بين الهدوء والخجل يوسف السباعي والطفولة الباقية في روح الإبداع

بين الهدوء والخجل يوسف السباعي والطفولة الباقية في روح الإبداع
مدخل فلسفي – الطفل الأبدي في روح الفنان ليس الفن إلا امتدادًا للطفولة، وليس المبدع إلا طفلًا لم تكسره الأيام، بل صقلته. فالطفل يرى العالم بدهشة، والفنان يعيد خلق العالم بدهشة واعية. ولهذا قيل قديمًا: الفنان طفل نجا من الموت الداخلي. وعندما نتأمل تجربة يوسف السباعي، لا نرى كاتبًا فقط، بل نرى طفلًا أبديًا يسكن جسد رجل، ووعي مفكر، وقلم أديب. يقول أحد أبطال قصصه: "وأنا على مر السنين، وعلى ما يفرضه عليّ السن من تؤدة واحتشام، لا أستطيع أن أنتزع نفسي من طفولتي وصباي." وهذا القول لا ينطبق على الشخصية بقدر ما ينطبق على مبدعها نفسه. فـ يوسف السباعي لم يكتب الطفولة، بل كتب من داخلها. أولًا: الطفولة كهوية وجودية لا كمرحلة زمنية الطفولة بوصفها بنية نفسية ليست الطفولة عند السباعي ذكرى، بل بنية نفسية دائمة. إنها ليست زمنًا انقضى، بل حالة وجودية مستمرة: • براءة داخلية • عفوية وجدانية • حساسية أخلاقية • توق دائم للصدق • رفض داخلي للزيف الاجتماعي وهذا ما يفسر أنه لم يكتب أدب الأطفال، لكنه كتب بعقلية الطفل. البراءة كقيمة فلسفية البراءة عنده ليست سذاجة، بل نقاء معرفي، وهي مفهوم قريب مما تحدث عنه جان جاك روسو في فلسفة "الإنسان الطبيعي"، حيث يكون الإنسان نقيًا قبل أن تُفسده البُنى الاجتماعية. ثانيًا: الهدوء والخجل بوصفهما بنية شخصية لا ضعفًا نفسيًا الهدوء الهدوء عند يوسف السباعي ليس خمولًا، بل: • سكينة داخلية • ميل للتأمل • نفور من الصخب • حب للعزلة الإيجابية • انجذاب للطبيعة والسلام إنه هدوء الفلاسفة لا خمول الكسالى. الخجل الخجل ليس خوفًا اجتماعيًا فقط، بل: • وعي زائد بالذات • حساسية مفرطة تجاه نظرة الآخر • خوف من الأضواء • رفض داخلي للتمركز حول الذات وهو خجل وجودي لا اجتماعي فقط. الخجل عند السباعي ليس مرضًا، بل رهافة. ثالثًا: البعد النفسي – صراع الداخل والخارج شخصية يوسف السباعي تمثل نموذج الازدواج النفسي: • باطن طفل • ظاهر رجل • روح شاعر • وظيفة عسكرية • قلب فنان • عقل واقعي وهذا يولد صراعًا دائمًا بين: • الرغبة في الاختفاء • والخوف من الظهور • الحاجة إلى التقدير • والخجل من الاعتراف به وهنا يظهر التناقض الإنساني العميق: يريد المديح، لكنه يخجل منه ، يطلب الاعتراف، لكنه يهرب منه ، يحب الناس ، لكنه يخافهم رابعًا: البعد الاجتماعي – نقد الزيف الجمعي نقد "أسطورة الماضي الوردي" يوسف السباعي يفكك الأسطورة الاجتماعية التي يصنعها الكبار عن ماضيهم: • البطولة الوهمية • الذكاء المصنوع • الأمجاد المختلقة • المثاليات الكاذبة وهو بذلك يقترب من علم الاجتماع النقدي الذي يرى أن المجتمع يصنع سرديات كاذبة لتجميل الذاكرة الجمعية. المجتمع بوصفه منتجًا للوهم في قصصه، المجتمع لا يكذب فقط، بل يحب الكذب، ويعاقب من يقول الحقيقة. خامسًا: الهدوء والخجل في البناء السردي في الشخصيات تتكرر نماذج: • الإنسان الهادئ • الشخصية المنعزلة • الفرد الخجول • الروح المسالمة • النفس المترددة في أعمال مثل: • رد قلبي • إني راحلة • أرض النفاق • اثنا عشر رجلًا حيث يتحول الهدوء إلى هوية سردية. سادسًا: الفلسفة الأخلاقية للسلام رفض العنف يوسف السباعي يطرح رؤية فلسفية واضحة: • العنف = فشل العقل • القوة = بديل الحوار • العدوان = انهيار القيم وهي رؤية قريبة من: • فلسفة غاندي اللاعنفية • فلسفة السلام الإنساني • الأخلاق الكونية الحديثة الطبيعة بوصفها نموذج السلام الطبيعة عنده ليست منظرًا، بل مرجعية أخلاقية: الزهور سلام ، الشمس سلام ، الخضرة سلام ، الضوء سلام فالإنسان الحقيقي هو ابن الطبيعة، لا ابن الحرب. سابعًا: التحليل الفلسفي العميق للشخصية يمكن قراءة شخصية يوسف السباعي من خلال ثلاث مدارس فكرية: 1. الوجودية (القلق – الصراع – الوعي بالذات – الاغتراب) 2. التحليل النفسي (الخجل – الأنا – صورة الذات – الخوف الاجتماعي) 3. الإنسانيّة (Humanism) (الخير – السلام – الحب – الجمال – الكرامة الإنسانية) ثامنًا: يوسف السباعي كرمز ثقافي ليس مجرد أديب، بل: • نموذج للمثقف المسالم • صورة للكاتب الإنساني • تجسيد للأديب الأخلاقي • مثال للفنان الهادئ • رمز للطفولة الروحية الدائمة خاتمة فلسفية أدبية يوسف السباعي ليس كاتب روايات فقط، بل هو حالة إنسانية، وتجربة روحية، وسيرة نفسية مكتوبة بالحبر. هو رجل عاش: • طفلًا في داخله • شاعرًا في روحه • فيلسوفًا في صمته • فنانًا في وجدانه بين الهدوء والخجل، تكوّنت روحه، وتشكل قلمه، وولد أدبه، ونمت إنسانيته. هو لم يكتب عن السلام، بل كان سلامًا يمشي على الورق. مراجع عربية: 1. يوسف السباعي – أرض النفاق 2. يوسف السباعي – بين أبو الريش وجنينة ناميش 3. يوسف السباعي – اثنا عشر رجلًا 4. يوسف السباعي – رد قلبي 5. يوسف السباعي – إني راحلة 6. رجاء النقاش – رجال في الأدب 7. شوقي ضيف – الفن ومذاهبه في النثر العربي 8. إحسان عباس – فن السيرة مراجع أجنبية: 1. Jean-Jacques Rousseau – Émile, or On Education 2. Erich Fromm – The Art of Loving 3. Carl Rogers – On Becoming a Person 4. Abraham Maslow – Motivation and Personality 5. Hermann Hesse – Demian 6. Viktor Frankl – Man’s Search for Meaning

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال