الْمُتَكَبِّرُ
يُعدُّ اسم المتكبِّر من أسماء الله الحسنى الدالة على كمال الجلال والعظمة، وهو اسمٌ يورث القلب هيبةً لله تعالى، ويغرس في النفس حقيقة العبودية، ويحرر الإنسان من أوهام العظمة الزائفة التي تفسد القلب والعلاقات والمجتمعات. فكلما ازداد العبد معرفةً بهذا الاسم ازداد تواضعًا، لأن من عرف عظمة الله رأى نفسه فقيرًا إليه، صغيرًا أمام جلاله، فلا ينازع ربه في صفة ليست إلا له سبحانه.
ولذلك جاء هذا الاسم ضمن الأسماء الجامعة لمعاني الملك والسيادة والقدرة في قوله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الحشر: 23 .
وكأن الآية ترسم لوحةً من الجلال الإلهي، تبدأ بالملك المطلق، وتنتهي بالكبرياء المطلقة، لتقرر أن العظمة كلها لله وحده، وأن كل ما سواه عبدٌ فقير، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا بإذنه.
أولًا: التعريف اللغوي
أصل مادة (كبر) في اللغة يدل على العظمة والرفعة والعلو. قال ابن منظور: الكِبْر والكبرياء العظمة، ويقال: كَبُر الشيء إذا عَظُم، وأكبرته إذا استعظمته. والتكبُّر والاستكبار بمعنى التعاظم وإظهار الكِبْر.
وجاء في مختار الصحاح: التكبُّر والاستكبار: التعظُّم، والكبرياء: العظمة».
وقال الزجاج في تفسير قوله تعالى:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الأعراف: 146
أي: يرون أنفسهم فوق الناس، ويعتقدون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحقوق ما ليس لغيرهم، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله تعالى؛ لأنه وحده صاحب الكمال المطلق.
ومن هنا فرَّق العلماء بين الكبرياء الإلهية التي هي كمال، وبين الكبر البشري الذي هو نقص وآفة من آفات النفس.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
عرَّف العلماء اسم الله المتكبر بتعريفات متقاربة تدور حول كمال العظمة والتنزه عن صفات النقص.
فقال الخطابي: المتكبر هو المتعالي عن صفات الخلق، والمتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم.
وبيَّن أن التاء في (المتكبر) ليست تاء التكلف، وإنما هي تاء التفرد والاختصاص؛ لأن الكبرياء لا تكون إلا لله سبحانه.
وقال الإمام البيهقي: هو المتعالي عن صفات المخلوقين، المستحق للعظمة بذاته.
أما الإمام أبو حامد الغزالي فصاغ المعنى صياغةً عميقة فقال:
المتكبر هو الذي يرى كل شيء حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، وهذه الرؤية لا تصح على الإطلاق إلا لله عز وجل.
فالإنسان مهما بلغ من العلم أو القوة أو السلطان يبقى محدودًا، ناقصًا، محتاجًا، أما الله تعالى فهو الكامل الذي لا يعتريه نقص، والغني الذي لا يحتاج إلى أحد، والعظيم الذي لا يساويه شيء.
ثالثًا: اسم المتكبر في القرآن الكريم
ورد اسم المتكبر مرةً واحدة بصيغته الاسمية في القرآن الكريم، في سورة الحشر، ضمن سياق يمجد الله بأسمائه الحسنى.
غير أن القرآن الكريم أكثر من الحديث عن ذم المتكبرين، لأن الكبر أول معصية عُصي الله بها في السماء حين قال إبليس:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ الأعراف: 12 .
وكان أول سبب لطغيان فرعون حين قال:﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ النازعات: 24.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ النحل: 23
وقال أيضًا:﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ غافر: 35
فالاستكبار يحجب القلب عن نور الهداية، ويغلق منافذ الفهم، حتى يرى الإنسان نفسه أكبر من قبول الحق، وأعظم من الاعتراف بالخطأ.
رابعًا: اسم المتكبر في السنة النبوية
وردت النصوص النبوية مؤكدة اختصاص الله بالكبرياء والعظمة.
ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
«الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قصمته.»رواه مسلم.
وفي حديث آخر قال النبي ﷺ:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.»
فلما سأل رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال ﷺ:
«إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس.»رواه مسلم
فالحديث يحرر النفس من سوء الفهم؛ فليس التجمل أو النجاح أو المكانة الاجتماعية من الكبر، وإنما الكبر هو رد الحق واحتقار الناس.
خامسًا: أقوال السلف
جمع ابن الجوزي أقوال العلماء في معنى المتكبر، ومن أهمها:
• المتكبر عن كل سوء.
• المتعالي عن الظلم.
• ذو الكبرياء والملك.
• المتنزه عن صفات المخلوقين.
• القاهر للجبابرة والمتكبرين.
وهذه الأقوال ليست متعارضة، بل يكمّل بعضها بعضًا، وتلتقي جميعًا في بيان كمال الله سبحانه.
سادسًا: البعد النفسي
حين يتأمل الإنسان اسم المتكبر يدرك أن الكبرياء الحقيقية ليست في المال، ولا في الجاه، ولا في القوة، ولا في العلم، وإنما في كمال الذات الإلهية.
أما الإنسان، فهو يولد ضعيفًا، ويكبر ضعيفًا، ويمرض، وينسى، ويحتاج إلى غيره في كل مراحل حياته، كما قال تعالى:﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء: 28.
ولهذا فإن المتكبر في الحقيقة يعيش صراعًا داخليًا؛ لأنه يحاول أن يخفي شعوره بالنقص خلف ستار من التعالي. وقد أشار علماء النفس إلى أن كثيرًا من صور الغرور ليست إلا تعويضًا عن هشاشة داخلية أو خوف من فقدان المكانة.
أما المؤمن، فإن معرفته بعظمة الله تمنحه توازنًا نفسيًا؛ فلا يحتقر نفسه حتى يذل، ولا يعظمها حتى يتكبر، بل يعرف قدرها الحقيقي: عبدٌ مكرم بطاعة الله.
قال ابن عطاء الله السكندري:
أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا عنها.
سابعًا: البعد الاجتماعي
الكبر من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ لأنه يقطع جسور المودة، ويولد الحسد والبغضاء، ويغذي الصراعات داخل الأسرة والمؤسسات والمجتمعات.
فالزوج الذي يتكبر على زوجته يهدم السكينة.
والأب الذي يتكبر على أبنائه يفقد محبتهم.
والمعلم الذي يحتقر طلابه يقتل الإبداع.
والعالم إذا تكبر بعلمه حُرم بركته.
والغني إذا تكبر بماله نسي أن المال أمانة.
ولهذا كان النبي ﷺ يخالط الفقراء، ويجلس مع المساكين، ويجيب دعوة العبد، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويقول:
«إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.»
لقد كان تواضعه أعظم شاهد على معرفته بعظمة ربه.
ثامنًا: إشراقات صوفية
إذا تجلى اسم المتكبر على قلب العارف، انكسرت فيه أصنام الأنا، وسقطت أوهام العظمة، وأدرك أن كل ما لديه عارية من الله.
فالقلب المتواضع يشبه الوادي؛ كلما انخفض امتلأ بالماء، بينما القمم العالية لا تستقر عليها قطرة.
قال جلال الدين الرومي:
صِرْ أرضًا، تنبت فيك الأزهار، ولا تكن جبلًا لا يستقر عليه شيء.
وقال أبو مدين:
إذا ازددت علمًا فازدد لله خشيةً فخيرُ علومِ الناسِ ما أورث الذلا
فالمعرفة الصادقة لا تزيد الإنسان إلا تواضعًا، لأن كل باب يفتحه العلم يكشف له اتساع ما يجهله.
تاسعًا: في الشعر العربي
قال المتنبي:
لا تَفتَخِرْ بالحُسنِ إنَّ جَمالَهُ يَفنى ويَبقى الفِعلُ وهوَ جَميلُ
وقال أبو العتاهية:
تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ على صفحاتِ الماءِ وهوَ رفيعُ
وتصور هذه الأبيات أن العظمة الحقيقية ليست في ارتفاع المكانة، وإنما في حسن الخلق ولين الجانب.
عاشرًا: آثار الإيمان باسم المتكبر
الإيمان بهذا الاسم يثمر آثارًا تربوية وسلوكية عظيمة، منها:
• تعظيم الله في القلب.
• التخلص من الكبر والعجب والغرور.
• قبول الحق مهما كان قائله.
• احترام الناس وعدم احتقارهم.
• التواضع في التعامل مع جميع فئات المجتمع.
• شكر النعم، وعدم نسبتها إلى النفس.
• الثقة بالله دون اغترار بالقدرات الشخصية.
فإذا امتلأ القلب بعظمة الله ضاقت فيه مساحة الأنا، وأصبح الإنسان أكثر رحمة، وألين قلبًا، وأقرب إلى الناس.
خاتمة
إن اسم الله المتكبر ليس دعوةً إلى الكبر، وإنما دعوة إلى التواضع؛ لأن الكبرياء لا تليق إلا بالله وحده. فمن عرف أن الله هو العظيم، هانت عليه نفسه، واستصغر أعماله، وسعى إلى تزكية قلبه بدل تزكية صورته.
وما أجمل ما قال الإمام الشافعي:
كلما ازددت علمًا ازددت علمًا بجهلي.
فالعارفون بالله هم أكثر الناس تواضعًا، لأنهم كلما اقتربوا من نور الجلال أدركوا فقرهم، وكلما ازدادوا معرفةً بعظمة الخالق صغر في أعينهم كل مجدٍ زائل.
وهكذا يبقى اسم المتكبر مدرسةً إيمانية، وتربوية، ونفسية، واجتماعية، تعلم الإنسان أن العظمة المطلقة لله وحده، وأن أجمل ما يتزين به العبد هو التواضع، وأن من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه، كما قال رسول الله ﷺ: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم
المراجع
1. القرآن الكريم.
2. صحيح مسلم.
3. صحيح البخاري.
4. البيهقي، الأسماء والصفات.
5. الخطابي، شأن الدعاء.
6. الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
7. ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير.
8. ابن منظور، لسان العرب.
9. الرازي، مختار الصحاح.
10. الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن.
11. ابن القيم، مدارج السالكين.
12. ابن عطاء الله السكندري، الحكم العطائية
