جمهورية الظلام: حين يصبح الضمير موظفًا في جهاز القمع
السخرية السوداء في رواية فواز حداد... الضحك على حافة الهاوية
ليس من السهل أن تكتب عن العالم الروائي لفواز حداد؛ فهو عالم مسكون بأسئلة الإنسان الكبرى، ومثقل بتناقضات الحياة وتحولاتها، ومفتوح على تلك المنطقة المعتمة التي يلتقي فيها الخوف بالرغبة، والسلطة بالهشاشة، والضحايا بجلاديهم. عالم يبدو للوهلة الأولى واضحًا في ملامحه، لكنه كلما اقتربنا منه ازدادت متاهاته، وكلما ظننا أننا أمسكنا بخيط من خيوطه، اكتشفنا أننا أمام شبكة كاملة من الأوهام والحقائق، والنيات الحسنة التي تمهّد أحيانًا لنتائج كارثية.
في روايته «جمهورية الظلام»، يقودنا فواز حداد إلى هذا العالم بيد هادئة، كأنه لا يريد أن يرفع صوته في حضرة المأساة. لا يصرخ، ولا يوزع الاتهامات، ولا يقف على منصة الواعظ ليشرح لنا ما ينبغي أن نفهمه. إنه يترك شخصياته تتكلم، وتتناقض، وتبرر، وتكذب، وتكشف، من حيث لا تدري، مقدار الخراب الذي استوطن أرواحها. ثم يبتعد قليلًا، كأنما يمنحنا فرصة للتأمل، قبل أن يفاجئنا بتفصيل صغير أو حوار عابر ينسف ما بنيناه من يقين.
هنا تكمن إحدى خصائص كتابته: السخرية التي تبدو خفيفة في عبارتها، لكنها ثقيلة في أثرها؛ واللغة التي لا تحتاج إلى الزخرفة كي تفضح القبح، ولا إلى المبالغة كي تجعل الفاجعة أكثر حضورًا. إنه أسلوب سهل وممتنع، يجمع بين صرامة الملاحظة ومرونة الحكي، ويعرف كيف يضع الابتسامة على شفاه القارئ، ثم يتركه يكتشف، بعد لحظة، أنه يبتسم في المكان الخطأ.
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى في «جمهورية الظلام»: أننا نضحك، لا لأن العالم مضحك، بل لأن العبث بلغ من الفظاعة حدًّا صار معه الضحك إحدى وسائل احتمال ما لا يُحتمل.
حين يرتدي الرعب قناع الكوميديا
يستعير فواز حداد، أحيانًا، هيئة الحكواتي الذي يعرف كيف يشد مستمعيه، وكيف يخفف إيقاع الحكاية قبل أن يدفع بها إلى منعطف أشد قسوة. يوزع النكات في أرض الخراب، ويترك للشخصيات أن تكشف عبثها من خلال أحاديثها اليومية، كأن المأساة لا تحتاج إلى مقدمات، وكأن الرعب، بعد طول الإقامة، صار جزءًا من الأثاث.
إنها طراوة مخادعة، أشبه بمن يرش السكر على الموت، لا ليغير مذاقه، بل ليجعل المرارة قابلة للتذوق. وقد تبدو هذه التقنية، في ظاهرها، تناقضًا بين شكل الحكاية ومضمونها؛ فكيف يمكن للضحك أن يتسلل إلى عالم يختنق فيه البشر، وتُنتزع فيه الكرامة، ويصبح الموت أمنية يتطلع إليها المعذبون بوصفه المخرج الأخير من حياة لا تترك لهم منفذًا؟
لكن الكوميديا السوداء لا تنشأ هنا من تخفيف المأساة، بل من كشف المسافة المرعبة بين فداحة ما يحدث وتفاهة اللغة التي يُبرَّر بها. إنها تضعنا أمام شخصيات تستطيع أن تتحدث عن التعذيب ببرود إداري، وأن تتداول مصائر البشر كما لو كانت تناقش نقصًا في المخزون، أو خللًا في جدول المناوبات. وفي هذا التناقض بالذات تبلغ السخرية أقصى قوتها: حين يصبح ما ينبغي أن يهز الضمير بندًا عاديًا في دفتر العمل.
نتذكر، في هذا السياق، الحكاية المنسوبة إلى الفارابي، حين استطاع أن يبكي مجلسًا ثم يضحكه، قبل أن يترك أهله إلى النوم. غير أن قارئ «جمهورية الظلام» لا يستطيع أن ينام بهذه السهولة. فالضحك الذي يتفجر بين صفحاتها لا ينهي التوتر، بل يزيده؛ ولا يحررنا من الخوف، بل يجعلنا أكثر وعيًا بمصدره. إننا نضحك، ثم نتذكر سبب الضحك، فتسقط الابتسامة كأنها شيء لا يليق بالمشهد.
وما أكثر ما نحتاج إلى هذا النوع من السخرية، لا لأنها تمنحنا عزاءً مجانيًا، بل لأنها تحرم القبح من هيبته المصطنعة. فالسلطة المستبدة لا تكتفي بإخضاع الأجساد؛ إنها تريد أن تحتكر تعريف العالم أيضًا، وأن تقنع الناس بأن بطشها ضرورة، وأن الخوف حكمة، وأن الطاعة فضيلة، وأن كل جريمة يمكن أن تصبح مشروعة إذا عُلّقت فوقها لافتة مناسبة.
تأتي السخرية لتسحب اللافتة، فيظهر ما تحتها: فراغ أخلاقي يرتدي زيًّا رسميًا، وعبث يتكلم بلهجة حازمة، وجريمة تبحث عن مصطلح إداري أنيق كي لا تضطر إلى النظر في وجهها.
الضمير في عهدة الأجهزة الأمنية
من بين المشاهد الدالة على طبيعة هذا العالم، ذلك الحوار الذي يدور بين العميد والمحقق الشاب حول الضمير، وحول العبارة المنسوبة إلى تولستوي: «الضمير هو صوت الله في الإنسان».
يستفسر العميد عن صاحب العبارة، وحين يعرف أنه كاتب روسي، يتعامل مع الأمر كما لو أنه أمام خبير أجنبي لا يملك تصريحًا بممارسة المهنة. وحين يُقال له إن تولستوي خبير بالنفس البشرية، تأتي الإجابة بما يلخص عقلًا كاملًا: «نحن لا نأخذ بالاعتبار البضائع المستوردة».
في هذه الجملة القصيرة تختبئ جمهورية كاملة. فالعميد لا يناقش الفكرة، ولا يفحص صدقها، ولا يسأل إن كان الضمير موجودًا فعلًا في الإنسان؛ إنه يرفض مصدرها قبل أن يضطر إلى مواجهة مضمونها. إن المشكلة ليست في العبارة، بل في أنها تفتح نافذة على عالم أخلاقي لا تستطيع السلطة إخضاعه لقواعدها.
هكذا يتحول الضمير، في منطق الاستبداد، إلى سلعة أجنبية مشكوك في صلاحيتها، فيما تصبح الطاعة إنتاجًا محليًا مضمون الجودة. أما الحقيقة، فلا تُقبل لأنها صحيحة، بل لأنها صادرة عن الجهة التي تملك حق اعتمادها. وإذا تعارضت مع مصالح السلطة، أمكن اتهامها بالاستيراد، أو الانحراف، أو خدمة العدو.
هذه ليست مجرد نكتة عن ضابط محدود الثقافة، بل صورة مكثفة لطريقة تفكير ترى العالم من خلال ثنائية الولاء والخيانة. فكل ما لا يخدم الجهاز يصبح خطرًا عليه، حتى لو كان فكرة فلسفية أو قيمة إنسانية أو سؤالًا بريئًا. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود السؤال: هل ما أفعله صواب أم خطأ؟ بل: هل يسمح لي النظام بفعله؟ وهل يمكنني الإفلات من العقاب إذا فعلته؟
إنها اللحظة التي تنقلب فيها الأخلاق رأسًا على عقب. لا يعود الإنسان يقيس أفعاله بمعيار يتجاوز مصلحته، وإنما يقيسها بمدى توافقها مع ما تريده السلطة. وإذا كان الضمير، في صورته التقليدية، صوتًا داخليًا يوقظ المرء حين يخطئ، فإن الجهاز القمعي يسعى إلى تحويله إلى موظف صغير، لا يتكلم إلا بعد مراجعة التعليمات.
ولعل أخطر ما تكشفه الرواية أن السلطة لا تحتاج دائمًا إلى أشخاص أشرار بالمعنى البسيط. يكفي أن تجد أشخاصًا مستعدين للتنازل قليلًا، ثم قليلًا آخر، حتى يصبح التنازل نظامًا للحياة، ويغدو الاستثناء قاعدة، وتتحول الجريمة من فعل يستدعي الخجل إلى مهنة تستدعي الترقية.
المحقق سامر: حين يتعلم الضمير فن المساومة
في قلب هذه المعضلة تقف شخصية المحقق سامر، الذي يصف ضميره بأنه «مرن». ليست المرونة هنا فضيلة أخلاقية، ولا قدرة على فهم تعقيد البشر؛ إنها مهارة في إعادة ترتيب الحدود بين المقبول والمرفوض، بحيث يستطيع المرء مواصلة حياته من دون أن يضطر إلى الاعتراف الكامل بما يفعله.
يقول سامر، في معنى اعترافه، إنه لم يكن معدوم الضمير، لكنه استعاد شيئًا يشبهه من العدم؛ ضميرًا يأخذ في الحسبان ظروف الزمان والمكان، ويخفف عنه وطأة الشعور بالذنب، وإن لم يمنحه الطمأنينة.
يا لها من صيغة بارعة لتبرير العجز الأخلاقي! فالضمير الذي كان ينبغي أن يكون مرجعًا ثابتًا، يتحول إلى مادة قابلة للتمدد والانكماش، بحسب الحاجة. وإذا ضاقت المسافة بين الخطأ والجريمة، اتسعت مساحة التأويل. وإذا صار الفعل فادحًا إلى درجة يصعب احتمالها، جرى البحث عن ظرف يخفف مسؤوليته، أو عن ضرورة ترفعه مؤقتًا فوق القانون الأخلاقي.
وهكذا يصبح الضمير المرن أشبه بمحاسب بارع: لا يمنع وقوع الخسائر، لكنه يعرف كيف يعيد تسجيلها في الدفاتر، وكيف ينقلها من خانة الجرائم إلى خانة الضرورات. إنه لا يبرئ صاحبه تمامًا، بل يمنحه ما يكفي من الراحة ليواصل العمل في اليوم التالي.
غير أن هذا الضمير ليس نتاج فراغ نفسي وحده. فسـامر، الذي وجد نفسه داخل جهاز أمني كبير، يحمل معه آثار ماضٍ فقير وخيبات مبكرة، وربما شيئًا من الأحلام التي لم تجد طريقها إلى التحقق. لا تجعلنا هذه الخلفية نغفر له، لكنها تمنعنا من اختزاله في صورة الوحش المكتمل. فالرواية، في هذا المستوى، لا تسأل فقط كيف يصبح الإنسان جلادًا، بل كيف يستطيع أن يصبح جلادًا وهو لا يزال يحتفظ ببعض ما يظنه إنسانيًا.
إنها مسألة نفسية واجتماعية شديدة التعقيد. فالإنسان لا يتخلى عن قيمه دفعة واحدة في كل الأحوال؛ قد يبدأ بالتكيف، ثم بالتبرير، ثم بالصمت، حتى يصل إلى لحظة لا يعود فيها قادرًا على التمييز بين ما اضطر إلى فعله وما اختار أن يفعله. وعندما يعتاد المرء رؤية الألم، قد يتحول الألم أمامه إلى مشهد مألوف، لا إلى إنذار أخلاقي. وعندما تتكرر الجريمة داخل مؤسسة كاملة، يتوزع الشعور بالمسؤولية بين أفرادها، فيصبح كل واحد منهم أقل استعدادًا للاعتراف بأنه صاحب القرار.
لكن سامر يواجه اختبارًا لا يستطيع الضمير المرن تجاوزه بسهولة. إنه يفاوض معتقلًا على حياته مقابل العمالة، ويطلب منه أن يقبل العرض وأن يختم اعترافه بالندم. يرفض المعتقل. ويريد سامر، وفق منطقه الخاص، أن ينقذه، فيرسله إلى القبو لاقتلاع أظافره، على أمل أن يلين موقفه.
هنا تبلغ المفارقة ذروتها: يريد إنقاذ إنسان، فيسلّمه إلى التعذيب؛ ويحاول تأجيل موته، فيشارك في تعميق ألمه؛ ويظن أنه يختار الشر الأقل، بينما يفتح الباب أمام شر لا يملك السيطرة على نهايته.
ثم يجد المعتقل منتحرًا في الزنزانة الخامسة عشرة، جسدًا محطّمًا، وقميصًا ممزقًا، ودمًا متخثرًا على أصابع بلا أظافر.
لا تحتاج المأساة إلى تعليق طويل. فالمشهد نفسه يضع كل تبريرات سامر أمام حقيقتها. لقد أراد أن يحتفظ لنفسه بمسافة بينه وبين الجريمة، لكن الجريمة لم تحترم تلك المسافة. ظن أن بوسعه أن يشارك في العنف من دون أن يصبح مسؤولًا عن نتائجه، فإذا به يكتشف أن الشر لا يلتزم دائمًا بالحدود التي يرسمها له مرتكبوه.
إن السؤال الذي يطارده بعد ذلك ليس سؤالًا قانونيًا، ولا مجرد خوف من العقاب. إنه سؤال عن صورته في عيني نفسه: إلى أي حد يستطيع المضي في هذا الطريق من دون أن يفقد ما بقي منه؟ وأين تنتهي المساومة ويبدأ السقوط الكامل؟
لكن الرواية لا تمنحنا رفاهية الإجابة النهائية. فسـامر ليس بريئًا، ولا هو نسخة بسيطة من الشيطان. إنه إنسان يحاول أن يتعايش مع أفعاله، وأن يترك لنفسه نافذة ضيقة يطل منها على احتمال أنه لا يزال إنسانًا. والمأساة أنه كلما احتاج إلى هذه النافذة، اضطر إلى تضييقها أكثر.
جمهورية لها مؤسساتها وأخلاقها المعكوسة
إن التحدي الأهم في «جمهورية الظلام» ليس رسم مشاهد العنف وحدها، بل بناء العالم النفسي الذي يسمح لهذا العنف بأن يستمر. فالجمهورية ليست مجرد مكان يضم سجونًا وأقبية وغرف تحقيق؛ إنها مجتمع كامل، له قواعده وعاداته ومصالحه ولغته الخاصة. وفيه بشر يحبون ويكرهون، ويشتهون ويحلمون، ويخافون على مستقبلهم، ويبحثون عن لحظات صغيرة ينسون فيها ما يعيشونه.
هذه الحياة اليومية هي التي تمنح الرواية عمقها. فالاستبداد لا يلغي الإنسان تمامًا، بل يضعه في اختبار دائم، وقد يدفعه إلى اكتشاف جوانب من نفسه لم يكن يتصور وجودها. وقد يجعله ضحية في لحظة، وشريكًا في الظلم في لحظة أخرى، أو يدفعه إلى التمسك بفتات من الرحمة وسط عالم يكافئ القسوة ويعاقب التردد.
ومن هنا تأتي أهمية التناقضات التي ترسمها الرواية. فليس كل من يعمل داخل السلطة متشابهًا، كما أن الضحايا ليسوا كائنات مصنوعة من النقاء وحده. هناك من يقسو، ومن يتردد، ومن يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، ومن يتشبث بأوهام قديمة كي لا يواجه حقيقة انهيار العالم الذي آمن به.
ولا يعني ذلك أن الرواية تساوي بين الجلاد والضحية، أو أن فهم الظروف النفسية يبرر الجريمة. فثمة فرق أساسي بين تفسير الفعل وإعفائه من المسؤولية. غير أن الأدب، حين يبلغ هذه الدرجة من النضج، لا يكتفي بتصنيف البشر في قوائم جاهزة، بل يحاول فهم الكيفية التي تتشكل بها خياراتهم، والظروف التي يستغلها الأقوياء، والضعف الذي يتحول، تحت الضغط، إلى أداة في أيديهم.
فالإنسان قد يرتكب الشر بدافع الحقد، لكنه قد يرتكبه أيضًا بدافع الخوف، أو الطمع، أو الرغبة في البقاء، أو التعلق بوهم أنه يؤدي واجبًا. وربما كان أشد أشكال الشر خطورة ذلك الذي لا يرى نفسه شرًا، بل ضرورة مؤقتة، أو تضحية لا بد منها، أو إجراءً لا يحتمل التأجيل.
وعندما تتبنى مؤسسة كاملة هذا المنطق، يصبح الانحراف الأخلاقي جزءًا من نظام العمل. يتعلم الموظف أن يسأل عن التعليمات لا عن الضحايا، وأن يهتم بسلامة الإجراء أكثر من سلامة الإنسان، وأن يخشى مخالفة رؤسائه أكثر مما يخشى ارتكاب الظلم. عندئذ لا يعود الخراب حكرًا على نفوس أفراد معدودين؛ يصبح ثقافة تتناقلها الأجيال، ولغة يتعلمها القادمون الجدد قبل أن يفهموا معناها.
ولذلك فإن أخطر ما في الجمهورية ليس ظلام الزنازين، بل قدرتها على إنتاج أشخاص يتأقلمون مع الظلام، ثم يدافعون عنه، وربما يعتقدون أنهم يؤدون عملًا عاديًا.
حفلة الشواء: حين تستعيد الذاكرة حقها في الحياة
وسط هذا الخراب، تبرز شخصية المقدم الحزين، الذي يأتي من بيئة السلطة نفسها، ويحمل تصورات ساذجة عن عالم لا يعترف بالبراءة. يجد نفسه فجأة رئيسًا لفرع أمني جديد، يختلف في اختصاصه وطبيعة المعتقلين الذين يمرون به، ومن بينهم أدباء ومثقفون.
وحين يرى هؤلاء المعتقلين يوشكون على الموت جوعًا، يتحرك فيه شيء من الشفقة. لكنه لا يذهب إلى منطق العدالة، ولا يسأل عن حقهم في الحرية، ولا يراجع المؤسسة التي أوصلتهم إلى هذا المصير. إنه يبحث عن حل داخل حدود العالم الذي يعرفه، فيستولي على ما تبقى من بغال وكلاب وقطط وحمير تركها أصحابها بعد الفرار، ويقيم للمعتقلين وليمة شواء.
إنه مشهد عبثي، يكاد يبدو اختراعًا من اختراعات الكوميديا السوداء، لكنه يكشف عن تناقض إنساني بالغ الدلالة. ففي مكان يُسلب فيه الإنسان حريته وكرامته، تأتيه النجدة على هيئة وليمة لا يمكن فصلها عن المأساة المحيطة بها. الطعام موجود، والروائح الشهية تنتشر، والذاكرة تستيقظ؛ لكن الأبواب تظل موصدة، والجلاد يظل جلادًا، والنجاة المؤقتة لا تعني استعادة الحق.
ومع ذلك، فإن لهذه الوليمة معنى يتجاوز المفارقة الساخرة. فرائحة اللحم المشوي والخبز الدافئ والزبادي المتبل بالرمان توقظ في المعتقلين ذكريات أيام كانوا فيها أناسًا عاديين. تعود إليهم بساتين الغوطة، وضفاف بردى، ونزهات الجمعة، والأراكيل، والبطيخ المبرد في مياه النهر، والتراشق بالماء، وتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو تافهة في زمن الحياة الطبيعية.
كم تبدو هذه الذكريات بسيطة، وكم تبدو الآن بعيدة! لم يكونوا يحتاجون إلى معجزة كي يشعروا بالسعادة؛ كانت تكفيهم فسحة خضراء، وماء بارد، ولقمة طيبة، وصحبة لا يحكمها الخوف. لكن الإنسان لا يدرك دائمًا قيمة الأشياء التي يعيشها إلا حين تُنتزع منه، ولا يعرف كم كانت حياته غنية إلا عندما يُحرم من أبسط شروطها.
إن الذاكرة هنا مقاومة من نوع خاص. فالجسد الذي يحاول السجن إخضاعه يستعيد، عبر الرائحة والطعم، شيئًا من عالمه القديم. وربما لا يحرر ذلك المعتقلين، لكنه يذكرهم بأنهم كانوا أكثر من أرقام في سجلات الأمن، وأكثر من أجساد تنتظر دورها في التعذيب أو الموت.
وفي المقابل، تكشف الوليمة حدود الرحمة داخل منظومة القهر. فالمقدم الحزين يستطيع أن يطعم المعتقلين، لكنه لا يستطيع، أو لا يريد، أن يعيد إليهم حريتهم. يستطيع أن يخفف جوعهم، لكنه لا يواجه السؤال الذي صنع هذا الجوع. إنه يرمم جانبًا صغيرًا من الأذى، من دون أن يمس البنية التي تنتجه.
وهنا تكمن سخرية المشهد: أن يصبح إطعام الجائعين فعلًا استثنائيًا في مكان كان ينبغي أن تكون فيه كرامة الإنسان أمرًا بديهيًا. وأن تبدو وليمة من بقايا حيوانات هاربة أشبه بإنجاز إنساني، لمجرد أن الواقع المحيط بها بلغ هذا الحد من الانحطاط.
لكن وسط كل ذلك، ثمة عشب ينبت، وغيم يعبر، ومطر يبكي. فالحياة لا تختفي تمامًا، حتى حين تتعرض للسحق. غير أن بقاءها لا يبرئ العالم الذي يعذبها، ولا يحوّل ومضات الرحمة إلى بديل من العدالة.
بين الواقعي والمتخيل: من يكتب الحكاية؟
لا أظن أن فواز حداد كتب «جمهورية الظلام» ليؤرخ مرحلة سورية أو يوثق أحداثها على نحو مباشر. إنه روائي، لا مؤرخ، ولا يلتزم بواجب تقديم الوقائع كما تقدمها السجلات. ومع ذلك، لا يستطيع الخيال الروائي أن ينفصل تمامًا عن الواقع الذي يغذيه، ولا سيما حين يكون الواقع نفسه قد تجاوز حدود المعقول.
فالخيال ليس نقيض الحقيقة بالضرورة؛ قد يكون طريقًا آخر إليها. يستطيع الروائي أن يجمع وقائع متفرقة، وأن يخلق شخصيات لم توجد بهذه الصورة في الحياة، وأن يعيد ترتيب الأحداث، فيكشف من خلالها حقيقة نفسية أو اجتماعية يصعب القبض عليها في الوثائق. وقد يبدو المشهد المتخيل أكثر صدقًا من تقرير واقعي، لا لأنه حدث حرفيًا، بل لأنه يعبّر عن منطق عالم كامل.
في «جمهورية الظلام»، يزداد هذا الالتباس مع حضور الشخصية الغامضة التي يشار إليها بالحرفين «ف خ». إنها شخصية تظهر في الظل، وتختفي منه، وتبدو أحيانًا هامشية، ثم تكتسب فجأة موقعًا مؤثرًا في مسار الحكاية. تعرف أكثر مما ينبغي لشخصية عابرة، وتقرأ الوقائع كأنها تقف خارجها، وتلمح إلى مصائر تبدو أقرب إلى النبوءة منها إلى التوقع.
يصفها السرد، في أحد المواضع، بأنها ليست خيالًا شريرًا، بل فاعل خير لا وجود له، وإن كان يظهر في الوقت المناسب، بموعد أو من دونه. وهذه المفارقة تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز حدود الشخصية ذاتها: فمن يكون هذا الذي يعرف ما لا يعرفه الآخرون؟ وهل هو شاهد على الحكاية، أم صانع لها، أم صورة من صور المؤلف حين يتدخل في عالمه الروائي؟
ثم تأتي المفاجأة التي تقرّب «ف خ» من «ف ح»، أي من فواز حداد نفسه، فتتسع المسافة بين المؤلف وشخصيته، وبين الواقع الذي يكتب والخيال الذي يصنعه. وكأن الروائي يخرج من خلف الستار، لا ليعلن أنه يملك الحقيقة، بل ليزيد الشك في طبيعة ما نقرأ.
هل يسخر منا الكاتب؟ أم يسخر من نفسه؟ أم يريد أن يقول إن الواقع صار أكثر غرابة من أن يُروى من دون أن يستعير أدوات الخيال؟ ربما لا توجد إجابة واحدة. لكن الأهم أن اللعبة السردية لا تُستخدم للتسلية وحدها، بل تجعل القارئ يعيد النظر في علاقته بالحقيقة نفسها.
فما الذي يجعلنا نصدق حكاية؟ هل هو أن نعرف أن شخصياتها موجودة بالفعل، أم أن نرى فيها شيئًا من العالم الذي نعرفه؟ وإذا كانت الأحداث المتخيلة قادرة على نقل حقيقة الألم، فهل تصبح أقل صدقًا لمجرد أنها لم تقع بهذه التفاصيل؟ وفي المقابل، إذا بدا الواقع غير قابل للتصديق، فهل يعني ذلك أنه فقد حقيقته، أم أننا فقدنا قدرتنا على تخيل مقدار ما يمكن أن يفعله الإنسان بالإنسان؟
هنا لا يعود الروائي مجرد ناقل للواقع، بل يصبح شريكًا في اختبار حدود إدراكنا له. إنه يضعنا في المنطقة التي لا يستطيع فيها العقل أن يستريح إلى حقيقة مكتملة، ولا يستطيع الخيال أن يهرب من مسؤولية ما يكشفه.
هل الإنسان وحش بطبيعته؟
لعل السؤال الذي يتردد خلف مشاهد الرواية كلها هو: إلى أي حد يمكن أن يكون الإنسان وحشًا؟
ليس السؤال جديدًا في الفكر الإنساني، لكنه يكتسب في سياق المأساة السورية ثقلًا خاصًا. فحين نرى إنسانًا يعذب آخر، لا تكفينا معرفة أنه شرير؛ نريد أن نفهم كيف صار كذلك، وكيف استطاع أن يتجاوز الحدود التي نتصور أنها تحمي البشر من بعضهم بعضًا. وحين نرى شخصًا يشارك في الجريمة ثم يعود إلى منزله، ويأكل، وينام، وربما يحنو على أبنائه، نصطدم بتناقض لا يسهل حله.
