يوم القيامة: هل أصبح قريبًا؟
قراءة دينية فلسفية إنسانية في عصر القنبلة النيتروجينية
مقدمة
منذ أن خطا الإنسان أولى خطواته في دروب المعرفة، وهو يتأرجح بين نعمتها ونقمتها، بين نور العقل وظلمة الطغيان. ومع تطوّر العلم الحديث، ولا سيما بعد اختراع الأسلحة النووية والنيتروجينية، عاد سؤالٌ قديمٌ بثوبٍ جديد: هل اقتربت نهاية العالم؟ وهل يمكن أن تكون هذه القنابل المدمّرة نذيرًا من نذر يوم القيامة؟
إن هذا السؤال لا ينتمي إلى حقلٍ واحد، بل يتقاطع فيه الدين والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وتتداخل فيه المخاوف الوجودية مع النصوص السماوية، ومع ضمير الإنسانية القَلِق. من هنا تأتي هذه الدراسة محاولةً لقراءة هذه الإشكالية قراءةً متأنية، مستنيرةً بآراء كبار علماء الدين، ومستنطقةً للنصوص المقدسة، ومحلِّلةً لواقع الإنسان المعاصر.
الفصل الأول: يوم القيامة في الميزان العقائدي
المحور الأول: علم الساعة بين الغيب والإيمان
يقرر القرآن الكريم مبدأً عقديًا قاطعًا، يتمثل في حصر علم الساعة بالله وحده:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ )لقمان: 34(
ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى حين سُئل عن الساعة فقال:
" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " ( رواه البخاري ومسلم)
فالأصل في العقيدة الإسلامية أن الساعة غيبٌ مطلق ، لا يُدرَك بالعقل ولا يُستنبَط من الوقائع ، مهما بلغت خطورتها أو هولها.
المحور الثاني: القنبلة النيتروجينية ونهاية العالم
( رؤية الشيخ محمود شلتوت )
يرى الإمام الشيخ محمود شلتوت أن الربط الجازم بين القنبلة النيتروجينية ونهاية العالم ضربٌ من الرجم بالغيب ، إذ لم يحدّد الله موعدًا للساعة، ولم يكل علمها إلى البشر.
ويؤكد الشيخ أن العلم في ذاته نعمة، لكنه قد يتحول إلى نقمة إذا طغى الإنسان به، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾
(العلق: 6–7)
فالخطر الحقيقي ليس في العلم، بل في سوء توظيفه، حين يتحول من وسيلةٍ لعمارة الأرض إلى أداةٍ لخرابها.
الفصل الثاني: البعد الأخلاقي والاجتماعي للسلاح المدمر
المحور الأول: حرمة الإهلاك في الإسلام
( رؤية الشيخ حسنين مخلوف )
يؤكد الشيخ حسنـين مخلوف أن استعمال القنابل المدمرة يناقض القيم الإنسانية والدينية، لما فيه من قتلٍ للأبرياء وتهتكٍ للحرث والنسل، وهو ما ينهى عنه القرآن صراحة:
﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾(البقرة: 205)
كما أن السنة النبوية قررت أخلاقيات الحرب، فنهت عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، وعن تدمير الزروع، مما يجعل الحروب الحديثة – بأسلحتها الشاملة – عدوانًا أخلاقيًا شاملًا.
المحور الثاني: التناقض الحضاري وحماة المدنية
إن من المفارقات الكبرى أن يرفع بعضهم شعار حماية الحضارة، بينما يسهمون في تهديد وجودها. وهذا التناقض يعكس أزمةً نفسيةً وفكريةً عميقة في العقل المادي المعاصر، الذي فقد البوصلة القيمية.
وقد عبّر الشاعر العربي عن هذا المعنى بقوله:
والعلمُ إن لم يكتنفه شـرفٌ كان الهلاكُ مصيره الأبدُ
الفصل الثالث: الفلسفة المادية ونزعة التدمير
المحور الأول: نقد الفلسفة المادية
( رؤية الشيخ محمد عبد اللطيف دراز )
يرى الشيخ محمد عبد اللطيف دراز أن الحضارة الحديثة، حين قامت على أسسٍ ماديةٍ محضة، اتجهت إلى سباقٍ محمومٍ نحو اختراع أدوات الإهلاك، حتى بات الإنسان مهددًا بصنع فنائه بيديه.
وهنا تتجلى الحكمة القرآنية في قوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ( البقرة: 195)
فالفلسفة التي تفصل العلم عن القيم، والتقدم عن الإيمان، هي فلسفة تحمل في داخلها بذور انهيارها.
الفصل الرابع: نهاية العالم بين القدرة الإلهية والفعل الإنساني
المحور الأول: موقف الشيخ حسن مأمون
يؤكد الشيخ حسن مأمون أن نهاية العالم ليست من صنع الإنسان، مهما بلغت قدرته التدميرية، وإنما هي أمرٌ إلهي خالص. غير أن الإنسان قد يصنع نهايةً ماديةً لحضارته، حين يدمّر نفسه بنفسه.
وهذا المعنى يلتقي مع التحذير القرآني:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41)
الفصل الخامس: الرؤية المسيحية ونقد التنجيم
المحور الأول: “كذب المنجمون ولو صدقوا” – رؤية القس إبراهيم سعيد
يرفض القس إبراهيم سعيد الجزم بقرب نهاية العالم، معتبرًا ذلك اقتحامًا لعالم الغيب. لكنه يشير إلى أن النصوص الإنجيلية تصف نهاية النظام الكوني بانفجارات ونيران مروعة، وهي أوصاف تثير القلق حين تُقارَن بما وصل إليه علم الذرة.
غير أن المسيحية – كالإسلام – تؤكد أن الخلاص ليس في الدمار، بل في العودة إلى القيم الروحية، وانتظار عالمٍ يسوده البر والسلام.
تحليل أدبي وفكري عام
يتضح من مجمل الآراء أن الخوف من القنبلة النيتروجينية ليس خوفًا تقنيًا فحسب، بل هو خوف وجودي يعكس قلق الإنسان المعاصر من نفسه قبل غيره. فالعلم هنا يتحول إلى مرآةٍ تكشف هشاشة القيم، وغياب الضمير، وانفصام التقدم عن الأخلاق.
الخاتمة
إن يوم القيامة، في الرؤية الدينية، حقيقةٌ لا شك فيها، لكن موعدها غيبٌ لا يعلمه إلا الله. أما القنابل المدمرة، فهي ليست نهاية العالم بقدر ما هي اختبارٌ أخلاقيٌ للإنسان:
هل يسخّر علمه للبناء أم للهدم ؟ للخير أم للشر؟
وما أحوج البشرية اليوم إلى أن تعيد وصل العلم بالإيمان، والتقدم بالقيم، حتى لا يتحول المستقبل إلى ركام، والحضارة إلى ذكرى.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76)
المراجع
1. القرآن الكريم
2. صحيح البخاري
3. صحيح مسلم
4. محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة
5. محمد عبد اللطيف دراز، الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان
6. حسن مأمون، فتاوى شرعية معاصرة
7. العهد الجديد – رسالة بطرس الثانية
8. مختارات من الشعر العربي الكلاسيكي
