«نحن بشر» بين الدراما والواقع حين يستدرّ الفن الدموع ولا يداوي الجراح قراءة نقدية نفسية واجتماعية في فيلم يبحث عن الإنسان ويغفل قضيته

«نحن بشر» بين الدراما والواقع حين يستدرّ الفن الدموع ولا يداوي الجراح قراءة نقدية نفسية واجتماعية في فيلم يبحث عن الإنسان ويغفل قضيته
ليست قيمة العمل الفني فيما يثيره من دموع، وإنما فيما يتركه من أسئلة، وما يفتحه من آفاق للفهم والتغيير. فقد يبكي الإنسان وهو يشاهد مأساة عابرة، لكنه لا يخرج منها أكثر وعياً ولا أكثر قدرة على فهم أسبابها. ومن هنا يبدأ الحديث عن فيلم «نحن بشر»، وهو عمل درامي كتب قصته الأديب إبراهيم الورداني، ثم صاغها كاتب آخر في قالب سينمائي، وكتب حوارها بما يناسب شخصياتها ومواقفها، قبل أن يتولى المخرج إبراهيم عمارة تحويل الكلمات إلى لغة الصورة، حيث تتجسد المشاعر في الوجوه، وتتحدث الظلال كما تتحدث العبارات. تبدو القصة في ظاهرها إنسانية مؤثرة؛ فهي تروي سيرة طفل لفظته أسرته، وأدار له المجتمع ظهره، فوجد نفسه وحيداً في صحراء الحياة القاسية. وحين يغيب الحضن الدافئ، لا يبقى للطفولة إلا الشارع معلماً، وللجوع مرشداً، وللخوف رفيقاً دائماً. ولم يكن غريباً أن تدفعه الحاجة إلى عالم الجريمة، فدخل الإصلاحيات والسجون قبل أن يعرف معنى المدرسة أو الأسرة. وحين بلغ الشباب، حاول أن يبدأ حياة جديدة، وأن يفتح صفحة بيضاء، إلا أن المجتمع لم يمنحه فرصة لذلك. كان كل باب يطرقه يُغلق في وجهه، وكل يد يمدها للعمل تُقابل بالرفض والإهانة، وكأن الماضي صار حكماً أبدياً لا يقبل الاستئناف. وهكذا عاد مرة أخرى إلى الجريمة، لا حباً فيها، وإنما لأن المجتمع لم يترك له طريقاً آخر يسير فيه. تقوده الصدفة إلى أحد رفاق طفولته المشردة، فيدخله إلى عالم المقامرة، حيث تدير امرأة منزلاً يجتمع فيه العابثون والثريون الباحثون عن اللهو. غير أن البطل يضيق بهذه الحياة، فيفر منها، ويلتقي راقصة بدوية يقع في حبها ويتزوجها، ثم يرزقان طفلاً يصاب بشلل الأطفال، فتعود المأساة لتفرض نفسها من جديد. يحتاج علاج الطفل إلى مال كثير، فلا يجد الأب وسيلة إلا العودة إلى ماضيه الأسود. لكن القدر لا يمهله؛ فيموت الطفل، ويظهر شبحه لوالده في مشهد يغلب عليه الطابع الرومانسي، يدعوه إلى التوبة والعمل الصالح. فيستجيب الأب، ويقرر إنشاء مبرة لرعاية الأطفال المرضى والمشردين، تكفيراً عن ماضيه. وفي يوم افتتاح المبرة يُقبض عليه بتهمة قتل صاحبة نادي القمار، قبل أن تنكشف الحقيقة ويثبت أن الجريمة ارتكبها زميله القديم. وعندما يُراد تكريمه هو وزوجته، يغادران في صمت، وقد شعرا أن أداء الواجب أعظم من انتظار التصفيق. هذه الحكاية، على ما فيها من أحداث متلاحقة، لا تقدم جديداً يذكر في تاريخ السينما العربية. فهي تدور في الحلقة نفسها التي دارت فيها عشرات الأفلام منذ سنوات طويلة؛ الطفل الضائع، والمجرم الطيب، والمرأة التي تجمع بين الخير والشر، والدموع التي تنهمر في اللحظة المناسبة، والنهاية التي تنتصر فيها العدالة بعد سلسلة من المصادفات. إنها عناصر مألوفة استهلكها الفن حتى فقدت قدرتها على الإدهاش. ولعل هذا ما جعل كثيراً من المشاهدين ينصرفون إلى السينما الأجنبية، لا لأنها تخلو من المآسي، وإنما لأنها كثيراً ما تحاول فهم أسبابها قبل الاكتفاء بعرض نتائجها. فالفن الحقيقي لا يكتفي بوصف الألم، بل يبحث في جذوره، ويقترح رؤية لفهمه أو تجاوزه. ومع ذلك، فإن الفيلم يمتلك قدرة واضحة على جذب المشاهد. فهو يشد الانتباه، ويحبس الأنفاس، وربما يدفع بعض الناس إلى البكاء، ولا سيما أصحاب القلوب الرقيقة. غير أن الدموع ليست دائماً دليلاً على عمق الفن؛ فقد تبكي العين، بينما يبقى العقل ساكناً، لا يتحرك فيه سؤال، ولا يولد فيه وعي جديد. إن الحزن الذي يصنعه الفن يشبه المطر؛ قد يبلل الوجوه، لكنه لا يزرع الأرض إلا إذا لامس جذورها. أما إذا اقتصر على استثارة العاطفة، فإنه يتحول إلى انفعال مؤقت سرعان ما يتبخر مع نهاية العرض. ومن الناحية النفسية، تكشف القصة جانباً مهماً من تكوين الشخصية الإنسانية؛ فالطفل الذي يُحرم من الحب والأمان لا يفقد براءته دفعة واحدة، وإنما تتآكل روحه شيئاً فشيئاً. وتشير دراسات علم النفس إلى أن الإهمال في الطفولة يزيد من احتمالات الانحراف والجريمة، لأن الإنسان يتعلم الانتماء قبل أن يتعلم القوانين. ومن لا يجد مكاناً يحتضنه، قد يبحث عن مكان آخر، ولو كان بين المجرمين. وليس بعيداً عن هذا ما نشهده في الواقع؛ فكثير من الأحداث الجانحين في مجتمعات مختلفة لم يولدوا مجرمين، بل قادتهم ظروف التفكك الأسري، والفقر، والحرمان، والتشرد إلى مسارات منحرفة. كما أن عدداً من نزلاء السجون يواجهون بعد الإفراج عنهم رفضاً مجتمعياً يحول بينهم وبين العمل الشريف، فيعود بعضهم إلى الجريمة مضطرين، لا لأنهم يعشقونها، بل لأن المجتمع أغلق في وجوههم أبواب الحياة الكريمة. ومن هنا تظهر المشكلة الكبرى في الفيلم؛ فهو يصف المأساة، لكنه لا يحللها تحليلاً عميقاً. فلا نعرف شيئاً عن السياسات الاجتماعية التي أنتجت هذا الطفل الضائع، ولا عن مسؤولية الأسرة، ولا عن دور المدرسة، ولا عن المؤسسات التي يفترض أن تحمي الأطفال من التشرد. وكأن الشر يولد وحده، والخير يأتي بمعجزة. ويطرح الفيلم سؤالاً محيراً: ماذا أراد إبراهيم الورداني أن يقول؟ هل أراد أن يقنعنا بأن خريجي الإصلاحيات أكثر وفاءً ونبلاً من سائر الناس؟ فالبطل يكاد يكون الشخصية الفاضلة الوحيدة في الفيلم، بينما تبدو بقية الشخصيات أقل إنسانية منه. أم أراد أن يجعل من محترف الغش في القمار بطلاً شعبياً، ما دام يسرق الأغنياء المترفين؟ أم أن غايته الأساسية كانت خلق مواقف عنيفة تستثير الأعصاب وتستدر العواطف، دون أن يحمل العمل رسالة فكرية واضحة؟ هذه الأسئلة تبقى بلا جواب، لأن الفيلم لا يمنحها ما تستحق من التأمل. ولعل الكاتب ظن أنه يسير في طريق الواقعية، بينما هو أقرب إلى الرومانسية التقليدية. فالواقعية لا تقوم على عرض الفقر والجريمة وحدهما، وإنما على تفسيرهما في ضوء المجتمع، والكشف عن علاقاتهما بالبنية الاقتصادية والثقافية والسياسية. أما الاعتماد على المصادفات، والأشباح، والتحولات المفاجئة، فهو أقرب إلى الرواية الرومانسية التي ازدهرت في الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، حين انشغل الروائيون بتصوير البؤساء وأطفال الشوارع، دون أن يقدموا حلولاً عملية لمشكلاتهم. ومن الناحية الفنية، نجح كاتب الحوار في جعل الشخصيات تتحدث بما ينسجم مع طبائعها ومستوياتها الاجتماعية، فجاء الحوار مقنعاً في كثير من المواضع، بعيداً عن