انهيار ليدرو

انهيار ليدرو
في النصف الثاني من القرن الماضي، لم يكن في فرنسا اسمٌ أكثر حضورًا على الألسن من لبِدرو. كان رجال الشرطة يتبادلون حكاياته في المقاهي، والصحف تكتب عنه كما لو كان بطلاً أسطورياً خرج من بين دفّتي رواية قديمة. أمّا الضابط الشاب نفسه، ليدرو، صاحب النظرة التي تُميّز أثر القدم كما لو كانت بصمة روح، والرائحة التي تكشف اسم صاحب السيجارة، فهو وحده كان يعرف الحقيقة: لم يكن عبقريًا. كان فقط… صبوراً. كان يقلب الأشياء كما يُقلب كتابٌ قديم: صفحةً صفحة، حرفًا حرفًا، لا يترك حجرة دون أن يفتّش زاويتها، ولا دبوسًا دون أن يسأل نفسه: *كيف وُجد هنا؟ ماذا يقول؟ ما حكايته؟* لم يرفض مهمة مهما كانت تافهة، إذ كان يؤمن أنّ للحوادث الصغيرة سلالات خفية تؤدي إلى جرائم عظيمة، وأن الخيط الباهت ربما يكون شجرة كاملة جذورها تحت الأرض. ومع كثرة القضايا التي فكّ رموزها، صار اسمه أسطورة. لكن للمجد ضريبة، وقد جاء اليوم الذي طُلب فيه الثمن كاملًا. بعد أسابيع طويلة من العمل المتواصل، انهارت أعصابه كما ينهار جسرٌ خُفِّفت مساميره لسنوات دون أن يشعر به أحد. سقط صريعًا، ثم وجد نفسه بين أطباء فرنسا الأشهر، يحدّقون فيه كمن يقرأ كتابًا على وشك الاحتراق. قال له كبيرهم: *تحتاج إلى راحة طويلة… طويلة جدًا. صحتك تمشي على خيط رفيع، والتعب قد نخر في جدرانك.* استسلم ليدرو، وذهب ليقيم في مدينة الهافر، على مبعدة ميلين من سان إدريس البحرية. أراد الصمت، أراد أن يُطفئ ضجيج الأسئلة التي استوطنت رأسه. لكن العالم لا يترك من يرغب بالهدوء. في صباح صيفي من عام 1888، استفاق المصيف الهادئ على صرخة. كان أحد رجال الأعمال، أندريه بونيه، قد جاء مع زوجته لقضاء إجازة هادئة. وفي الليلة السابقة، خرج ليستحم في البحر قبل النوم… ولم يعد. عثر موزّع الخبز صباحًا على جثته فوق الرمل، في منطقة لا تبلغها الأمواج، كأنه نام هناك هاربًا من البحر لا سابحًا فيه. رصاصة اخترقت رأسه. جسده عارٍ، ثيابه مطوية بعناية إلى جواره… عناية لا يقوم بها قاتل أرعن، بل شخص ذو طقسٍ داخلي غريب. تملّك الرعب نفوس المصطافين. خاف البعض، جهّز آخرون حقائبهم للرحيل. خشيت السلطات أن ينهار موسم المصيف، فلم يجدوا أمامهم إلا رجلًا واحدًا: الضابط الشاب المعتزل، ليدرو. جاءوه بإلحاح. تردّد، ثم قبل. في الطريق إلى الشاطئ، كان داخله يهمس له: *لماذا عدت؟ كنت تريد الراحة، تريد الصمت… أتراك تخاف الفراغ أكثر مما تخاف العمل؟* وقف عند موقع الجريمة، ينظر إلى الجثة وقد رُفعت، وإلى الرمل وقد انكشف. نظرته الأولى للحادث لم تمنحه شيئًا من الانطباع المعتاد. بدا كل شيء مرتبًا… مرتبًا أكثر مما ينبغي. محفظة الرجل لا تزال تحتوي على مئات الفرنكات. لا أعداء له. زوجته كانت في الفندق تنتظر حتى الثانية والنصف بعد منتصف الليل، بينما وقت القتل كان الثانية تمامًا. لا شيء منطقيّ. عاد الصوت في رأسه: *الصبر يا ليدرو… الصبر. أنت لا تملك العبقرية، لكنك تملك الزمن.* أقام حول موقع الجريمة دائرة من الحبال قطرها خمسون قدمًا، ثم بدأ ينقّب الرمال حبةً حبة، كمن يفتش في ذاكرة شخص آخر. حلّ الليل وهو ما زال منحنياً فوق الأرض، يحمل مصباحًا صغيرًا بيده، والرمل يلتصق بثيابه كما لو كان يصرّ على أن يرافقه. وفجأة… توقّف. كان هناك أثر. بصمة قدم بشرية، بلا نعل. خطوة وحيدة، كلمحة. لكنها ليست خطوة رجلٍ عادي؛ سلامية إبهام القدم اليسرى كانت… مبتورة. ارتجفت يداه. ترك الشاطئ، وبدأ يجوب شوارع سان إدريس طوال الليل، يمشي بسرعة تارة، وببطء شديد تارة أخرى. كان يحدّق في الحجرات، في أحجار الأرصفة، في الظلال، في الوجوه التي تنام خلف نوافذ مغلقة. كل شيء في المدينة بدا له كأنه يتنفس سرًّا يعرفه ولا يخبره به. وفي داخله بدأت فوضى: *لماذا ارتجفت؟ ما علاقة هذا الأثر بي؟ لماذا أشعر أني أعرف هذه الخطوة؟* *إبهام مبتور…* كان إصبعه ذاته يؤلمه فجأة، كأن الألم يتذكر نفسه. مع الفجر، دخل مركز الشرطة. قفزت النظرات إليه، فهو ليدرو، العقل المعجزة. لكن صوته حين تكلم كان منهكًا، مبحوحًا، غريبًا: – *أيها السادة… لقد كشفت سر الجريمة.* ساد الصمت. – *هذا أثر الجاني، تركه خلفه وهو يتتبع ضحيته. خلع نعليه كي لا يسمع الآخر خطواته… لكن الأثر كشفه. انظروا: سلامية الإبهام اليسرى مقطوعة…* ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه: – *وهذه الرصاصة… الرصاصة ذاتها التي اخترقت رأس الرجل.* اقترب الضباط أكثر. ثم قال ليدرو: – *أما القاتل… فهو أنا.* ساد صمت بدا كالأبد. خلع حذاءه، مدّ قدمه اليسرى أمامهم. كان إبهامها مبتورًا. ثم أخرج مسدسه، ووضعه على الطاولة: – *وهذا هو السلاح.* ارتجّ المكان. سألوه. صرخوا فيه. لكنه كان ينظر إلى الأرض كما ينظر طفل إلى لعبة مكسورة لا يعرف كيف انكسرت. قال في داخله: *هل أنا قاتل؟ هل قتلت وأنا نائم؟ هل صرت ظلًّا لنفسي؟* *يا إلهي… ماذا يمكن للعقل أن يخفي؟* تبيّن لاحقًا أنّ الانهيار العصبي الذي أصابه كان يجعل ليدرو يسير أثناء نومه. وفي تلك الليلة، خرج من منزله دون وعي، صادف الرجل على الشاطئ، حمل مسدسه، أطلق رصاصة واحدة، ثم عاد إلى سريره. وفي الصباح… لم يتذكر شيئًا على الإطلاق. قدّم للمحاكمة. كانت قاعة الجنايات مزدحمة، لا لهيبة القضية فقط، بل لأن المتهم هو من اعتاد أن يكشف جرائم الآخرين، فإذا به يكشف جريمته هو. وقف محاميه يخاطب القضاة: – *موكلي… رجلان، لا رجل واحد. أحدهما يقتل ليلًا وهو مسلوب الإرادة، مكسور العقل، لا يعي ما يفعل. أما الآخر… فهو رجل هادئ، عاقل، يخدم وطنه، ولا يشكل خطرًا على أحد في النهار. فهل تحكمون بالإعدام على الرجل الذي يعيش نهاره في سلام، لأنه يُبتلى في ليله بمرض؟* ظلّت الكلمات معلّقة في القاعة كدخان بطيء. دخلت المحكمة للمداولة. ثم خرجت بحكم غريب، حكم لا يشبه أي حكم آخر: يسجن ليدرو كل مساء، ويُفرج عنه كل صباح… طوال حياته. وهكذا عاش: نصفُ حياة في النهار، ونصفُها الآخر وراء القضبان. رجلان في جسد واحد، يتبادلان الوجود كما لو كانا حارسين على باب نفس ممزقة. كان في لياليه يجلس في زنزانته وحده، يسمع وقع خطواته المتخيَّلة، يرى إبهامه المبتور كعلامة على ذنب لم يتذكره. كان يسأل نفسه: *هل كنتُ حقًا نائمًا؟* *أم أن في داخلي قاتلًا ظللتُ أخفيه لسنوات تحت اسم الذكاء والصبر؟* *هل كان انهياري العصبي لحظة تحرر ذلك الآخر؟* لم يحصل على إجابة قط. لم يحصل أحدٌ عليها. وفي صباح أحد أيام عام 1939، وجد السجّان ليدرو راقدًا في زنزانته، وجهه هادئ كما لو أنه نام أخيرًا دون أحلام، ودون خطوات في الرمال، ودون أقدام بلا إبهام. مات ليدرو… لكن السؤال عاش: من كان القاتل حقًا؟ الرجل الذي يسير ليلًا بلا وعي؟ أم الرجل الذي ظلّ يفتّش العالم طويلًا، حتى عثر أخيرًا على أثر يقوده إلى نفسه؟

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال