أزمة عواطف
الليلة التي خذلت فيها المرايا صاحبتها
وقفت وصال أمام المرآة الكبيرة التي احتلت الجدار المقابل لسريرها، كما يقف محارب قديم أمام درعه قبل المعركة الأخيرة.
نزعت معطفها الخارجي ببطء ، ثم اقتربت من المرآة خطوة أخرى ، كأنها تدخل إلى نفسها لا إلى انعكاسها. كانت تعرف هذه الطقوس جيداً ؛ طقوس التزيّن التي يسميها الناس نعومةً وزينة ، بينما كانت تراها هي نوعاً من إعداد الأسلحة الأنثوية للمرأة .
أمسكت بالمشط العاجي ذي الأسنان البيضاء ، وأرسلته بين خصلات شعرها الكستنائي الطويل.
دار بينهما حوار صامت.
كان المشط يمضي وئيداً بين الخصلات المتمردة ، يتقدم حيناً بلطف ويتعثر حيناً آخر بشدة ، كعاشق يحاول عبور مدينة مغلقة الأبواب. وكانت الخصلات تلتف حوله وتراوغه وترده خائباً، ثم ما تلبث أن تستسلم شيئاً فشيئاً لدغدغة أسنانه الباردة، فتستقيم في نعاس وديع.
ابتسمت وصال ، ابتسامة حنون و قالت ف نفسها : .
كم يشبه الشعر الرجال... في البداية يقاومون، ثم يعتادون الأسر.
وحين انتهت من شعرها، راحت تضيف إلى وجهها ظلال الألوان ومساحيق الضوء. كانت تعرف جيداً أين تضع اللمعة، وأين تخفي التعب، وأين تزرع الوهم. الوهم أجمل اختراعات النساء. وأصدقها أيضاً.
فتحت خزانة الثياب. وقفت أمام الفساتين كما يقف قائد جيش أمام جنوده. الأبيض بريء أكثر مما ينبغي. الأسود حزين. الأزرق بارد. أما الأرجواني... فهو اللون الذي يجعل الرجال ينسون أسماءهم.
اختارته. كان فستاناً مكشوف الكتفين يكشف مفاتن النهدين، ينساب على جسدها كالماء الملون بالمساء.
دارت أمام المرآة دورة كاملة. ثم سألت نفسها فجأة :
إلى أين أذهب بكل هذا الجمال الفاتن ؟
لم يجبها أحد.
فاكتفت بهزة خفيفة من كتفيها تعلمتها قديماً من إحدى نجمات السينما، وأتقنتها حتى غدت جزءاً من شخصيتها.
في الحقيقة، لم تكن وصال تحتاج إلى سبب لتتزين.
كانت حياتها كلها معركة مفتوحة. إذا دخلت حفلاً وتعلقت الأنظار بها و تسمرت ، انتصرت.
إذا التفت رجل عن رفيقته لينظر إليها بشغف ، انتصرت.
إذا شعرت امرأة أخرى بالغيرة منها لفتنتها ، انتصرت.
أما الهزيمة... فلم تكن قد تعلمت شكلها بعد.
كانت مغنية في الملاهي الليلية ، وفنانة تعرف أن الجمال في عالمها ليس هدية ، بل رأس مال. وكان عليها أن تستثمره كل ليلة قبل أن يبدأ الزمن باسترداد أقساطه.
ولذلك كانت تنتقل من سهرة إلى أخرى، ومن مائدة إلى أخرى، ومن ضحكة إلى ضحكة، حتى تعود مع خيوط الفجر الأولى.
لكن السهر لا يُخاض وحيدة. المرأة الجميلة في تلك الأوساط لا تذهب وحدها.
الوحدة تهمة. والذهاب منفردة اعتراف بالهزيمة.
جلست قرب الهاتف. من تختار الليلة ؟
وحيد ؟
رجل كريم وخفيف الظل ، لكنه يمتلك عادة مزعجة ؛ يحاول أحياناً أن يملك رأياً خاصاً به لا يحيد عنه قيد أنملة .
وهي لا تحب الرجال الذين يملكون آراء.
وجدي ؟
ابتسمت ساخرة.
كان يسمي نفسه عاشقاً ولهانا ، وكانت تسميه في سرها: كلبي الوفي.
لكنه غالباً مفلس هذه الأيام، والرجال الفقراء يصبحون فجأة أصحاب مبادئ وأعذار.
استعرضت الأسماء واحداً تلو الآخر.
ثم بدأت الاتصالات.
الرنين الأول... اعتذار.
الثاني... موعد سابق.
الثالث... خارج المنزل.
الرابع...لن يستطيع الليلة.
أنزلت السماعة ببطء. شعرت لأول مرة أن الهاتف أثقل من الرصاص.
نهضت فجأة.
مشت في الغرفة جيئة وذهاباً. ثم وقفت أمام المرآة مرة أخرى .
تأملت وجهها طويلاً. طويلاً جداً. كأنها تراه لأول مرة.
همست:
هل تغير شيء ؟
اقتربت أكثر.
لا...
العينان كما هما. ساحران .
الشفاه كما هي.تبسم عن شوق .
الرقبة نفسها. كأنها قد نحتت على يد مثال
الكتفان... عريضان
حتى الضحكة نفسها. ضحكة الأنوثة .
فلماذا إذن ؟
لماذا رفض الجميع الليلة ؟
جلست على طرف السرير.
تسللت إلى قلبها فكرة صغيرة، لكنها كانت حادة كالإبرة :
ماذا لو بدأ الجمال يغادر ؟ ماذا لو غادر سحر الأنوثة ؟
ارتجفت.
ليس الآن. ليس بهذه السرعة.
هي التي رفضت الزواج مرات عديدة لأنها كانت تؤمن أن الرجل الذي يستحقها لم يولد بعد ، الرجل الذي يملكها لم يخلق بعد .
هي التي كانت ترى الرجال محطات عابرة في طريق إعجابها بنفسها . اعجابها بجسدها الممشوق كأنه تمثال لآلهة الجمال عشتار .
هي التي كانت تظن أن العالم كله يدور حول ابتسامتها و لا يتعداها .
فكيف تعجز الليلة عن العثور على شخص واحد فقط يرافقها إلى سهرة ؟
شخص واحد... أي شخص.
بكت. بكت بصمت أولاً. ثم بصوت مسموع.
ثم استلقت على الأريكة وراحت تحدق في السقف.
قالت لنفسها:
ربما لا حاجة للخروج. ربما أبقى هنا. بما أدعو أحداً إلى المنزل.
نهضت نحو الهاتف من جديد. اتصلت بصديقة. ثم بصديق. ثم بآخر. ثم بأخرى. لكن المدينة كلها بدت فجأة مشغولة عنها.
ألقت السماعة بعنف. كأن السماعة هى التي تعصاها
وشعرت أن الجدران ، جدران الغرفة تبتعد عنها شيئاً فشيئاً، وأن الغرفة تكبر بينما هي تصغر. تضمحل . تصغر حتى تكاد تصبح نقطة صغيرة في وسط الفراغ. الهائل من حولها .
همست :
هل أنا وحيدة حقاً ؟
كان السؤال مخيفاً.
لأنها للمرة الأولى لم تجد جواباً سريعاً.
اقتربت من النافذة وفتحتها. كان الشارع شبه خالٍ. مصباح أصفر. رصيف طويل. وشجرة تتحرك ببطء تحت الريح.
لكن مجرد رؤية العالم في الخارج خففت عنها شيئاً من الاختناق.
هناك بشر على الأقل. هناك أصوات. هناك حياة.
وفي تلك اللحظة سمعت وقع خطوات رجل يقترب. ظهر ظل طويل على الرصيف.
ترددت لحظة.
ثم قالت :
من فضلك... كم الساعة الآن ؟
انتفض الرجل مفزوعاً. رفع رأسه نحو النافذة. ورآها.
حتى في ذلك الضوء الشحيح، بدا له وجهها كصورة خرجت من شاشة سينما قديمة.
نظر إلى ساعته.
الثانية عشرة وتسع دقائق.
ابتسمت.
كنت أظنها الثالثة صباحاً.
ابتسم هو بدوره.
ما يزال الليل صغيراً.
سكتت لحظة ثم قالت :
تركني الجميع وحدي الليلة... وأشعر ببعض الخوف.
ارتبك الرجل.
الخوف؟ لا داعي لذلك يا سيدتي.
ثم أضاف بجدية مدهشة :
إذا شئتِ، أبحث عن شرطي الحي ليبقى قريباً من المنزل.
ضحكت في سرها. يا لهذا الأحمق النبيل.
قالت بسرعة :
لا، لا... أشكرك. أظن أن أفراد الأسرة عادوا الآن.
لوّح لها الرجل مودعاً ومضى. تابعته بعينيها حتى اختفى.
ثم تمتمت :
لم يفهم شيئاً.
بعد ربع ساعة تقريباً، مر شاب يدندن أغنية قديمة.
نادته:
ألا يمكن أن يكون بعض الناس أصلح من أن يكونوا لعبة في يد الآخرين ؟
توقف الشاب ضاحكاً.
ـ ومن قال إنني لعبة ؟
أنت تقول ذلك في أغنيتك.
قهقه.
بل أتمنى أن أكون لعبة... لكن في يد جميلة مثلك فقط.
ابتسمت.
وهل حدث ذلك معك يوماً ؟
أكثر مما ينبغي.
احك لي واحدة من تلك القصص.
قالت ذلك وهي تشير إلى الداخل :
أو على الأقل اشرب فنجان قهوة.
تراجع خطوة إلى الوراء.
ليس الليلة.
لماذا ؟
لأنني متعب.
ثم ابتسم وأضاف :
ولأن الغرباء الجميلين أخطر مما يبدو عليهم.
وانصرف سريعاً. بقيت تحدق في ظهره المبتعد. شعرت بشيء يشبه الصفعة. حتى الغرباء يهربون الآن ؟
عادت إلى النافذة. مرت وجوه أخرى. اعتذارات أخرى. خطوات تسرع بالابتعاد.
ومع كل عابر كان شيء ما ينكسر في داخلها. حتى أغلقت النافذة أخيراً. وأدارت ظهرها للعالم.
جلست على الأريكة. وضعت وجهها بين كفيها.
ثم سألت نفسها بصوت خافت:
ماذا أحب الناس فيَّ حقاً ؟ جمالي ؟ شهرتي ؟ أم قدرتي على إيهامهم بأنهم محبوبون ؟
رفعت رأسها نحو المرآة.
كانت المرأة التي في الداخل تنظر إليها بصمت.
لأول مرة لم تعجبها تلك المرأة. بدت لها بعيدة. متعبة. خائفة.
امرأة اعتادت أن تكون محاطة بالضجيج حتى نسيت صوتها الحقيقي.
قالت لنفسها:
ربما لم أكن أخاف الوحدة يوماً...
ربما كنت أخاف نفسي.
ساد الصمت.
حتى الساعة المعلقة على الجدار بدت وكأنها تخفف من صوت دقاتها احتراماً للحظة.
شعرت بأن العالم كله ابتعد فجأة، وأنها تقف وحدها على جزيرة صغيرة من الضوء في وسط بحر هائل من الظلام.
وحيدة. بلا جمهور. بلا معجبين. بلا تصفيق.
وحينها فقط اكتشفت الحقيقة التي كانت تهرب منها طوال سنوات :
ليس أصعب على الإنسان من أن يصبح فجأة وجهاً بلا مرايا تنظر إليه.
أجهشت بالبكاء.
ثم تمددت على الأريكة. شيئاً فشيئاً أخذ التعب يثقل جفونها. وغفت. وكان النوم، في تلك الليلة على الأقل، أكثر وفاءً من البشر جميعاً.
