أمثالٌ شعبيةٌ قلّلت من شأن المرأة عبر التاريخ
قراءة فكرية واجتماعية في الموروث الثقافي واللغة والوعي الجمعي
مقدمة: حين تتحول الحكمة إلى قيد
ليست الأمثال الشعبية مجرد كلمات عابرة تتردد على الألسنة في المجالس والأسواق والبيوت، بل هي ذاكرة الشعوب المختصرة، وخلاصة تجارب أجيال متعاقبة، صيغت في عبارات موجزة مكثفة، ثم انتقلت من جيل إلى جيل حتى أصبحت أشبه بقوانين غير مكتوبة تحكم السلوك وتوجّه الأحكام وتشكّل التصورات.
وقد قيل إن المثل الشعبي هو «ديوان العامة»، لأنه يحفظ ما لا تحفظه الكتب من مشاعر الناس وأفكارهم ومخاوفهم وأحلامهم. غير أن هذا الديوان، على ما فيه من حكمة وخبرة، لم يكن دائماً منصفاً. فكما حفظ أجمل القيم الإنسانية، حفظ أيضاً صوراً من التحيز والتمييز والظلم، وكان للمرأة النصيب الأكبر من هذا الإرث الثقيل.
فالمرأة التي كانت أماً ومربية وصانعة أجيال، ورفيقة للرجل في رحلة العمر، تحولت في كثير من الأمثال إلى رمز للضعف، ومصدر للريبة، وعلامة على النقص، حتى بدا وكأن المجتمع لم يكتفِ بتقييدها بالقوانين والعادات، بل استعان باللغة نفسها لتكريس تلك الصورة وإعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل.
ولأن اللغة ليست بريئة دائماً، ولأن الكلمات تصنع العقول كما تصنع العقول الكلمات، فإن مراجعة هذا الموروث ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة أخلاقية وحضارية تفرضها قيم العدالة والوعي الإنساني المعاصر.
المرأة في ميزان الأمثال الشعبية
عندما نتأمل التراث الشعبي العربي نجد أن الأمثال المتعلقة بالمرأة كثيرة إلى حد يثير الانتباه. لكنها في معظمها لا تقدم المرأة باعتبارها إنساناً كاملاً له عقل وإرادة وقدرة، بل ترسم لها صورة نمطية محددة، تجعلها أقل شأناً من الرجل.
وقلما نجد مثلاً يرفع من شأن المرأة إلا إذا ارتبط بصفات معينة فرضها المجتمع عليها مسبقاً؛ كأن تكون أماً مضحية، أو زوجة مطيعة، أو فتاة تنتمي إلى أسرة ذات حسب ونسب. أما المرأة بوصفها فرداً مستقلاً، فإن حضورها في الأمثال غالباً ما يكون حضوراً سلبياً.
ولعل أخطر ما في هذه الأمثال أنها لم تبقَ كلمات تتردد في المناسبات، بل تحولت إلى أدوات تربوية تُغرس في وعي الأطفال منذ الصغر. فالطفل يسمع أن «حكي النسوان» لا يُعتمد عليه، وأن «سواقة النسوان» مرادف للفشل، وأن الشجاعة والصدق والثقة صفات مرتبطة بالرجال وحدهم، فينشأ وهو يحمل هذه التصورات دون أن يدرك مصدرها الحقيقي.
وهكذا يصبح المثل الشعبي مدرسة خفية تعيد إنتاج الصور النمطية جيلاً بعد جيل.
من الفردوس إلى الاتهام الأبدي
من أقدم الصور التي التصقت بالمرأة في المخيال الشعبي تلك التي تجعلها سبباً في الخطيئة الأولى. وقد انعكس هذا التصور في أمثال كثيرة من قبيل: «امرأة واحدة خربت الفردوس».
غير أن القرآن الكريم لم يحمل حواء وحدها مسؤولية الخروج من الجنة، بل نسب الفعل إلى آدم وحواء معاً، فقال تعالى:
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.
فالخطاب القرآني يتحدث عن الإنسان ذكراً وأنثى، ولا يحمّل المرأة وحدها وزر ما جرى.
لكن الوعي الشعبي اختار رواية أخرى، أكثر انسجاماً مع الثقافة الذكورية السائدة، فصارت المرأة في بعض الأمثال رمزاً للفتنة والشر، وتحولت حادثة دينية إلى تهمة تاريخية مستمرة.
وهكذا انتقل الاتهام من حادثة متخيلة إلى حكم اجتماعي دائم.
الأمثال والتمييز ضد البنات
إذا كانت ولادة الطفل في كثير من الثقافات مناسبة للفرح، فإن بعض الأمثال الشعبية جعلت ولادة البنت مناسبة للقلق والحزن.
فقد انتشرت أمثال من قبيل:
«عقربتان على الحيط ولا بنتان في البيت».
و«يا جايب البنات يا حامل الهم للممات».
و«ابنك لك وابنتك لا».
و«ابن عاص ولا عشرة مطيعات».
هذه الأمثال لا تعبّر فقط عن تفضيل الذكر على الأنثى، بل تكشف عن بنية اجتماعية كاملة كانت تنظر إلى الفتاة باعتبارها عبئاً اقتصادياً واجتماعياً.
وكان المجتمع التقليدي يخشى على الفتاة من كلام الناس، ويرى أن تزويجها مسؤولية ثقيلة، فانعكس ذلك في أمثال تصوّرها وكأنها مشكلة يجب التخلص منها بأسرع وقت.
لكن التاريخ نفسه يكذب هذه التصورات.
فكم من بنت رفعت شأن أسرتها، وكم من امرأة خلّدها التاريخ بعلمها أو شجاعتها أو حكمتها.
ويكفي أن نتذكر السيدة مريم عليها السلام التي جعلها القرآن نموذجاً للطهر والإيمان، فقال سبحانه:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
كما نتذكر السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت سنداً للنبي ﷺ في أصعب مراحل الدعوة.
المرأة والعقل في الموروث الشعبي
من أكثر الأفكار انتشاراً في الأمثال الشعبية تلك التي تنتقص من عقل المرأة وقدرتها على التفكير.
فقد رددت الثقافة الشعبية عبارات من قبيل:
«المرأة بنصف عقل».
و«عقل دجاجة».
وغيرها من التعابير التي جعلت النقص العقلي صفة ملازمة للنساء.
والحقيقة أن هذه الأحكام لا تستند إلى دليل علمي ولا ديني.
فالقرآن الكريم يخاطب الرجال والنساء على قدم المساواة في التكليف والمسؤولية، ويقول:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
كما أن التاريخ الإسلامي زاخر بعالمات وفقيهات ومحدثات نقلن العلم إلى الرجال قبل النساء.
ولم يكن العقل يوماً حكراً على جنس دون آخر، بل هو ثمرة التربية والتعليم والخبرة الإنسانية.
الأرملة والمطلقة بين الرحمة والوصمة
إذا كانت المرأة المتزوجة قد واجهت صوراً من التحيز، فإن الأرملة والمطلقة نالتا نصيباً أكبر من الأحكام القاسية.
فالأمثال الشعبية كثيراً ما صورت الأرملة باعتبارها ضعيفة ومحتاجة إلى أي رجل مهما كانت صفاته.
ومن ذلك قولهم:
«ظل رجل ولا ظل حيطة».
وكأن وجود الرجل وحده كافٍ لمنح الحياة معناها.
بل إن بعض الأمثال ذهبت أبعد من ذلك حين دعت إلى استغلال الأرملة مادياً ومعنوياً.
وهذه النظرة تكشف عن مجتمع كان يرى المرأة كائناً تابعاً لا يستطيع الاستقلال بنفسه.
بينما يؤكد الواقع والتاريخ أن آلاف النساء قدن أسرهن وربين أبناءهن ونجحن في الحياة بعد فقدان الزوج.
ولعل من أعظم النماذج الإسلامية أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت تاجرة ناجحة ذات مكانة رفيعة قبل زواجها من النبي ﷺ.
العنف المبرر بالحكمة الشعبية
من أخطر ما ورثته بعض المجتمعات تلك الأمثال التي شرعنت العنف ضد المرأة تحت ستار التربية والتقويم.
فقد شاع قولهم:
«اكسر للبنت ضلعاً يطلع لها أربعة وعشرون ضلعاً».
وقولهم:
«البنت إما جبرها أو قبرها».
وهي أمثال تحمل في طياتها دعوة صريحة إلى القهر والإكراه.
بينما جاء الإسلام ليؤسس لعلاقة قائمة على الرحمة لا العنف.
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وقال النبي ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
فكيف يمكن أن تجتمع الرحمة مع القهر؟ وكيف يصبح العنف حكمة يتداولها الناس؟
إن هذه الأمثال ليست سوى انعكاس لعصور كانت القوة فيها معيار التفوق، أما المجتمعات الحديثة فتقيس رقيها بمدى احترامها للإنسان وكرامته.
اللغة الذكورية وصناعة الصورة النمطية
اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي مرآة للفكر الاجتماعي.
وحين نقول للمرأة الشجاعة «أخت الرجال»، فإننا نمدحها ظاهرياً، لكننا نربط الشجاعة بالرجل وحده.
وحين نصف المرأة القوية بأنها «مسترجلة»، فإننا نفترض أن القوة ليست من صفاتها الطبيعية.
وفي المقابل، تستخدم صفات الأنوثة أحياناً للإهانة والسخرية من الرجال.
وهكذا تصبح اللغة نفسها أداة لإعادة إنتاج التمييز.
غير أن المشكلة ليست في اللغة العربية ذاتها، فهي لغة واسعة وعادلة في بنيتها، وإنما في العقل الذي يستخدمها.
فاللغة تشبه الماء؛ تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه.
فإذا امتلأ الفكر بالتحيز، خرجت الكلمات متحيزة.
وإذا امتلأ بالعدل، أصبحت اللغة أكثر إنصافاً.
الأمثال مرآة المجتمع لا أوامر مقدسة
من الخطأ أن نتعامل مع الأمثال الشعبية باعتبارها نصوصاً مقدسة لا يجوز نقدها.
فالمثل ابن بيئته وزمانه وظروفه.
وقد يكون معبراً عن تجربة صحيحة في زمن معين، لكنه يفقد صلاحيته عندما تتغير الظروف.
ولذلك فإن المثل الشعبي ليس حكماً نهائياً، بل وثيقة اجتماعية تساعدنا على فهم الماضي.
وقد قال الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
ولو طبقنا هذا البيت حرفياً في كل زمان ومكان لبررنا العنف والصراع، بينما المقصود به الحث على الاجتهاد والسعي.
كذلك الأمثال الشعبية يجب أن تُفهم في سياقها التاريخي لا أن تُتخذ قوانين أبدية.
المرأة في القرآن والسنة: صورة مغايرة
حين ننتقل من الموروث الشعبي إلى النصوص الدينية الصحيحة، نجد صورة مختلفة تماماً.
فالقرآن الكريم كرّم المرأة أماً وبنتاً وزوجة وإنساناً.
وقال تعالى: ﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾.
وقال النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيراً».
وجعل بر الأم سبباً لدخول الجنة.
وحين سأله رجل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». ثم قال: «أمك».
ثم قال: «أمك». ثم قال: «أبوك».
إن هذا التكريم يتناقض مع كثير من الصور السلبية التي صنعتها الأمثال الشعبية عبر القرون.
نحو مراجعة نقدية للموروث
ليس المطلوب أن نحارب التراث أو نمزق صفحات الماضي، فالأمم التي تقطع صلتها بتاريخها تفقد جزءاً من هويتها.
لكن المطلوب أن نقرأ هذا التراث بعين ناقدة واعية.
أن نحتفظ بما يحمل قيماً إنسانية جميلة، وأن نترك ما يناقض العدالة والكرامة.
فكما نتخلى عن الأدوات القديمة التي لم تعد تصلح لعصرنا، ينبغي أن نتخلى عن الأفكار التي لم تعد تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين.
وليس من الحكمة أن نورث أبناءنا أحكاماً جائرة ثم نطالبهم ببناء مجتمع عادل.
من ذاكرة التمييز إلى ثقافة الإنصاف
لقد كانت الأمثال الشعبية على مدى قرون مرآة صادقة للمجتمعات التي أنتجتها. لكنها لم تكن دائماً مرآة عادلة. فقد حملت في طياتها كثيراً من الأحكام المسبقة تجاه المرأة، ورسخت صوراً نمطية جعلت الأنوثة مرادفاً للضعف والنقص، والرجولة مرادفاً للقوة والكمال.
غير أن المجتمعات الحية لا تتجمد عند أخطاء الماضي، بل تتعلم منها وتراجعها وتصححها.
واليوم، بعد أن أثبتت المرأة حضورها في ميادين العلم والأدب والسياسة والاقتصاد والفكر، لم يعد ممكناً الاستمرار في ترديد أمثال ولدت في ظروف تاريخية مختلفة وكأنها حقائق أزلية.
فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي التي تربي نصفه الآخر أيضاً.
وإذا كانت الأمثال القديمة قد رسمت لها صورة باهتة، فإن الواقع الحديث يرسم صورة أكثر إشراقاً وعدلاً.
وسيأتي يوم تصبح فيه تلك الأمثال المجحفة مجرد أوراق صفراء محفوظة في أرشيف التاريخ، يقرأها الناس لا ليقتدوا بها، بل ليتذكروا كم قطع الإنسان من مسافة طويلة في رحلته نحو الإنصاف والكرامة والمساواة.
أمثالٌ شعبيةٌ قلّلت من شأن المرأة عبر التاريخ قراءة فكرية واجتماعية في الموروث الثقافي واللغة والوعي الجمعي
الناشر :مدونة فكر أديب
-
