الحب في إسبانيا المتعة للجسد والخيال

الحب في إسبانيا المتعة للجسد والخيال
ليس الحب في إسبانيا مجرد عاطفة عابرة، ولا هو انفعالٌ رقيق يمرّ بالقلب ثم يذوب في الصمت، بل هو قوةٌ حيّة، تتخذ أحيانًا هيئة الغناء، وأحيانًا هيئة التمرّد، وأحيانًا هيئة الجسد وهو يطلب لذّته، وأحيانًا هيئة الخيال وهو يشتهي المستحيل. وفي هذه البلاد التي عرفت الشمس الحادّة، والظلّ العميق، والدمَ القَلِق، والروحَ المائلة إلى المغامرة، تشكّل الحب في الأدب كما لو كان قدرًا وامتحانًا معًا. ومن هنا ولدت شخصيات خالدة، لا تمثل أفرادًا بعينهم بقدر ما تمثل نزعات بشرية متطرفة، كأن الأدب الإسباني أراد أن يقول إن الإنسان لا يُفهم إلا إذا انكشف في أقصى درجات شهوته وأحلامه، في أرقّ لحظات ضعفِه، وفي أكثر لحظات جنونه صفاءً. ومن أبرز هذه الشخصيات دون جوان، ذلك الاسم الذي تجاوز أصله الأدبي حتى صار صفةً إنسانية عامة، تُطلق على كل رجل يجعل من التلذذ بالمغامرة العاطفية غايته، ومن استمالة النساء لعبةً تُثبت له وهم القوة والسيطرة. وقد صاغ تيرسو دي مولينا هذه الشخصية من مادة الشعب، واستخلصها من التربة الإسبانية نفسها، ثم دفع بها إلى المسرح الأدبي في مسرحية "فاجر أشبيلية"، فخرجت من حدود الحكاية المحلية إلى أفق الرمز العالمي. ولم يكن دون جوان مجرد عاشقٍ عادي، بل كان كائنًا مخلوقًا من لهب الجاذبية والغرور، من الجرأة والتهكم، من خفة الروح وقسوة القلب. كان يعرف كيف يُغري، وكيف يَعِد، وكيف يفلت من الالتزام كما يفلت الماء من الكفّ المفتوحة. وقد أحسن تيرسو صنعًا حين جعل لهذه الشخصية ماضيا مضطربًا ونشأةً مشروخة، لأن الإنسان الذي ينشأ في بيتٍ محطم كثيرًا ما يحمل في داخله شهوةً خفية إلى تعويض الفقد بالافتراس. فدون جوان لم يتعلم الحب في حضنٍ دافئ، ولم يعرفه قيمةً روحيةً سامية، بل عرفه من خلال غيابه، ومن خلال صورته المنكسرة، ومن خلال تحوّله إلى وسيلةٍ للانتصار على الفراغ الداخلي. لذلك كان يقترب من النساء كما يقترب الصياد من الفريسة، لا ليرى روحها، بل ليقتنص اهتزازها. إنه لا يحب بقدر ما يفتح جبهةً جديدة في حربه ضد العالم، ضد القيم، ضد الأب، ضد المعنى نفسه. وفي لحظةٍ من لحظات الاستهتار، بلغ هذا التمرّد ذروته. فقد اعتدى على فتاة من أسرة نبيلة، ثم قتل أباها حين حاول أن يثأر لكرامته. وهنا لم يعد الأمر مجرد انحرافٍ أخلاقي، بل صار إشارةً إلى انقلابٍ كامل في النظام الرمزي للمجتمع: الأب هنا ليس شخصًا وحسب، بل هو القانون، والسلطة، والحدّ الذي يوقف الرغبة عند حدودها. ودون جوان حين يقتله فكأنه يعلن تمرد الجسد على الضمير، وتمرد اللذة على النظام، وتمرد الفرد على كل ما يربطه بالمسؤولية. لكن الأدب لا يترك مثل هذا التمرّد بلا عقاب، لأن كل اندفاعٍ نحو اللانهاية ينتهي إلى صخرةٍ صلبة. لذلك جاءت حادثة التمثال فوق القبر، تلك الصورة التي تختصر عبقرية المسرح الإسباني في استحضار الموت داخل اللحظة العابثة. فحين دعاه دون جوان إلى العشاء ساخرًا، لبّى التمثال الدعوة شبحًا ونذيرًا. وهناك، عند العتبة الفاصلة بين المرح والمصير، أدرك دون جوان أن الاستهتار قد يتحوّل إلى هاوية. لقد كان التمثال هو الضمير المتجسّد، أو الموت الذي أطلّ على اللذة وهي في ذروة غطرستها، فأوقفها عند حدّها الأخير. ومن هنا غدت شخصية دون جوان عالمية، لأنها لم تعد تخصّ إسبانيا وحدها، بل صارت صورةً متكررةً في ثقافات العالم كلّه. وفيها رأى الناس نموذجًا للرجل الذي يهرب من الحب الحقيقي إلى صيده العابر، ومن الوفاء إلى التعدد العبثي، ومن بناء العلاقة إلى استهلاكها. وقد رأى بعض النقاد فيه ثائرًا على صورة الأب، وآخرون فيه ابنًا مشدودًا إلى أمٍّ متخيَّلة لا يجدها إلا في التملك والتحطيم، وغيرهم اعتبره رجلًا مصابًا بالعجز، يعوّض نقصه بالتباهي بالمغامرات. لكن هذه القراءات كلها، على اختلافها، تتفق في شيء واحد: أن دون جوان ليس عاشقًا بريئًا، بل مأزقٌ نفسيٌّ وأخلاقيٌّ معًا، يجمع بين الرغبة في الامتلاك والرغبة في الهرب، بين البحث عن المتعة والخوف من الارتباط، بين الإغواء والإفلاس الداخلي. ولم يظلّ هذا النموذج حكرًا على الرجال، بل انتقل إلى النساء أيضًا، فظهرت دونا جوانا في بعض الآداب الإسبانية، لتؤكد أن الشهوة والرغبة في السيطرة على الآخر ليست حكرًا على جنس دون جنس، بل هي قابلية إنسانية حين تفقد العاطفة براءتها، وتتحول إلى أداة هيمنة. وهنا تتسع الدلالة الاجتماعية للمسألة، إذ لم يعد الأمر حديثًا عن رجلٍ يطارد النساء، بل عن مجتمعٍ كامل يخلط بين الحب والتملك، وبين الجمال والافتراس، وبين الجاذبية والسلطة. فالحب حين ينفصل عن الأخلاق يصبح لعبة قاسية، وحين ينفصل عن الاحترام يغدو مرآةً لغرور النفس لا نافذةً على الآخر. وعلى الضفة الأخرى من هذا العالم المتوهج بالرغبة، تقف شخصية دون كيشوت، وكأن الأدب الإسباني أراد أن يضع أمامنا صورتين متناقضتين للإنسان: صورة الجسد الذي يطارد اللذة، وصورة الخيال الذي يطارد المثال. وقد أبدع سرفنتيس هذه الشخصية كما لو أنه استخرجها من قلب الحلم الإسباني نفسه، فصاغ فارسًا هزيل الجسد، عظيم الوهم، قرأ كثيرًا من كتب الفروسية حتى اختلطت عنده الحدود بين الواقع والأسطورة. لم يعد يرى العالم كما هو، بل كما ينبغي أن يكون في نظر الفروسية القديمة. كان يؤمن أن الشر يمكن محاربته، وأن المظلوم يمكن إنقاذه، وأن العالم، رغم فوضاه، لا بد أن يحمل في داخله معنى للعدالة. ولهذا خرج دون كيشوت إلى الطريق، لا بصفته رجلًا يبحث عن مغامرة شخصية، بل كمن يريد أن يردّ الكون إلى النظام الذي يحلم به. وحين رأى فلاحًا يعذب خادمه لأنه طالبه بأجره، ثارت فيه الشهامة، فتدخّل وأجبر الفلاح على فكّ وثاقه، ثم أخذ عليه العهد ألا يعود إلى ظلمه. لكن الظلم، كما يعلم الواقع، لا يزول بالعهد وحده، والشرّ لا يختفي لمجرد أن فارسًا طيبًا أراد له ذلك. فحالما غاب دون كيشوت عاد الفلاح إلى أفعاله، وبقيت الحياة كما هي. هنا تظهر مأساة الحالم النبيل: فهو يرى العالم بعينين أصفى من العالم نفسه، ويطلب من الواقع أن يطابق حلمه، ثم يصطدم بصلابته. لكنه مع ذلك لا يتراجع، لأن الإنسان لا يعيش بالواقع وحده، بل بما يتوهمه من إمكانية إصلاحه. وإلى جانب هذا الفارس، وقف سانشو بانثا، التابع البسيط، الأرضيّ، العملي، الذي يملك حسًا يوميًّا لا يصدق الخيال إلا بقدر ما ينفعه. كان بينه وبين سيده فرقٌ شاسع، ومع ذلك صحبه، لأن الإنسان أحيانًا يحتاج إلى من يوازنه بين الحلم والتراب. وقد وعده دون كيشوت بجزيرةٍ يحكمها، حين يفتح له أبواب المجد الإمبراطوري. وهنا تظهر المفارقة الجميلة: الفارس يحلم بالممالك، والتابع يحلم بلقمةٍ ومكانة، وكلاهما يسير في الطريق ذاته، لكن كلًّا منهما يحمل خريطته الخاصة للعالم. إن هذه العلاقة بين الحالم والواقعي، بين المثال والمصلحة، هي في الحقيقة صورة مكثفة للمجتمع الإنساني كله. ولا يكتمل عالم دون كيشوت دون دولثينيا، تلك الفتاة الريفية التي رفعها خيال الفارس إلى مرتبة المحبوبة المثالية. لم تكن عنده امرأة عادية، بل كانت رمزًا للنقاء والسمو والفتنة