التكلف. أما المخرج إبراهيم عمارة، فقد تعامل مع قصة تبدو واقعية في ظاهرها، لكنه قدمها بأسلوب رومانسي يعتمد على الأغنية الحزينة، والدموع، والموسيقى المؤثرة، أكثر مما يعتمد على قوة الصورة وصدق الموقف. وحين انتقل إلى الصالونات والمقاهي الشعبية، عاد إلى القوالب التقليدية التي أصبحت علامة متكررة في كثير من الأفلام المصرية، حتى فقدت خصوصيتها. وكان من أبرز مواطن الضعف اختياره هدى سلطان لتجسيد شخصية صاحبة نادي القمار. فالشخصية نفسها جاءت مضطربة المعالم؛ لا يدري المشاهد أهي امرأة خيّرة أم شريرة، ضحية أم جلاد، إنسانة تبحث عن الخلاص أم رمز للفساد. وكان يمكن للمخرج أن يمنحها أبعاداً أوضح، تجعلها أكثر إقناعاً وتأثيراً. كما أن إسناد الدور الرئيس إلى حسين عيسى لم يكن موفقاً، إذ بدا عاجزاً عن التعبير عن الانفعالات النفسية المعقدة التي يتطلبها الدور، فجاء الأداء أقل من مستوى الشخصية. وفي المقابل، قدمت درية أحمد أداءً لافتاً في دور الراقصة البدوية، فجمعت بين العفوية والصدق، ومنحت الشخصية حضوراً إنسانياً مؤثراً. أما محمود المليجي، فقد ظل وفياً لأسلوبه المعروف؛ ممثل يمتلك حضوراً طاغياً وقدرة كبيرة على تجسيد الشخصيات القوية، وإن كان الدور لا يبتعد كثيراً عن الأدوار التي اعتاد الجمهور رؤيته فيها، حيث يجتمع العنف مع مسحة من الإنسانية والوفاء. ويبقى السؤال الأكبر: ماذا نريد من السينما؟ هل نريدها مجرد وسيلة للبكاء؟ أم نريدها مرآة صادقة تكشف أمراض المجتمع وتساعد على علاجها؟ إن السينما التي تصنع نهضة فكرية ليست تلك التي تملأ القاعات بالدموع، وإنما التي تملأ العقول بالأسئلة، والقلوب بالإرادة، والضمائر بالمسؤولية. لقد تغير العالم، وتغيرت قضايا الإنسان، وأصبح من حق المشاهد أن يرى أعمالاً تتناول البطالة، والتعليم، والإدمان، والعنف الأسري، والتحول الرقمي، وأزمات الهوية، والعدالة الاجتماعية، بدلاً من تكرار الموضوعات المستهلكة التي استنفدت طاقتها منذ عقود. إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من القصص التي تصرخ من الألم، بقدر حاجته إلى أعمال تفسر أسباب هذا الألم، وتقترح سبيلاً لتجاوزه. فالفن رسالة قبل أن يكون ترفيهاً، ومسؤولية قبل أن يكون تجارة. ولذلك فإن الأمل يبقى قائماً في أن يقدم إبراهيم الورداني، وغيره من كتاب السينما، أعمالاً أكثر التصاقاً بالواقع المصري، وأكثر جرأة في تشخيص قضاياه، وأقدر على الغوص في حياة الناس البسطاء، بعيداً عن المبالغات والمصادفات المفتعلة. إننا نريد سينما ترى الإنسان كاملاً، لا مجرد ضحية أو مجرم، وتدرك أن الجريمة ليست دائماً بداية الحكاية، بل قد تكون نهايتها. فخلف كل منحرف طفولة مجروحة، وخلف كل دمعة قصة لم تُروَ، وخلف كل مأساة مجتمعٌ لم يؤدِّ واجبه كما ينبغي. مراجع مقترحة 1. أرسطو، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي. 2. سيد قطب، النقد الأدبي: أصوله ومناهجه. 3. بيير بورديو، أسئلة في علم الاجتماع. 4. إريك فروم، الإنسان من أجل ذاته. 5. فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى. 6. سيغموند فرويد، قلق في الحضارة. 7. عبد الحميد جودة السحار، السينما والمجتمع. 8. André Bazin, What Is Cinema?

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال