الإمبراطورة الأرملة تسيشي السلطة والمرأة والتاريخ: قراءة اجتماعية نفسية فلسفية في تجربة الحكم المطلق

الإمبراطورة الأرملة تسيشي السلطة والمرأة والتاريخ: قراءة اجتماعية نفسية فلسفية في تجربة الحكم المطلق
مقدّمة تمثّل شخصية **الإمبراطورة الأرملة تسيشي** (1835–1908) إحدى أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في التاريخ الصيني الحديث، ليس فقط بسبب طول فترة نفوذها السياسي، بل أيضًا بسبب تعقيد صورتها بين الاستبداد والإصلاح، وبين المحافظة والبراغماتية. فقد حكمت الصين فعليًا قرابة سبعة وأربعين عامًا في مرحلة تاريخية بالغة الاضطراب، شهدت تآكل النظام الإمبراطوري، وتصاعد التدخلات الأجنبية، وبروز الأسئلة الكبرى حول الحداثة والهوية والسلطة. يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة متعددة الأبعاد لشخصية تسيشي، تتجاوز السرد التاريخي إلى تحليل **اجتماعي ونفسي وفلسفي**، يضع تجربتها في سياقها الثقافي والسياسي، ويعيد مساءلة الأحكام الجاهزة التي التصقت بها في الذاكرة التاريخية. أولًا: السياق التاريخي وصعود تسيشي إلى السلطة 1. الصين في القرن التاسع عشر: أزمة بنيوية دخلت أسرة تشينغ القرن التاسع عشر وهي تعاني من اختلالات داخلية عميقة: بيروقراطية مترهلة، فساد إداري، تمرّدات داخلية، وضغوط استعمارية متزايدة من القوى الغربية واليابان. لم تكن الدولة في أزمة حكم فقط، بل في **أزمة نموذج حضاري** يواجه عالمًا يتغيّر بسرعة. في هذا المناخ المضطرب، برزت تسيشي لا بوصفها حالة فردية استثنائية فحسب، بل باعتبارها نتاجًا مباشرًا لبنية سياسية مأزومة تتيح صعود الشخصيات القادرة على المناورة داخل القصر. 2. من محظيّة إلى وصيّة على العرش وُلدت تسيشي في عشيرة ييهي نارا المانشوية، ودخلت القصر الإمبراطوري كمحظيّة للإمبراطور شيان فنغ. غير أن ما ميّزها عن غيرها من نساء القصر هو **قدرتها على القراءة والكتابة باللغة الصينية**، وهو أمر نادر نسبيًا بين نساء المانشو في البلاط. بعد إنجابها ولي العهد (تونغ شي لاحقًا)، انتقلت من الهامش إلى قلب السلطة. ومع وفاة الإمبراطور عام 1861، استثمرت تسيشي موقعها كأم الإمبراطور الطفل لتفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا في الحكم، ثم مهندسة لانقلاب شين يو الذي أطاح بالأوصياء الثمانية. ثانيًا: انقلاب شين يو ومنطق السلطة 1. التحالف بدل المواجهة يُظهر انقلاب شين يو (1861) براعة تسيشي السياسية. فهي لم تلجأ إلى المواجهة المباشرة، بل إلى **بناء التحالفات**، خاصة مع الإمبراطورة الأم سيآن. هذا الأسلوب يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة السلطة في البلاط الإمبراطوري، حيث لا يُحكم بالقوة وحدها، بل بالشبكات والعلاقات. 2. إعادة كتابة التاريخ لاحقًا، جرى تبرير الانقلاب بوصفه إنقاذًا للدولة من خيانة الأوصياء وتواطئهم مع “البرابرة”. هنا نلحظ بوضوح آلية **شرعنة السلطة عبر السرد التاريخي**، وهي آلية تتكرر في أغلب الأنظمة السياسية، حيث يُعاد إنتاج الماضي بما يخدم الحاضر. ثالثًا: تسيشي بين الإصلاح والمحافظة 1. إصلاحات تونغ شي: براغماتية حذرة أشرفت تسيشي على ما عُرف بـ **إصلاحات التقوية الذاتية**، والتي شملت تحديث الجيش، وإدخال التكنولوجيا الغربية، وبناء الترسانات والمصانع. لم يكن هذا التوجّه نابعًا من إيمان فلسفي بالحداثة، بل من إدراك واقعي لخطر الانهيار أمام القوى الأجنبية. مثال ذلك دعمها لتحديث الأسلحة، في مقابل رفضها تبنّي النظم السياسية الغربية، كالديمقراطية البرلمانية. لقد قبلت “الأداة” ورفضت “الفكرة”. 2. إصلاحات المئة يوم: الخوف من الفوضى عندما اندفع الإمبراطور غوانغ شو نحو إصلاحات جذرية وسريعة عام 1898، رأت تسيشي في ذلك تهديدًا مباشرًا لتوازن الدولة. فقررت إيقاف الإصلاحات ووضع الإمبراطور تحت الإقامة الجبرية. من منظور نفسي–سياسي، يمكن قراءة هذا القرار بوصفه تعبيرًا عن **خوف النخب الحاكمة من التغيير غير المسيطر عليه**، لا عن كراهية مطلقة للإصلاح. رابعًا: تمرد الملاكمين وتحول الخطاب السياسي في البداية، دعمت تسيشي تمرد الملاكمين بوصفه حركة شعبية مناهضة للأجانب، لكن الهزيمة الساحقة أمام جيوش التحالف كشفت حدود هذا الخيار. عند عودتها إلى بكين، تبنّت خطابًا تصالحيًا مع القوى الأجنبية، وبدأت سلسلة إصلاحات مؤسسية تهدف إلى تحويل الصين إلى **ملكية دستورية**. هذا التحوّل يكشف شخصية سياسية **مرنة براغماتية**، قادرة على تغيير مواقفها حين تتغير موازين القوى، وإن جاء ذلك متأخرًا تاريخيًا. خامسًا: قراءة نفسية لشخصية تسيشي من منظور علم النفس السياسي، تبدو تسيشي شخصية ذات سمات واضحة: * **إرادة قوية للبقاء في السلطة**، نابعة من تجربة مبكرة في الهامش الاجتماعي. * **نزعة سيطرية** مبرّرة بالخوف من الانهيار والفوضى. * **ذكاء عاطفي وسياسي** مكّنها من قراءة خصومها وحلفائها بدقة. إن اتهامها المطلق بالاستبداد يتجاهل كونها امرأة حكمت في نظام أبوي صارم، حيث لم يكن البقاء في السلطة ممكنًا دون قدر من القسوة. سادسًا: الجدل التاريخي حول الفساد والمسؤولية اتهمها مؤرخون وصحفيون، مثل جاسبر بيكر، بإهدار أموال الدولة على القصر الصيفي على حساب البحرية، ما ساهم في الهزيمة أمام اليابان عام 1895. غير أن باحثين معاصرين يرون أن هذا التفسير **تبسيطي**، إذ يغفل الفساد البنيوي المتجذّر في الدولة، ويحمّل شخصًا واحدًا مسؤولية انهيار منظومة كاملة. سابعًا: تسيشي في الأدب والثقافة الشعبية تراوحت صورتها في الأدب بين “المرأة المستبدة” و”الحاكمة الحكيمة”. فقد قدّمتها دير لينغ كامرأة محبة للجمال والفنون، بينما رسمتها بيرل س. بوك في رواية *المرأة الإمبراطورة* بوصفها شخصية مأساوية تحكمها الضرورة أكثر مما تحكم الآخرين. هذا التناقض يعكس صراع السرديات بين الشرق والغرب، وبين التاريخ والسياسة والأدب. خاتمة: تسيشي بين الإدانة والفهم ليست الإمبراطورة الأرملة تسيشي مجرد رمز للاستبداد، ولا بطلة إصلاحية مغدورة، بل هي **مرآة لمرحلة تاريخية كاملة**، بكل تناقضاتها وأزماتها. إن فهمها يتطلّب تجاوز الأحكام الأخلاقية السهلة، والنظر إليها بوصفها فاعلًا سياسيًا تصرّف ضمن حدود عصره، وإكراهاته الثقافية والسياسية. لقد أخفقت في إنقاذ الإمبراطورية، لكنها نجحت في تأجيل انهيارها. وبين الفشل والنجاح، تظل تجربتها درسًا عميقًا في علاقة السلطة بالخوف، والإصلاح بالزمن، والإنسان بالتاريخ. المراجع مراجع عربية 1. عبد الرحمن بدوي، **دراسات في فلسفة التاريخ**، دار النهضة العربية. 2. علي حرب، **نقد الحقيقة**، المركز الثقافي العربي. 3. محمد عابد الجابري، **العقل السياسي العربي**، مركز دراسات الوحدة العربية. مراجع أجنبية 1. Jung Chang, *Empress Dowager Cixi: The Concubine Who Launched Modern China*, Vintage, 2013. 2. Jonathan D. Spence, *The Search for Modern China*, W.W. Norton. 3. Pearl S. Buck, *Imperial Woman*, John Day Company. 4. Jasper Becker, *Hungry Ghosts*, John Murray.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال