الوجود الروحي والسياسي الروسي
في الأرض المقدسة والشرق الأوسط
في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين
بين الجغرافيا المقدّسة وجدلية الروح والسلطة
تمهيد: حين تسافر الروح قبل الجيوش
ليس الوجود الروسي في الأرض المقدسة مجرد صفحة من صفحات التاريخ الدبلوماسي أو الكنسي، بل هو رحلة وعي، تداخلت فيها الروح بالسياسة، والإيمان بالاستراتيجية، والحج بالهيمنة الرمزية. فروسيا، منذ أن وعَت ذاتها كـ«روما الثالثة»، لم تنظر إلى القدس بوصفها مكانًا بعيدًا، بل كـمرآةٍ روحية تعكس معنى رسالتها التاريخية، ومسرحًا تتجسّد فيه رؤيتها للذات والعالم.
في هذا السياق، لا يصبح الحج فعل انتقال جغرافي فحسب، بل طقس عبورٍ وجودي، ولا تغدو الكنيسة مؤسسة دينية فقط، بل جهاز ذاكرة يحمل سردية الأمة ومعناها. وكما قال المتصوفة: «الأماكن لا تُزار، بل تُستعاد في القلب».
الفصل الأول: روسيا والشرق الأرثوذكسي – وحدة الإيمان أم سياسة المقدّس؟
1. الكنيسة كوطنٍ عابر للحدود
شكّلت الوحدة الكنسية بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وكنائس القدس وأنطاكية والإسكندرية رابطًا متجاوزًا للزمن، أشبه بخيطٍ صوفيّ غير مرئي، لا تقطعه الحروب ولا تغيّره التحالفات. هذه الوحدة لم تكن خاضعة لمنطق «الموضة السياسية»، بل انتمت إلى ما يمكن تسميته زمن العقيدة، ذلك الزمن البطيء الذي يتحرّك بإيقاع الصلوات لا بإيقاع المدافع.
لقد مثّلت بطريركية القدس، بوصفها حارسة الأمكنة الأولى للوحي، مركز ثقل روحي جذب موسكو، فيما رأت موسكو نفسها حاميةً للإرث الأرثوذكسي المهدَّد في ظل الإمبراطورية العثمانية. وهنا تماهت الرسالة الدينية مع الطموح السياسي، لا باعتبارهما نقيضين، بل باعتبارهما وجهين لعملة واحدة.
2. ثيوفانيوس ومكر التواضع السياسي
حين زار بطريرك القدس ثيوفانيوس موسكو عام 1619، لم يكن مجرد رجل دين في زيارة بروتوكولية، بل فاعلًا سياسيًا بلباس روحي. لقد أتقن فنّ التواضع الاستراتيجي، فظهر متعلّمًا لا موجّهًا، طالب دعم لا فارض وصاية. وفي هذا التواضع يكمن ذكاءٌ يشبه ما تحدّث عنه المتصوفة: «اخفض جناحك، فترتفع».
الفصل الثاني: الحج – الجسد في الطريق والروح في الامتحان
1. الحج كظاهرة نفسية – اجتماعية
الحج الأرثوذكسي الروسي إلى فلسطين لم يكن حركة شعبية بريئة فحسب، بل تعبيرًا عن قلق وجودي جمعي. الفلاح الروسي الفقير، الذي كان يبيع ما يملك ليصل إلى القدس، لم يكن يبحث عن خلاص فردي فقط، بل عن معنى لحياته القاسية، عن تماسٍ مباشر مع المقدّس يعيد ترتيب فوضى العالم داخله.
لكن هذا الفعل الروحي، مع تزايد أعداد الحجّاج، تحوّل تدريجيًا إلى أداة سياسية ناعمة. فالجسد الذي يسير نحو القدس كان، من حيث لا يدري، يوسّع المجال الحيوي لروسيا في الشرق.
2. من العشوائية إلى المأسسة
مع منتصف القرن التاسع عشر، ومع إنشاء البعثة الروحية الروسية في القدس عام 1847، انتقل الحج من الفوضى الغريزية إلى التنظيم المؤسسي. وهنا يتجلّى التحوّل الخطير: حين تبدأ الروح بالسير على سكك الإدارة، وتُدرج في تقارير وزارية.
لقد كانت حرب القرم (1853–1856) لحظة انكسار عسكري، لكنها كانت أيضًا لحظة وعي سياسي جديد: فالهزيمة لا تعني الانسحاب، بل البحث عن أدوات أخرى. وهكذا أصبح الحج، في صيغته الجماهيرية، استمرارًا للسياسة بوسائل روحية.
الفصل الثالث: الاقتصاد المقدّس – حين تُشترى الأرض باسم السماء
1. المال كطقسٍ دنيوي
لم يكن الدعم المالي الروسي للبطريركيات الشرقية مجرّد صدقة دينية، بل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد. فالممتلكات الروسية في القدس وفلسطين لم تكن حجارة صامتة، بل علامات حضور، ونقاط تثبيت للنفوذ في جغرافيا شديدة الحساسية.
لقد تشكّلت ما عُرف بـ«فلسطين الروسية» بوصفها فضاءً مركّبًا: ديني، اجتماعي، سياسي. وفي هذا الفضاء، امتزج صوت الأجراس بصوت الحسابات المالية، في مشهد يذكّرنا بمفارقة المتصوفة: «ما دخل السوق من لم يعرف خلوته».
2. التعليم والعمل الإنساني: السلطة في ثوب الرحمة
أسست الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية مدارس ومؤسسات تعليمية للعرب المحليين، فبدت كفاعلٍ تنويري إنساني. غير أن هذا النشاط، مهما بلغ من نبل، كان يحمل في طياته إعادة تشكيل للوعي المحلي، وربطًا ثقافيًا ناعمًا بروسيا، يسبق أي ارتباط سياسي مباشر.
الفصل الرابع: القرن العشرون – انكسار الروح أم تحوّل الأقنعة؟
1. من القيصرية إلى الشيوعية: القطيعة الظاهرة والاستمرار الخفي
جاءت ثورة أكتوبر 1917 كزلزالٍ أطاح بالبنية القديمة، وحظرت كل نشاط كنسي. بدا وكأن الوجود الروسي في الأرض المقدسة قد انتهى. لكن التاريخ، كما الروح، لا يعرف الفناء التام، بل الكمون.
عاد الحضور الروسي، بصيغة جديدة، بعد إعلان دولة إسرائيل عام 1948. وفي مفارقة تاريخية لافتة، وجدت الدولة الشيوعية الملحدة نفسها تعيد تفعيل مؤسسات ذات جذور دينية، ولكن بلغة أيديولوجية مختلفة.
2. الجمعية الروسية – الفلسطينية: من الروح إلى الأيديولوجيا
بعد حرب 1967 وقطع العلاقات مع إسرائيل، تحوّلت الجمعية الروسية – الفلسطينية إلى منبر أيديولوجي معادٍ للصهيونية. وهنا انتقل الخطاب من اللاهوت إلى السياسة الصِرفة، ومن الرمز المقدّس إلى اللغة التعبوية.
ومع ذلك، ظلّ المكان – القدس – يعمل كـمغناطيس روحي صامت، لا يتأثر بتغيّر الأنظمة، ولا يفقد قدرته على استدعاء المعنى.
خاتمة: القدس كاختبارٍ دائم للروح الروسية
إن الوجود الروسي في الأرض المقدسة ليس قصة توسّع إمبراطوري فحسب، ولا سردية كنسية مغلقة، بل سؤال مفتوح عن علاقة الإنسان بالمقدّس حين يتحوّل إلى سياسة، وعن مصير الروح حين تُدار عبر المؤسسات.
القدس، في هذا المعنى، ليست مدينة، بل مرآة تاريخية: من نظر فيها رأى صورته، مضخّمة أو مشوّهة. وروسيا، عبر قرنين من الحضور الروحي والسياسي، كانت تختبر ذاتها بقدر ما كانت تؤثّر في غيرها.
وكما قال أحد متصوفة الشرق:
«من لم يعرف لماذا سار، لن يعرف أين وصل».
الوجود الروحي والسياسي الروسي في الأرض المقدسة والشرق الأوسط في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بين الجغرافيا المقدّسة وجدلية الروح والسلطة
الناشر :مدونة فكر أديب
-