هل يمكن للإنسان أن يفصل بين ما يفعله في عمله وما يفعله في حياته الخاصة؟ وهل يكفي أن يحتفظ بلحظات من العطف كي يظل إنسانًا صالحًا؟ أم أن الرحمة التي لا تمنع الظلم، والحنان الذي لا يعترف بكرامة الآخرين، قد يصبحان مجرد استثناءات صغيرة في حياة يحكمها منطق القسوة؟
إن الرواية لا تتيح لنا أن نطمئن إلى صورة بسيطة عن الخير والشر. لكنها لا تلغي الفارق بينهما أيضًا. فالتعقيد النفسي لا يعني أن المسؤولية تختفي، وفهم دوافع الجلاد لا يجعل الضحية أقل استحقاقًا للإنصاف. إنما يدفعنا إلى رؤية أن الشر لا يعيش دائمًا خارج المجتمع، في هيئة وحش غريب يمكن التعرف إليه من النظرة الأولى؛ قد ينمو في المؤسسات، ويتغذى من الطاعة، ويجد له مبررات في اللغة، ويستفيد من خوف الناس وحاجتهم إلى الأمان.
ومن هنا تصبح السخرية السوداء أداة للكشف لا مجرد وسيلة فنية. إنها تسألنا عما يحدث حين تتراجع المساءلة، وحين يصبح الصمت شكلًا من أشكال النجاة، وحين يتعلم الناس أن يتعايشوا مع ما كانوا سيرفضونه لو رأوه في ظروف أخرى. إنها تكشف كيف يمكن للكارثة أن تتحول، بالتكرار، إلى أمر مألوف، وكيف يستطيع الإنسان أن يخفض سقف توقعاته الأخلاقية حتى لا يضطر إلى تغيير حياته.
ولعل أكثر ما يخيف في «جمهورية الظلام» ليس أن شخصياتها قادرة على ارتكاب الفظائع، بل أنها قادرة على مواصلة الحياة بعدها. فالعالم لا يتوقف بعد الجريمة، والمكاتب لا تغلق أبوابها، والسجلات لا تتوقف عن الامتلاء، والناس يواصلون البحث عن مصالحهم الصغيرة. كأن الموت، مهما اتسع، لا يعطل جدول الأعمال.
لكن الأدب يعطل هذا الجدول. يعيد إلى المشهد ما تحاول السلطة إخفاءه، ويمنح الضحايا حضورًا يتجاوز أجسادهم، ويجبر القارئ على الوقوف أمام ما يفضّل العالم المرور بجانبه. وهو لا يفعل ذلك عبر الموعظة، بل عبر الحكاية التي تجعلنا نرى، ثم نكتشف أننا لم نعد قادرين على النظر بالطريقة نفسها.
خاتمة: حين يصبح الشك آخر أشكال اليقظة
أعود إلى «جمهورية الظلام» بوصفها تجربة قراءة لا يسهل اختصارها في مجموعة من الأفكار. فأنا، كقارئة وكاتبة، لا أريد أن أختزل عذابات الرواية في ملخص بارد، أو أن أستبدل بحرارة السرد قائمة من الأحداث. فثمة روايات لا تُقرأ من أجل معرفة ما جرى فحسب، بل من أجل اختبار ما تتركه فينا، وما تثيره من أسئلة، وما تكشفه من مناطق ظلت معتمة في فهمنا لأنفسنا وللعالم.
لقد استطاع فواز حداد أن يجعل السخرية بابًا إلى الألم، وأن يحول الحوارات العابرة إلى مرايا تكشف تشوهات السلطة، وأن يضع شخصياته في المسافة القلقة بين ما تريد أن تكونه وما صارت إليه. كما جعل من التباس الواقع بالخيال جزءًا من التجربة الفكرية للرواية، فلا نخرج منها بيقين مريح، ولا نستطيع أن نعيد كل ما قرأناه إلى خانة الوهم.
وفي النهاية، يتركنا أمام سؤال لا يقلقنا بسبب غموضه وحده، بل لأن الإجابة عنه قد تكون أقرب إلينا مما نحب أن نعتقد. فإذا ظننا أننا نتوهم ما نراه، فهل يعني ذلك أن الدمار والموت لم يحدثا؟ أم أن قدرتنا على التصديق هي التي عجزت عن احتمال الحقيقة؟
إن أخطر ما تفعله الرواية أنها لا تسمح لنا بأن نضع المأساة في الماضي، ثم نغلق عليها الباب. فهي تذكرنا بأن الظلام ليس مجرد مكان ناءٍ، ولا زنزانة ذات جدران سميكة، بل نظام من العلاقات والتبريرات والمصالح، يبدأ حين يفقد الإنسان حقه في أن يكون إنسانًا، ويستمر حين يعتاد الآخرون ذلك، أو يجدون له ما يكفي من الأعذار.
أما السخرية، فهي آخر ما يفضح هذا العالم حين تفشل اللغة الجادة في وصفه. إنها تضحك على العميد الذي يخشى الأفكار المستوردة، وعلى المحقق الذي يفاوض ضميره، وعلى السلطة التي تتعامل مع الكرامة كأنها امتياز قابل للسحب. لكنها لا تضحك على الضحايا، ولا تمنح الجلادين براءة فنية. إنها تضعهم أمام حقيقتهم، وتترك القارئ أمام مسؤوليته.
وهكذا، لا نغادر «جمهورية الظلام» وقد انتصرنا على الخوف، ولا لأننا فهمنا كل شيء، بل لأننا أصبحنا أقل استعدادًا للتصالح مع العبث. فربما لا يملك الأدب أن يفتح أبواب الزنازين، لكنه يستطيع أن يمنع إغلاق الوعي عليها. وربما لا يستطيع أن يعيد الموتى إلى الحياة، لكنه يستطيع أن يحول دون موت الحقيقة مرة أخرى.
وفي هذا المعنى، لا تبدو الرواية حكاية عن جمهورية بعيدة، بقدر ما تبدو تحذيرًا من عالم يمكن أن يتكرر كلما تحول الضمير إلى موظف، والإنسان إلى رقم، والعدالة إلى تهمة، والرحمة إلى استثناء يحتاج إلى إذن.
أما السؤال الأخير، الذي يتركه فواز حداد معلقًا في هواء الرواية، فلا يطلب منا جوابًا بقدر ما يطلب منا شجاعة النظر: إذا اعتقدت أنك تتوهمها، فهل كان كل هذا الدمار والموت متخيلًا؟
لعل الجواب الأشد قسوة أن الخيال قد يبالغ أحيانًا في رسم ما يمكن أن يحدث، لكن الواقع يستطيع أن يتجاوز خيالنا، ثم يطالبنا، بكل وقاحة، بأن نصدقه.
وفي جمهورية كهذه، لا يكون الضحك نقيض البكاء، بل وجهه الآخر؛ ولا يكون الشك علامة على ضعف اليقين فحسب، بل محاولة أخيرة لحماية العقل من أن يتحول إلى جزء من الظلام.
فحين يصبح كل شيء قابلًا للتبرير، يغدو السؤال فعل مقاومة. وحين يصبح الضمير مرنًا إلى حد أنه لا يعود يعترض، يصبح التمسك بصلابته ضربًا من النجاة. وحين يتكاثر الموت حتى يبدو عاديًا، يصبح الإصرار على تسميته باسمه، من دون رتوش أو أعذار، واجبًا أخلاقيًا لا يقل أهمية عن الكتابة عنه.
تلك، في ظني، هي قوة «جمهورية الظلام»: أنها لا تكتفي بفضح عالم فقد بوصلته، بل تجعلنا نسأل عن البوصلة التي نحملها نحن، وعن المسافة التي تفصل بين الإنسان وما يستطيع أن يفعله حين يطمئن إلى أن أحدًا لن يسأله.
وفي هذه المسافة، حيث تتوارى الحقيقة خلف الأقنعة، ويختبئ الوحش وراء المبررات، وتبدو النكتة أحيانًا أشد فتكًا من الصرخة، يواصل فواز حداد لعبته الروائية، تاركًا لنا مهمة شاقة: أن نضحك، إذا استطعنا، من دون أن ننسى لماذا نضحك؛ وأن نشك، من دون أن نكذب ما نعرفه؛ وأن نغادر الرواية، إن استطعنا، من دون أن نغادر ضحاياها.
فليست المأساة أن نعيش في الظلام وحده، بل أن نعتاد عتمته إلى الحد الذي نبدأ فيه بالدفاع عنها، ثم نطالب الآخرين بأن يسموا ذلك نورًا.
جمهورية الظلام: حين يصبح الضمير موظفًا في جهاز القمع السخرية السوداء في رواية فواز حداد... الضحك على حافة الهاوية
الناشر :مدونة فكر أديب
-
