الحب في أبو قرقاص
قراءة نفسية-اجتماعية في خوف المجتمع من الحياة
تمهيد
ليس الخلاف في مجتمعنا حول الحب بقدر ما هو خلاف حول الخوف: الخوف من الجسد، من اللقاء، من المعرفة، ومن أن تصبح المرأة إنسانًا كاملًا لا ظلًا خلف شباك. ومن هنا، لا يبدو حديث الاختلاط، أو الصداقة، أو الحب، حديثًا أخلاقيًا بقدر ما هو سؤال فلسفي عن طبيعة المجتمع:
هل نريد مجتمعًا حيًا يتنفس، أم نظامًا مغلقًا يتآكل من الداخل؟
أولًا: المجتمع الأعرج – حين يُقصى نصف الإنسان
المجتمع الطبيعي، في أبسط صوره، هو رجل وامرأة يلتقيان في العمل، وفي الشارع، وفي الحديقة، وفي الثقافة، كما يلتقيان في البيت. أما المجتمع الذي يفصل بين الجنسين فليس مجتمعًا سويًا، بل صورة مشوهة لا نراها كاملة إلا في أماكن الاستثناء: السجون، المعسكرات، والمستشفيات.
الفتاة المصرية – في هذا السياق – تقف دائمًا على العتبة:
عتبة البيت، وعتبة المعرفة، وعتبة الحياة نفسها. لا تدخل التجربة، بل تُحذَّر منها.
لا تُعلَّم، بل تُراقَب. ولا تُمنَح الثقة، بل تُغلَّف بالخوف.
الأم تحرق بالنصح المسموم، الأب يقذف البيت بلعناته، الأخ يصنع القيود باسم الرجولة.
والنتيجة؟ فتاة تُربَّى على الرهبة، ثم نطالبها فجأة أن تكون زوجة ناضجة، عاشقة متزنة، وأمًّا حكيمة.
ثانيًا: الزواج بوصفه الخلاص الوهمي
حين تُمنَع الفتاة من الحياة، تتحول صورة الزواج في خيالها إلى أسطورة خلاص.
تتخيل الزوج فارسًا سيكسر السلاسل، لا إنسانًا له ضعفه ونقائصه.
تحلم بحياة بلا دموع، بلا صراع، بلا خيبة.
لكن كيف تدخل الحياة من باب الزواج وحده، وهي لم تمرّ من شبابيك المعرفة؟
كيف تحسن الاختيار، وهي لم تتعلم المقارنة؟
وكيف تفهم الرجل، وهي لم تُتح لها فرصة الحديث معه بوصفه إنسانًا لا خطرًا؟
لذلك، لا عجب أن تبدأ المأساة من ليلة الدخلة، وتمتد إلى قاعات المحاكم.
زواج بلا معرفة، كالسفر بلا خريطة: قد يصل، لكنه غالبًا يضل الطريق.
ثالثًا: أوروبا… الحقيقة بلا أوهام
يُلوَّح دائمًا بـ“فساد أوروبا” كفزاعة.
لكن أوروبا ليست جنة، ولا يدّعي أحد ذلك. فيها الفقير والغني، الشريف والفاسد، كما في أي مكان.
غير أن الفارق الجوهري هو غياب الحرمان المصطنع.
في المجتمعات التي تسمح بالاختلاط الطبيعي، لا يتحول الجسد إلى هاجس، ولا تصبح المرأة لغزًا، ولا الرجل ذئبًا.
الرجل الذي يستطيع أن يعبّر عن عاطفته علنًا، لا يحتاج أن يقرص في الظلام.
ومن يستطيع أن يحب، لا يحتاج أن يتحرش.
أما في مجتمعات الكبت، فالطاقة المكبوتة تبحث عن مخارج منحرفة:
تحرش، عنف، نفاق أخلاقي، وازدواجية فاضحة.
رابعًا: الغريزة… بين الإنكار والانفجار
الغرائز لا تُلغى بالمنع، بل تُفجَّر بالكبت. كما يحتبس الغاز في باطن الأرض حتى يخرج بركانًا، يحتبس القمع في النفوس حتى ينفجر في أشكال مرضية:
ضعف، خوف، عدوانية، أو انسحاب من الحياة.
المجتمع الناضج لا يحارب الغريزة، بل يهذبها. لا ينكر الجسد، بل يعلّمه. ولا يخاف الحب، بل يمنحه لغة إنسانية نظيفة.
خامسًا: بين “الدم الحار” وصناعة البلاليص
نسمع كثيرًا عن “الدم العربي الحار” في مقابل “الدم الأوروبي البارد”.
لكن أي دم هذا الذي لا ينتج إلا الغضب والمنع والكسر؟
إذا كان “الدم البارد” قد أنجب موسيقى خالدة، وفنًا عظيمًا، وشعرًا عاشقًا، فهل “الدم الحار” لا يُجيد إلا صناعة البلاليص والقلل؟
القضية ليست حرارة الدم، بل نضج العقل.
سادسًا: الحدائق بدل الأقسام
لدينا أقسام شرطة ومحاكم لا تُحصى،
ولا نملك مساحات إنسانية للقاء البسيط: صداقة، حب، حوار.
نحتاج حدائق أكثر، لا لممارسة الرذيلة كما يُخيفنا البعض، بل لممارسة الإنسانية.
فالإنسان الذي يجد مكانًا يقول فيه “أحبك” بهدوء، لن يصرخ بها في شكل جريمة.
خاتمة: الصراخ من أجل الضوء
هذا الكلام يبدو بديهيًا في لغات أخرى، لكنه في مصر يُعد بدعة أو كفرًا أو تخريبًا.
ومع ذلك، لا يكفي أن نشعل عود ثقاب في ظلام الأوهام؛ نحن بحاجة إلى حريق من الوعي، حتى لو اتُّهم صاحبه بالهدم.
فالتاريخ لا يتوقف عند خوف المتزمتين، بل يمضي ليزيد نصيب الإنسان من الحرية، ويكسر قيود الآباء والأمهات والإخوة حين تتحول إلى سجون.
ملحق دالّ: السجن والطلاق
سُئل لصّ اعترف بسرقة محفظة:
لماذا تطلب الطلاق مع الحكم؟
قال:
لأنني حين فتحت المحفظة لم أجد فيها إلا ثلاث صور لزوجتي.
وهكذا، حين تتحول العلاقة إلى فراغ ،تصبح السرقة أصدق من الزواج.
إنني أقف إلى جوار الفتاة المصرية، وهي تقول:
“احفظني من آبائي… أما إخوتي فأنا كفيلة بهم.”
فهل نملك الشجاعة لنسمع؟