المعنوية، وكان يتحدث عنها كما لو كانت كائنًا من نور. وقد قال لسانشو إنه أحبها اثني عشر عامًا ولم يرها إلا مرات قليلة، ومع ذلك بقي حبّه لها أفلاطونيًا، لا تلوثه الشهوة بل يرفعه التوق. أما سانشو، بعينيه الواقعتين، فكان يرى الفتاة على نحوٍ مختلف تمامًا، ويردّها إلى أصلها الأرضي، فيسخر من الصورة المتخيلة التي رسمها سيده. وهنا تتجلى إحدى أعذب مفارقات الأدب: أن المرأة الواحدة قد تكون في آنٍ واحد موضوعًا للحلم، وموضوعًا للسخرية، وموضوعًا للتأويل الاجتماعي، وأن الحب ليس ما نراه في الآخر، بل ما نُسقطه عليه من صورنا الداخلية. وقد بلغ عبث الخيال عند دون كيشوت أنه تحدى التجار في الطريق، ظنًّا منهم فرسانًا جوالين مثله، وأراد أن يحملهم على الإقرار بأن دولثينيا أجمل نساء الأرض. وحين طلبوا أن يروها قبل أن يحكموا، رفض، لأن حكمه كان صادرًا من قلبه لا من العين. وكانت النتيجة أن انهالوا عليه ضربًا مبرحًا، وبقي أيامًا يضمد جراحه. ومع ذلك لم يتعلم بسهولة، لأن الخيال عنده لم يكن كذبة، بل حاجة روحية إلى المعنى. فالمأساة الحقيقية ليست أن الإنسان يحلم، بل أن الحلم يصطدم بالعالم فينكسر، ثم ينهض صاحبه ليحلم من جديد. ولأن دون كيشوت كان خياليًا، فقد كان أيضًا، على نحوٍ paradoxical، شديد الحساسية تجاه الجسد والرغبة. ففي مشهدٍ طريف، حين كان يسير في حجرة نومه ملفوفًا بلحافه، وقد غطّى رأسه بقبعة صوفية، ودخلت عليه السيدة رودريغيز، شعر الاثنان بخطرٍ مباغت. وسألها سؤالًا يكشف قلق الفضيلة أمام الجاذبية: كيف يكون الرجل في مأمن وهو ليس من رخام، والمرأة ليست من نحاس، والليل ليس نهارًا؟ هنا يطلّ علينا الإنسان بكل ضعفه، مهما لبس من درع الشرف أو من عباءة المثال. فحتى الفارس الحالم لا ينجو تمامًا من ارتجافة الجسد، لأن الطبيعة أقوى من الخطاب، ولأن الرغبة كامنة في أعماق أكثر الشخصيات طهارةً. ثم يمضي دون كيشوت في مغامراته حتى يسقط، ويكتشف في النهاية أن القتال الحقيقي ليس مع طواحين الهواء، بل مع الأوهام التي ننسجها عن أنفسنا وعن العالم. لكن سقوطه ليس هزيمةً كاملة، لأن هذا الفارس المضحك الباكي ترك في الأدب معنى عميقًا: أن الإنسان لا يُقاس بواقعيته فقط، بل بقدرته على اختراع معنى أسمى من واقعه. إنه الرجل الذي أخطأ التقدير، لكنه لم يخطئ الحلم. وهكذا، حين ننظر إلى دون جوان ودون كيشوت، نرى إسبانيا بوجهين متقابلين: وجه الجسد ووجه الخيال، وجه الانغماس في اللذة ووجه التحليق نحو المثال. الأول يطلب المرأة بوصفها متعةً وميدانًا للغلبة، والثاني يرفعها إلى مرتبة الحلم والطهر. الأول يعيش في حرارة اللحظة، والثاني يعيش في ضوء الوهم الجميل. وبينهما تتشكل صورة الإنسان الإسباني كما تخيله الأدب: حادّ الحس، سريع الانفعال، مائل إلى التطرف، لا يرضى بالنصف، ولا يسير في الطريق المستقيم إلا وهو يحمل في داخله طريقًا آخر مغايرًا. ومن هنا يصبح الحب في إسبانيا أكثر من علاقة بين رجل وامرأة. إنه مرآةٌ للروح القلقة، ومسرحٌ للنزاع بين الجسد والخيال، بين الشهوة والمثال، بين التملك والتضحية، بين الواقع والحلم. إنه نغمةٌ تتردد في الغناء الشعبي، وصورةٌ تتجسد في المسرح، وجرحٌ قديم في الوعي الإنساني. ولذلك بقيت الشخصيات الإسبانية الكبرى، مثل دون جوان ودون كيشوت، حيّةً في الذاكرة العالمية، لأنها لم تخرج من زمنها فحسب، بل خرجت من حدودها لتصير أشكالًا أبديةً للإنسان نفسه: حين يعشق، وحين يتوهم، وحين يخطئ، وحين يحلم.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال