حين تهبط الطائرة اضطرارياً وتصعد السياسة إلى قمرة القيادة «فلاي دبي» في السجال الانتخابي الإسرائيلي حادث أمني أم هدية خطابية لنتنياهو؟

حين تهبط الطائرة اضطرارياً وتصعد السياسة إلى قمرة القيادة «فلاي دبي» في السجال الانتخابي الإسرائيلي حادث أمني أم هدية خطابية لنتنياهو؟
في السياسة، لا شيء يضاهي الحادث المفاجئ في قيمته الدعائية. المؤتمر الصحفي يحتاج إلى ترتيب، والخطاب يحتاج إلى كاتب، والوعود تحتاج إلى ذاكرة قصيرة لدى الناخب. أما الخطر، فلا يحتاج إلى كاتب؛ إنه يكتب نفسه بنفسه، ثم يترك السياسيين يتنافسون على من يضع توقيعه أسفل الصفحة. وهكذا جاءت حادثة رحلة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب، في 30 سبتمبر/أيلول 2026، لتسقط على المشهد الإسرائيلي في توقيت شديد الحساسية: الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول تقترب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان قد حذّر قبل الحادث بيوم من احتمال تعرض إسرائيل لهجمات قبل الانتخابات. ثم جاءت الطائرة، بما حملته من ذعر وفوضى ودماء وأسئلة أمنية، وكأنها عبرت من مدرج الطيران إلى خشبة المسرح السياسي في اللحظة التي كانت الأضواء فيها مشتغلة أصلاً. لكن هنا يجب أن نتوقف قبل أن نغلق الستار ونكتب اسم «المؤامرة» على البرنامج. لا توجد، حتى الآن، أدلة موثوقة تثبت أن الحادثة كانت مسرحية مدبّرة لخدمة نتنياهو انتخابياً. التحقيقات ما زالت جارية، وشركة «فلاي دبي» نفسها قالت إن أسباب الواقعة ودوافعها لا تزال مجهولة، ودعت إلى تجنب التكهنات المبكرة. وفي المقابل، قال نتنياهو إن مساعد الطيار حاول إسقاط الطائرة بعد الاعتداء على القائد، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن التحقيقات لم تحسم كل التفاصيل والدوافع. وهنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية. ليست الحكاية فقط: ماذا جرى داخل قمرة القيادة؟ بل: ماذا تفعل الحوادث المخيفة داخل عقل المجتمع عندما تلامس السياسة؟ من الطائرة إلى صندوق الاقتراع القصة، في صورتها الأولية، شديدة الدراما. رحلة «FZ1073» أقلعت من دبي باتجاه تل أبيب، ثم اندلع داخل قمرة القيادة شجار عنيف بين الطيارين. أُصيب القائد، وهو هندي الجنسية، وأُفيد بأن مساعد الطيار، الذي وُصف بأنه عُماني الجنسية، حاول السيطرة على الطائرة. دخلت الطائرة في هبوط حاد، وتدخل ركاب وأشخاص من ذوي الخبرة بالطيران، وانتهى الأمر بهبوط اضطراري في تبوك السعودية. بعد ذلك نُقل المصابون إلى المستشفى، ووصل الركاب إلى إسرائيل بطائرة بديلة. كل شيء في هذه القصة جاهز لصناعة رواية كبرى: طائرة. قمرة مغلقة. طيار مصاب. فأس طوارئ أو سلاح داخل cockpit بحسب الروايات المتداولة. ركاب مذعورون. هبوط حاد. حدود دولية. السعودية. الإمارات. إسرائيل. وجنسية عُمانية تثير سؤالاً أمنياً في إسرائيل، لأن تقارير إسرائيلية قالت إن اتفاق تشغيل الرحلات يشترط أن يكون الطيارون من دول لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بينما لا تقيم سلطنة عُمان علاقات دبلوماسية معها. وهكذا، قبل أن تنتهي التحقيقات، كانت الحادثة قد تحولت إلى ثلاث حكايات في وقت واحد: حكاية طيران. وحكاية أمن. وحكاية انتخابات. وهنا تبدأ السياسة في حبها الأبدي للحوادث التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح. السياسة تحب كلمة «تهديد» ليس لأن السياسيين يصنعون كل الأخطار، كما توحي أحياناً نظريات المؤامرة الكسولة، بل لأن الخطر الحقيقي يمنح الخطاب السياسي شيئاً لا تمنحه ملفات الاقتصاد والخدمات والضرائب والموازنة: الاختصار. في الاقتصاد، يحتاج السياسي إلى عشرات الجداول حتى يقنعك أن شيئاً ما تحسن. أما في الأمن، فيكفي أن يقول: «هناك خطر». انتهى البيان. الخوف أكثر سرعة من التحليل. والقلق لا ينتظر التدقيق. وهذا من أقدم أسرار النفس السياسية: عندما يشعر الإنسان بأنه مهدد، يتقلص العالم في رأسه. تتراجع التفاصيل، ويصبح السؤال بسيطاً إلى حد مخيف: من يحميني؟ وهنا تكتسب شخصية رئيس الحكومة، في النظام السياسي الإسرائيلي، حساسية خاصة؛ لأن الأمن ليس ملفاً عادياً في الوعي العام، بل جزء من الذاكرة الجمعية، ومن صورة الدولة عن ذاتها، ومن التجارب التاريخية التي جعلت سؤال «هل نحن آمنون؟» سؤالاً سياسياً يومياً. ولذلك جاءت الحادثة في بيئة ذهنية جاهزة لاستقبالها. قبلها بيوم فقط، كان نتنياهو يتحدث من قاعدة تل نوف الجوية، قائلاً إن لديه مؤشرات على أن «الأعداء» قد يحاولون مهاجمة إسرائيل قبيل الانتخابات في 27 أكتوبر. ثم وقعت حادثة الطائرة في اليوم التالي. هذا التتابع الزمني وحده كافٍ لأن يشعل ماكينة التأويل. لكنه ليس دليلاً في ذاته على وجود علاقة سببية. فالإنسان، بطبيعته، يعشق أن يربط نقطتين على الورق بخط مستقيم. حتى لو لم يكن بينهما شيء. وهنا يظهر نتنياهو استثمر نتنياهو فوراً في الجانب البطولي والأمني من الحادثة. أشاد بالطيار الهندي الذي نجا من الاعتداء واعتبر أن تصرفه ساهم في إنقاذ الركاب، كما رحّب بالركاب الذين تدخلوا في قمرة القيادة، وأكد أن إسرائيل ستشارك في التحقيق. من الناحية السياسية، هذه اللغة شديدة الانسجام مع صورة السياسي الذي يريد أن يقدم نفسه بوصفه الرجل القادر على التعامل مع التهديدات. مرة أخرى: هذا لا يثبت أنه دبّر الحادثة، ولا أن الحادثة صُنعت من أجله. لكنه يوضح لماذا يمكن لحادثة كهذه أن تتحول بسرعة إلى مادة خطابية. فالسياسي لا يحتاج بالضرورة إلى صناعة الحدث؛ يكفي أحياناً أن يجد نفسه واقفاً بالقرب منه عندما تدق صفارات الإنذار. إنها إحدى المفارقات الساخرة في السياسة: قد تقضي شهوراً تبحث عن قضية انتخابية، ثم يأتيك خبر عاجل في صندوق معدني على ارتفاع 30 ألف قدم. وفجأة يصبح الأمن هو المرشح الذي لا يحتاج إلى حزب. المفارقة الكبرى: من أنقذ الطائرة؟ هنا تتحول القصة من مأساة محتملة إلى درس اجتماعي شديد الدلالة. لقد احتاج الأمر، بحسب الروايات المنشورة، إلى شجاعة القائد المصاب، وتدخل ركاب، ووجود أشخاص ذوي خبرة بالطيران، ثم هبوط اضطراري في السعودية. أي أن المجتمع المدني نفسه دخل إلى قلب الأزمة، لا الأجهزة وحدها. وهذه نقطة تستحق التأمل. في الخطابات السياسية، تبدو الدولة دائماً مثل جسد له رأس واحد: الحكومة، الجيش، الأجهزة الأمنية. لكن في الأزمات الحقيقية، يتبين أن الدولة شبكة ضخمة من البشر العاديين. طبيب. راكب. عامل. سائق. موظف. طيار احتياطي. شخص قرأ ذات يوم شيئاً عن الطيران. إنقاذ العالم، أحياناً، لا يبدأ من غرفة العمليات المركزية. قد يبدأ من المقعد 14A. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات سخرية في المشهد: الخطاب السياسي يريد أن يشرح لنا أن الأمن صناعة ضخمة تتطلب مؤسسة قوية، ثم تأتي لحظة الحقيقة فيجد الجميع أنفسهم متعلقين بشجاعة أفراد لم يكن أحد يعرف أسماءهم قبل دقائق. حتى البطولة نفسها لا تحب البروتوكول. قصة الجنسية: عندما يصبح جواز السفر بطلاً في الرواية دخلت جنسية مساعد الطيار بسرعة إلى قلب السجال. تقارير إسرائيلية تحدثت عن كونه عُمانياً، وعن كيفية السماح لشخص من دولة لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل بأن يكون ضمن طاقم رحلة إلى تل أبيب، في وقت أفادت فيه مصادر إسرائيلية بأن اتفاق «فلاي دبي» يفرض قيوداً على جنسيات الطيارين العاملين على هذا الخط. ومن هنا ولد سؤال منطقي ومشروع: إذا كان الاتفاق صحيحاً، فمن سمح بالخرق؟ لكن السؤال المشروع شيء، وتحويله فوراً إلى قصة مكتملة شيء آخر. لأن هناك فارقاً هائلاً بين: «حدث خرق للإجراءات». و «كان الخرق جزءاً من مخطط إرهابي». وبينهما مساحة كاملة اسمها: التحقيق. وهذه المساحة تكرهها وسائل الإعلام السريعة، وتكرهها الحملات الانتخابية أكثر. فالتحقيق بطيء، أما العنوان فعداء السرعة نفسه. التحقيق يقول: «ننتظر الأدلة». العنوان يقول: «الصدمة الكبرى!». التحقيق يقول: «الملابسات لم تُحسم». السياسة تقول: «كنا نحذر». وبين الجملتين تتشكل الرواية العامة. الجمهور لا يشتري الواقعة، بل يشتري تفسيرها وهنا ندخل إلى الجانب النفسي. الحوادث الأمنية الكبيرة تنتج ما يمكن تسميته الحاجة إلى الإغلاق النفسي. الناس لا تحتمل الفراغ طويلاً. حين تحدث كارثة مفاجئة، يظهر سؤال فوري: من فعلها؟ لماذا؟ هل كان هناك مخطط؟ هل هناك آخرون؟ هل كنا مخترقين؟ هل الخطر أكبر مما نعرف؟ وعندما لا توجد الإجابة، يبدأ العقل بملء الفراغ. وهذه من أكثر آليات التفكير البشري بداهة وخطورة في آن. كلما زاد الخوف، زادت الرغبة في قصة واضحة. القصة المعقدة متعبة. أما القصة البسيطة، فتريح. «عدو». «مؤامرة». «بطل». «إنقاذ». «حكومة حذرت». «وهكذا ثبت أن التحذير كان صحيحاً». إنها حبكة ممتازة. بل ممتازة إلى درجة أن السيناريست قد يغار منها. لكن الواقع السياسي ليس سينما. في الحياة، قد تكون الحادثة ناتجة عن دافع فردي، أو تطرف، أو أزمة شخصية، أو خلل مهني، أو ثغرة أمنية، أو مزيج من أكثر من عامل. وقد يكتشف التحقيق لاحقاً أن بعض الانطباعات الأولى كانت صحيحة، وبعضها كان خطأ، وبعضها مجرد شائعة ارتدت بدلة رسمية. ولهذا كان بيان «فلاي دبي» الذي دعا إلى تجنب التكهنات مهماً للغاية من الناحية المنطقية: المؤسسة قالت إن الأسباب والدوافع غير معروفة بعد. أما السخرية، فتبدأ هنا تخيّل المشهد، لا بوصفه خبراً، بل بوصفه مسرحية هزلية متخيلة. تفتح الستارة. الانتخابات على الأبواب. مؤسسات الاستطلاع تعمل. المرشحون يتحدثون. المعلّقون يرفعون أصواتهم. ثم يرن الهاتف. «سيدي، هناك طائرة في ورطة». يرد المسؤول: «كم تبعد عن موعد الانتخابات؟» «حوالي أربعة أسابيع». صمت قصير. «ممتاز». ثم يضيف: «أقصد… يا لها من كارثة». يدخل مساعد آخر يحمل ملفاً. «وماذا عن الجنسية؟» «عُماني». يصمت الجميع. ثم ينظر أحدهم إلى الآخر. «هل لدينا فقرة عن الإرهاب؟» «لدينا ثلاث». «زدها إلى سبع». هذه بالطبع صورة ساخرة متخيلة، وليست وصفاً لما جرى فعلياً. لكنها تكشف شيئاً حقيقياً في السياسة الحديثة: لا يحتاج السياسي إلى اختراع الحدث دائماً؛ أحياناً يكفي أن تأتيه الواقعة من تلقاء نفسها وهو يعرف كيف يضعها داخل القصة التي يريد أن يحكيها. وهذا هو الفارق بين صناعة الحادثة وصناعة معناها السياسي. الأولى تحتاج إلى أدلة خطيرة. والثانية تحتاج إلى ميكروفون. هل يمكن أن تكون «مسرحية»؟ السؤال الذي يقترحه النص هو الأكثر إثارة، والأكثر حاجة إلى الانضباط: ماذا لو كانت الحادثة مسرحية هزلية قبيل الانتخابات؟ بوصفه تمريناً تخيلياً، يمكن بناء السيناريو. يمكن افتراض أن حادثة بهذا التعقيد قد تكون مفيدة سياسياً لأنها تعيد النقاش العام إلى المنطقة التي يملك فيها نتنياهو رصيداً خطابياً وسياسياً كبيراً: الأمن والتهديد الخارجي. يمكن افتراض أن اقتران الحادثة بتحذيراته السابقة سيخلق لدى بعض الجمهور انطباعاً بأن الرجل «كان يعرف». يمكن افتراض أن إثارة ملف جنسية الطاقم يمكن أن تحول الحادثة من مأساة طيران إلى قضية «فشل أمني». يمكن افتراض أن استقبال الركاب والأبطال في مطار بن غوريون يوفر صورة تلفزيونية مثالية لرئيس الحكومة في لحظة خوف وامتنان. لكن كل هذا يظل تحليلاً لآلية الاستفادة السياسية، لا دليلاً على صناعة الحادثة. ثم يأتي السؤال الأصعب: لو كانت مؤامرة مدبرة فعلاً، فكم شخصاً يحتاج الأمر كي تنجح؟ شركة طيران. طياران أو أكثر. جهات أمنية. مسافرون. مطارات. مسار جوي. سلطات سعودية. سلطات إماراتية. شبكات اتصال. تحقيقات متعددة. ثم آلاف الركاب والموظفين الذين يمكن أن تتفكك الرواية أمامهم في أي لحظة. كلما كبرت المؤامرة، زادت حاجتها إلى الصمت. وكلما زاد عدد المشاركين، صار الصمت أكثر تكلفة. وهنا تأتي قاعدة منطقية بسيطة: التفسير الذي يحتاج إلى عشرات الأسرار يحتاج إلى أدلة أكثر من التفسير الذي يحتاج إلى حادث واحد. وهذا لا يجعل المؤامرة مستحيلة. لكنه يجعل عبء الإثبات عليها أعلى بكثير. المشكلة ليست فقط في نتنياهو من السهل جداً أن نضع كل شيء على مكتب نتنياهو. وهذه، في حد ذاتها، عادة سياسية خطرة. فحتى لو اتهمت المعارضة الحكومة باستغلال الحادثة سياسياً، فإن ظاهرة تحويل الخوف إلى مادة انتخابية لا تخص حزباً واحداً ولا بلداً واحداً. المشكلة أوسع. إنها مشكلة المجتمع الإعلامي كله. الإعلام يريد المشاهدة. الجمهور يريد تفسيراً. السياسي يريد رسالته. ومنصة التواصل الاجتماعي تريد الغضب. وبين هؤلاء الأربعة يصبح الخبر قطعة لحم تتنازعها أربعة كلاب جائعة. الحقيقة نفسها قد تكون أقل جاذبية. لا أحد يريد أن يقرأ: «التحقيقات مستمرة، والدافع غير واضح». هذه جملة سليمة. لكنها ليست مثيرة. أما: «مخطط سري لاستهداف الطائرة قبل الانتخابات!» فهي جملة تعرف كيف تتكاثر. تدخل هاتفاً، ثم ألف هاتف، ثم تصبح في المساء جزءاً من «ما يعرفه الجميع». والجملة التي «يعرفها الجميع» قد لا تكون قد أثبتها جهة واحدة. الخوف كعملة انتخابية المجتمع الذي يعيش طويلاً تحت ضغط التهديد يتطور داخله اقتصاد خاص للخوف. الخوف يصبح لغة. وصورة. ونبرة صوت. وشريطاً إخبارياً. وقد يتحول، دون قصد، إلى بطاقة انتخابية. وكلما اقترب موعد التصويت، تضيق المسافة بين الأمن والسياسة. وفي الحالة الإسرائيلية، يأتي حادث «فلاي دبي» في هذا السياق بالذات. الانتخابات محددة في 27 أكتوبر، والحادث وقع قبلها بأربعة أسابيع تقريباً، بعد تحذير نتنياهو بيوم واحد من احتمال استهداف إسرائيل قبل الاقتراع. هذه المصادفة الزمنية هي ما جعل الحدث شديد القابلية للدخول في السجال الانتخابي. وقد اتهم خصوم نتنياهو الحكومة أو أنصارها بمحاولة استخدام الحادثة لخدمة مكاسب سياسية، بينما شددت الحكومة على البعد الأمني وبدأت إجراءات تحقيق واسعة شملت جهات إسرائيلية عدة، فيما علقت «فلاي دبي» رحلاتها مؤقتاً إلى إسرائيل إلى حين استكمال التحقيقات. المهم هنا ليس تحديد «الرابح السياسي» في هذه اللحظة، فهذا حكم يحتاج إلى بيانات انتخابية لاحقة لا إلى انطباعات. المهم هو أن الحادثة أعادت الأمن إلى مركز النقاش، وهذا في حد ذاته تأثير سياسي ذو معنى. المفارقة السعودية ثم هناك فصل آخر في الحكاية، وربما أكثرها شاعرية وسخرية. طائرة تحمل إسرائيليين تبدأ رحلتها من دبي. تضطرب في الجو. ثم تهبط اضطرارياً في السعودية. بل في بلد لا تربطه بإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية. وتصبح المملكة، ولو لساعات، محطة إنقاذ في قصة كان يمكن أن تنتهي بكارثة. ما أشد غرابة الجغرافيا حين تتراجع السياسة أمام الضرورة. الحدود التي تبدو في نشرات الأخبار صلبة مثل الحديد، تصبح في حالة الطوارئ مجرد خطوط على شاشة. الطائرة لا تعرف العقائد. المحرك لا يعرف التحالفات. والجريح لا يسأل المسعف عن موقفه من التسويات الإقليمية. في لحظة الخطر، يتحول الشرق الأوسط من خريطة سياسية إلى غرفة إسعاف. وهذا ربما هو أبلغ درس اجتماعي في الحادثة كلها. من «الإرهاب» إلى «المسرحية».. مشكلة الكلمات الكبيرة هناك مشكلة أخرى في كل هذا السجال. الكلمات الكبرى تسبق أحياناً الأدلة. «هجوم إرهابي». «مخطط». «تطرف». «مؤامرة». «تهديد انتخابي». كل كلمة منها تحمل معها عالماً من المعاني. واللغة ليست بريئة. حين تسمي الحادثة «عملاً إرهابياً»، فأنت لا تصف فقط؛ أنت تقدم إطاراً تفسيرياً كاملاً وحين تسميها «حادثاً فردياً»، فإنك تقدم إطاراً آخر. وحين يسميها طرف «استغلالاً سياسياً»، فهو أيضاً لا يصف فقط، بل يوجه عين الجمهور إلى زاوية معينة. لهذا تصبح المسؤولية الإعلامية أثقل من المعتاد. ليس المطلوب قتل القصة. بل حماية القصة من أن تتحول إلى شيء آخر. أن نروي ما نعرفه. ونقول بوضوح ما لا نعرفه. ونترك ما لا نعرفه في مكانه، بدلاً من ملئه بخيالنا. وأين يقف نتنياهو بين كل ذلك؟ الحادثة تمنح نتنياهو فرصة خطابية واضحة لإعادة تثبيت ثلاث رسائل: أن التهديدات المحيطة بإسرائيل حقيقية. أن التحذيرات الأمنية ليست وهماً. وأن القيادة في أوقات الأزمات تحتاج إلى من يمسك بالمقود. لكن في المقابل، تفتح الحادثة باباً آخر للسؤال عنه. إذا كان ثمة خرق فعلي في إجراءات اختيار الطواقم، فالسؤال لا يعود فقط: «من هاجم الطائرة؟» بل أيضاً: كيف مرّ؟ ومن المسؤول عن سلسلة الفحوص؟ ومن وافق؟ وهل كانت هناك إشارات سبقت الحادث؟ وهل المؤسسات التي يفترض أن تمنع الخطر قامت بدورها؟ وهنا تنقلب القصة على من يحاول الاستفادة منها. فالخطر، عندما ينتهي، يترك خلفه فاتورة. وقد تتحول لحظة البطولة إلى لحظة مساءلة. وهذا هو الوجه المزدوج للحدث: قد تكون فيه مساحة للرسالة السياسية، وفي الوقت نفسه مساحة أكبر للمحاسبة المؤسسية. أما فكرة «المسرحية»، فليست بحاجة إلى تصديقها كي نفهم مغزاها ربما تكون أفضل طريقة لقراءة فرضية «المسرحية الهزلية» ألا نسأل فوراً: هل حدثت المؤامرة؟ بل نسأل: لماذا تبدو فكرة المؤامرة مغرية أصلاً؟ لأن الجمهور الذي يعيش في عصر السياسة المسرحية أصبح يشك حتى في صدفة الأحداث. ولأن السياسيين، عبر عقود، استخدموا الأزمات لتغيير الأجندات. ولأن وسائل الإعلام تضخم اللحظات الدرامية. ولأن الذاكرة الجمعية تعرف كيف تحفظ صورة الرجل في اللحظة التي يواجه فيها الخطر، أكثر مما تحفظ صورة الرجل في جلسة برلمانية مملة. ولأن الانتخابات تجعل كل صدفة تبدو وكأنها وصلت في الموعد الذي كان ينتظره أحدهم. لكن هناك فارقاً بين قابلية الحدث للاستغلال السياسي وبين ثبوت تدبيره سياسياً. الأولى يمكن ملاحظتها. الثانية تحتاج إلى أدلة. وبين الملاحظ والمثبت تقع مساحة اسمها العقل. الطائرة هبطت.. لكن الروايات ما زالت تحلّق انتهت الرحلة اضطرارياً في تبوك. عاد الركاب إلى إسرائيل. وأعلنت «فلاي دبي» تعليق رحلاتها مؤقتاً إلى إسرائيل بينما تتواصل التحقيقات. وأعلنت شركات إسرائيلية أخرى استعدادها للمساعدة في إعادة المسافرين العالقين. أما الرواية السياسية، فلم تهبط بعد. هي ما زالت في السماء. كل طرف يحاول أن يقودها نحو مطاره الخاص. الحكومة تراها دليلاً على استمرار التهديد. المعارضة تراها مناسبة للتحذير من استغلال الأمن في الدعاية. المؤسسات الأمنية تبحث عن خلل محتمل في الإجراءات. الصحافة تبحث عن القصة الأكثر إثارة. والجمهور يجلس في مقاعده، ينظر عبر النافذة، ويحاول أن يعرف: هل ما يراه سحابة، أم دخان، أم مجرد ظلّ على الزجاج؟ أما فرضية أن تكون الحادثة «مسرحية انتخابية»، فهي حتى الآن، في حدود المعلومات المعلنة، فرضية ساخرة أكثر منها حقيقة مثبتة. وربما تكمن عبقرية السخرية هنا في أنها لا تحتاج إلى إثبات المسرحية؛ يكفي أن تسأل كيف يمكن لحادث حقيقي، أو حتى كارثة حقيقية، أن تتحول في لحظة إلى ديكور سياسي. وهنا المفارقة الأخيرة: الطائرة كادت تسقط بسبب صراع داخل قمرة القيادة. والسياسة قد لا تحتاج إلى طائرة كي تدخل قمرة القيادة نفسها. ففي الطيران، هناك قاعدة بسيطة: لا يجوز أن يتولى المقود شخصان في وقت واحد. وفي السياسة، يبدو أن القاعدة معكوسة تماماً: قد يتنازع الجميع على المقود، ثم يطلبون من الركاب أن يصفقوا لمن بقي واقفاً عندما انتهت الهزة. ولهذا فإن السؤال الأكثر نضجاً ليس: هل كانت الحادثة مؤامرة؟ ولا: هل أنقذ نتنياهو الموقف؟ ولا: هل استفاد أحد انتخابياً؟ السؤال الأهم هو: كم من الوقت يستطيع مجتمع خائف أن يظل قادراً على التمييز بين الخطر الحقيقي والرواية التي تُبنى حوله؟ ذلك هو الاختبار الأصعب. لأن الطائرة يمكن أن تهبط اضطرارياً. أما الوعي، فلا يملك دائماً مدرجاً قريباً. وحين تختلط صفارات الإنذار بأبواق الانتخابات، يصبح أخطر ما في المشهد ليس ما حدث في السماء، بل ما يمكن أن يحدث في عقول الناس على الأرض. هناك، في الداخل، تبدأ الرحلة الأطول. رحلة لا تحتاج إلى «فلاي دبي». ولا إلى قمرة قيادة. ولا حتى إلى طيار. يكفيها خوف واحد، عنوان واحد، وذاكرة جماعية اعتادت أن تنظر إلى السماء، وتبحث دائماً عن شيء قادم. و أخيرا يظهر ترمب المنتج للأفلام الصهيونية . يظهر و يهنأ نتنياهو على نجاح المسرحية .

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال