرية، في النهاية، فكرة واسعة كالبحر، لا يمكن تقييد أمواجها. لكن المشهد لم يبرح ذهني. ظلّ معلقًا في زاوية من الوعي، يتقافز بين الأسئلة والدهشة، دون أن يجد تفسيرًا شافيًا. نفس هذا المنظر رأيته في القاهرة في مقهى الفشاوي ، و في أماكن أخري ، بل رأيته في بيروت ، و المغرب ، و في باريس ، و في الفلبين . بعد أسبوع، كنا نجلس في مطعم «جاد» في الفروانية، في زقاق جانبي ضيق، تختلط فيه روائح الطعام بعبق الشاي والنعناع. كان الوقت ظهيرة يوم خميس، والشمس ترسل أشعتها الحادة على الإسفلت، كأنها تفتّش في تفاصيله عن أسرار خفية. وفجأة، تكرر المشهد ذاته: نادل مصري يحمل شيشة، يضعها أمام طاولة تجلس حولها ثلاث فتيات. هذه المرة، كانت الفتيات كويتيات. يلبسن العباء السوداء ، و إن كان الشعر مرسل يتطاير مع نسمات الهواء التي تبعثها المروحة المائية . تبادلنا نظرات صامتة، تحمل مزيجًا من الاستغراب والحيرة. لم يكن المشهد مألوفًا لنا، وربما لم يكن مألوفًا في سياقه الاجتماعي، على الأقل كما نشأنا عليه. سألنا النادل، فأخبرنا بأنهن زبونات دائمات، يأتين كل خميس في الظهيرة، يتناولن طعامهن، ثم يشربن الشاي ويدخن الشيشة بهدوء تام. ساد صمت قصير، ثقيل كأنه يحمل أسئلة لم تجد طريقها إلى النطق. الحرية، نعم. والمساواة، نعم. لكن هل الحرية تعني بالضرورة أن نقلد بعضنا في كل شيء؟ وهل المساواة هي أن نمحو الفروق الدقيقة التي تمنح كل جنس خصوصيته الجمالية والروحية؟ تلك الأسئلة لم تكن هجومية ولا حاكمة، بل كانت أشبه بنداءات خافتة من عمق الوعي، تبحث عن فهم أعمق لا عن إدانة. عدت إلى منزلي مساءً، وما زال المشهد يتردد في داخلي. وبينما كنت أدخل المبنى، صادفت دكتورًا أعرفه ويعرفني. تبادلنا التحية، ودخلنا المصعد معًا. كان الصمت بيننا مريحًا في بدايته، ثم سألني فجأة، كمن يفتح بابًا غير متوقع: هل تدخن؟ نظرت إليه قليلًا، ثم أجبته بصراحة: نعم. تأملني طويلًا ، بعينين فيهما شيء من القلق الأبوي، ثم قال: سأكتب لك أسماء بعض الكتب. اقرأها، وستفهم التدخين كما لم تفهمه من قبل. لم يزد. لم يعظ. لم يهدد. فقط ترك الكلمات تتسلل إلى عقلي، كقطرات ماء تنحت صخرًا صلبًا. في اليوم التالي، وجدت الحارس الهندي يقف عند باب المبنى، وعلى وجهه تلك الابتسامة الهادئة التي تشبه سلامًا داخليًا. ناولني ورقة صغيرة، وقال إن الدكتور طلب منه أن يوصلها إليّ. فتحت الورقة، فوجدت أسماء كتابين. بحثت عنهما في مكتبة المدرسة، فلم أجدهما، فقررت الذهاب إلى المكتبة العامة، تلك التي كانت بجوار التكية المصرية، قرب السوق الجديد المقابل للسوق القديم. كانت المكتبة عالمًا آخر، صامتًا ومهيبًا، تفوح منه رائحة الورق القديم والحبر المعتّق، كأنه معبد للمعرفة. وجدت أحد الكتابين، فأخذت أتصفحه بشغف باحث عن إجابة. قرأت الفهرس، ووقفت طويلًا عند باب «أضرار التدخين». صورت الصفحات كلها، فالنسخ هناك رخيص، وحملت الأوراق معي إلى البيت. في تلك الليلة، جلست وحدي. كان الصمت يلف الغرفة، إلا من صوت تقليب الصفحات. بدأت القراءة، وكأنني أغوص في أعماق نفسي قبل أن أغوص في أعماق العلم. حكى الكتاب تاريخ التدخين منذ بداياته الأولى، كيف انتقل من طقوس بدائية إلى عادة يومية، ثم استعرض الأدوات وأنواع التبغ. لكن الجزء الأهم كان ذاك الذي كشف الأضرار. قرأت عن الأسنان التي كانت يومًا بيضاء كاللؤلؤ، ثم صارت صفراء تميل إلى البني الداكن، وعن اللثة التي يضعفها التدخين حتى تصبح أرضًا خصبة للالتهابات. قرأت عن الحلق الذي يخدشه الدخان، وعن الشفاه التي تفقد نعومتها وتكتسب تجاعيد مبكرة، وعن العين التي يثقلها الضغط حتى يهددها العمى. ثم وصلت إلى الرئتين، حيث يتحول الدخان إلى مواد مسرطنة، تهاجم الخلايا من الداخل، وتحوّل الهواء إلى سمّ بطيء. قرأت عن القلب الذي يتعب، والضغط الذي يرتفع، والدم الذي يضيق مجراه. لكن أكثر ما هزّني كان الحديث عن الأنوثة. عن الخصوبة التي تتراجع، وسنّ اليأس الذي يزحف مبكرًا، وصوت المرأة الذي يفقد نعومته ليكتسب خشونة غريبة، وعن البشرة التي تفقد نضارتها، كزهرة حُرمت من الماء. هنا، توقفت طويلًا. أغمضت عينيّ، ورأيت في ذهني تلك الفتيات الثلاث في ساحة الصفا، ثم في زقاق الفروانية. لم أعد أراهن كمجرد نساء يدخن الشيشة، بل كأرواح تبحث عن شيء ما. ربما عن كسر قيود، أو إثبات وجود، أو هروب من قلق داخلي لا اسم له. سألت نفسي: ما الذي يدفع امرأة إلى أن تمسك بخرطوم الشيشة، وتنفث الدخان في الهواء؟ هل هو تقليد؟ أم تحدٍ؟ أم محاولة لقول: «أنا هنا»؟ دار حوار داخلي عميق في رأسي: أليس في الأنوثة ما يكفي من القوة؟ بلى، لكن ربما لم يعد يُرى. — وهل القوة في التشبه بالرجل؟ ربما في نظر من لم يُمنح فرصة اكتشاف قوته الخاصة. حينها أدركت أن القضية ليست تدخينًا فحسب، بل صراعًا نفسيًا واجتماعيًا، تعيشه المرأة المعاصرة بين صورتها التقليدية وصورتها الحديثة، بين ما يُنتظر منها وما تريد أن تكونه. تذكرت أمي، وجدتي، والنساء اللواتي شكلن عالم طفولتي. كنّ يحملن في صمتهن حكمة، وفي ضعفهن الظاهر قوة خفية. لم يحتجن يومًا إلى دخان ليُثبتن وجودهن، ولا إلى سلوك صاخب ليعلنّ استقلالهن. لكن الزمن تغيّر. والضغوط تضاعفت. وصارت المرأة محاصرة بصور متناقضة: كوني حرة، لكن لا تخرجي عن الخط. كوني قوية، لكن لا تتحدي. كوني جميلة، لكن لا تبالغي. وفي هذا التمزق، قد تلجأ إلى التدخين كإعلان صامت عن التمرد. في اليوم التالي، التقيت ذلك الدكتور مرة أخرى. سألني مبتسمًا: قرأت؟ أومأت برأسي. وماذا وجدت؟ قلت بعد صمت: وجدت نفسي. ضحك بهدوء، ثم قال: هذه هي البداية الحقيقية للإقلاع. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة مختلفة. لم أترك التدخين دفعة واحدة، لكن شيئًا ما انكسر داخلي. كل سيجارة كنت أشعلها، كنت أراها وهي تخدش رئتي، وتسرق من وجهي نضارته، وتقتطع من عمري دقائق ثمينة. ومع الأيام، خفّ العدد، ثم انقطع. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان ضروريًا. أما مشهد النساء المدخنات، فلم يعد يثير فيّ الاستغراب بقدر ما يثير الشفقة العميقة. شفقة لا تحمل حكمًا، بل تحمل رغبة صادقة في الفهم والمساندة. صرت أرى في كل امرأة تمسك بالشيشة قصة خفية، ربما ألمًا، أو فراغًا، أو بحثًا عن هوية. وصرت أؤمن أن الطريق إلى الأنوثة الحقة لا يمر عبر الدخان، بل عبر المصالحة مع الذات، ومع الجسد، ومع الروح. فالأنوثة ليست ضعفًا، وليست تقليدًا، وليست دخانًا يتلاشى في الهواء. الأنوثة حضور. دفء. وعي. قدرة على الاحتواء. وجرأة على أن تكون المرأة نفسها، دون أقنعة. وهكذا، لم تكن تلك الأمسية في ساحة الصفا مجرد لحظة عابرة، بل كانت شرارة أسئلة قادتني إلى رحلة طويلة في دهاليز النفس والمجتمع. رحلة جعلتني أرى التدخين لا كعادة سيئة فحسب، بل كمرآة تعكس أزمات أعمق، وأحلامًا مؤجلة، واحتياجات إنسانية تبحث عن صوت. ومنذ ذلك الحين، كلما رأيت دخانًا يتصاعد، تذكرت أن وراءه قلبًا ينبض، وروحًا تبحث، وإنسانًا يستحق أن يُفهم قبل أن يُدان.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال