ترنيمةُ التوبة بين الخوف والرجاء
إذا ما قال لي ربّي: أما استحييتَ تعصيني؟
وتُخفي الذنبَ عن خلقي، وبالعصيانِ تأتيني؟
فماذا سوف أقولُ يومَ أقفُ بين يديه؟
وأيُّ عذرٍ يحملُه لساني، وقد شهدت عليَّ أيامي ولياليَّ؟
وكيف أرفعُ بصري إلى السماء،
وقد أثقلتني الزلّات، وتراكمت على القلب غيومُ الغفلة والنسيان؟
إنها لحظةٌ تهتزُّ لها الأرواح، وترتجفُ عندها القلوب،
حين يتجلّى للعبد ما قدّمته يداه، فلا مالٌ يبقى، ولا جاهٌ ينفع، ولا صاحبٌ يدفع عنه حسابًا أو عتابًا.
إذا ما قال لي ربّي: أما استحييتَ تعصيني؟
وتُخفي الذنبَ عن خلقي، وبالعصيانِ تأتيني؟
فأين المفرُّ من نظره؟
وأين المهربُ من علمه؟
وهو الذي يرى دبيبَ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظلماءِ على الصخرةِ الصمّاءِ.
سترني طويلًا، وأمهلني كثيرًا، وأغدق عليَّ من نعمائه صباحًا ومساءً، وأنا بين تقصيرٍ وغفلة، وبين ذنبٍ وزلّة.
يا لَسعةِ هذا السؤال حين يطرق أبوابَ القلب!
ويا لعظمةِ هذا العتاب حين يمتزج فيه الجلالُ بالرحمة، والهيبةُ بالمحبة.
ثم تأتي سكرةُ الموتِ الشديدة، فتسكن الضوضاء، وتخفت الأصوات، وتنكسرُ شوكةُ الدنيا التي طالما خدعتنا ببريقها الزائل.
وجاءت سكرةُ الموتِ الشديدةُ من سيحميني؟
نظرتُ إلى الوجوهِ، أليس منهم من سيفديني؟
فأرى الأحبةَ حولي، وقد ملأت الدموعُ عيونهم، لكنهم لا يملكون لي نفعًا ولا ضرًّا.
كلُّ قلبٍ مشغولٌ بنفسه، وكلُّ روحٍ واقفةٌ عند حدود قدرتها.
هناك يدرك الإنسان أن السندَ الحقيقيَّ لم يكن إلا الله، وأن الملجأَ الحقَّ لم يكن إلا إليه.
تتساقطُ الأسماءُ والألقاب، وتذوبُ الفوارقُ والاعتبارات، فلا يبقى إلا العملُ الصالحُ رفيقًا، والطاعةُ أنيسًا، والإيمانُ نورًا يضيءُ ظلمةَ الطريق.
سأسألُ ما الذي قدّمتُ في دنيايَ ينجيني؟
فكيف إجابتي من بعدِ ما فرّطتُ في ديني؟
أيُّ جوابٍ سأحملُه بين يدي الرحمن؟
هل أقولُ: شغلتني الدنيا بزخرفها؟
أم أقولُ: خدعتني الأمانيُّ بطولها؟
أم أقولُ: سوّفتُ التوبةَ حتى فاجأني الرحيل؟
هيهات!
فالعمرُ رسالة، والوقتُ أمانة، والأنفاسُ جواهرُ لا تُشترى إذا مضت، ولا تعودُ إذا رحلت.
كم أشرقت شمسٌ على أيامنا تحملُ دعوةً جديدةً للإنابة، وكم أقبل ليلٌ يفتحُ أبوابَ المناجاة، ونحن نؤجلُ اللقاء مع الله إلى غدٍ لا نعلمُ هل نبلغه أم لا.
ويا ويحي، ألم أسمع كلامَ الله يدعوني؟
ألم أسمع بما قد جاء في (ق) و(يس)؟
بلى، لقد سمع القلبُ النداء مرارًا، لكن ضجيجَ الدنيا كان أعلى.
وسمعت الروحُ آياتِ الرحمة، لكن غبارَ الغفلةِ حجب صفاءها.
وكم مرّت علينا آياتٌ تهزُّ الجبالَ لو نزلت عليها، وتوقظُ الأرواحَ لو أقبلت عليها بصدق.
كانت الآياتُ كالنورِ يسري في العتمة، وكالغيثِ ينهمر على الأرض العطشى، تدعونا إلى التوبة، وتفتح لنا أبواب الرجاء، وتهمس في أعماقنا:
عودوا إلى الله، فإن رحمته أوسع من الذنوب، وأعظم من الخطايا، وأقرب إلى التائب من حبل الوريد.
ألم أسمع مناديَ الموتِ يدعوني، يناديني؟
بلى، سمعته في رحيل الأحبة، وفي أخبار الراحلين، وفي الشيب الذي خطَّ فضةَ السنين على الرؤوس.
سمعته في تبدّل الأيام، وتعاقب الفصول، وانطفاءِ أعمارٍ كانت تملأ الدنيا حركةً وحديثًا.
كلُّ جنازةٍ رسالة، وكلُّ قبرٍ موعظة، وكلُّ رحيلٍ نداءٌ خفيٌّ يقول:
إن الطريقَ الذي ساروا فيه، ستمضي فيه يومًا، وإن الدارَ التي انتقلوا إليها، ستصيرُ إليها مهما طال المقام.
فيا غافلًا عن زادِ الرحيل، أما آن لقلبك أن يستيقظ؟
ويا سائرًا في دروبِ الأمل، أما آن لروحك أن تعود إلى ربها عودةَ المحبِّ المشتاق؟
عندها لا يبقى للعبد إلا أن يرفع أكفَّ الضراعة، ويذرف دموعَ الندم، ويقول من أعماق قلبه:
فيا ربّاه، عبدٌ تائبٌ، من ذا سيؤويني؟
يا ربّ، إن طردتني فمن ذا يقبلني؟
وإن أبعدتني فمن ذا يقربني؟
وإن حرمتني رحمتك فمن ذا يرحمني؟
أتيتُك بقلبٍ أنهكته الخطايا، لكنه ما زال يعرف طريقك.
وجئتُك بروحٍ أرهقها التيه، لكنها ما زالت تشتاق إلى نور هداك.
أتيتُك لا أملك إلا الاعترافَ بالتقصير، ولا أحمل إلا رجاءَ المغفرة.
يا واسعَ الفضل، يا عظيمَ المنِّ، يا كريمَ العطاء، إن كان الذنبُ عظيمًا، فعفوك أعظم، وإن كانت الخطايا كثيرة، فرحمتك أكثر وأوسع.
فاجعل لنا من التوبةِ نصيبًا، ومن الإنابةِ حظًّا، ومن القربِ منك منزلةً طيبة.
واجعل قلوبنا حدائقَ إيمانٍ تثمرُ الطاعة، وتزهرُ فيها معاني اليقين.
واجعل أعمارنا أنغامَ خيرٍ تتردد في صحائف الأعمال، وتبقى بعد الرحيل ذكرى طيبةً ودعاءً جميلًا.
اللهم لا تجعلنا ممن عرفوا الطريقَ ثم أعرضوا عنه، ولا ممن سمعوا النداءَ ثم انصرفوا عنه، بل اجعلنا من الذين إذا أذنبوا استغفروا، وإذا أخطؤوا تابوا، وإذا ضاقت بهم السبلُ وجدوا في رحمتك أوسعَ الأبواب.
فما أجملَ التوبةَ حين تُغسل بها الأرواح، وما أروعَ الرجوعَ إلى الله حين يشرقُ في القلب فجرُ الأمل بعد ليلِ الندم.
ويبقى الدعاءُ الأخيرُ يرفرفُ كنسمةٍ خاشعةٍ بين الخوفِ والرجاء:
فيا ربّاه، عبدٌ تائبٌ من ذا سيؤويني؟
سواك ربٌّ كريمٌ، إذا ناداه عبدُه آواه، وإذا رجع إليه قبله، وإذا استغفره غفر له، وإذا أقبل عليه فتح له أبواب رحمته الواسعة، وجعله من الفائزين برضوانه وجنّته.
