البحث عن جيلٍ جديدٍ يهدمه السجناء
فوقَ حجرٍ من البازلت الصلد، في محاجر ليمان أبي زعبل، انبثق مشهدٌ يكاد يختصر تاريخًا كاملًا من العلاقة الملتبسة بين السلطة والعقاب، بين الإنسان وخطيئته، بين المجتمع وما يلفظه ثم يعود فيطالب بإصلاحه. هناك، في فضاءٍ جافٍ لا يرحم، حيث الجبلُ شاهدٌ على العرق والأنين، جلس اللواء حسين كامل، المدير العام لمصلحة السجون، على صخرةٍ اقتطعتها الأيدي نفسها التي اقتطعت من أعمار أصحابها سنواتٍ طوالًا. أمامه انتظمت أكثر من مئة نفسٍ في نصف دائرة صامتة، لا يُسمع منها إلا رنين القيود وهي تصطكّ في سيقان أنهكها العمل والندم والزمن.
كان الصمت في تلك اللحظة أكثر بلاغةً من الكلام؛ صمتٌ كثيفٌ كأنما تراكم من سنوات الحرمان، ومن خوفٍ قديمٍ استقر في الصدور حتى صار جزءًا من طبيعة المكان. لم يكن السجناء يلوذون بالصمت فحسب، بل كانوا يلوذون بتاريخٍ طويلٍ من انكسار الصوت، حيث تصبح الكلمة مخاطرة، ويغدو الرجاء نفسه نوعًا من الترف النفسي.
رفع المدير العام صوته بنبرةٍ جمعت بين السلطة والرغبة في الفهم: «أريد أن أسمع منكم، ممَّ تشكون؟ وماذا تطلبون؟
لكن الوجوه بقيت جامدة، والعيون موزّعة بين الأرض والفراغ، كأنها لا تثق بعدُ بأن السؤال هذه المرة ليس فخًا.
الصمت حين يتكلم: السجن بوصفه بنيةً نفسية واجتماعية
ليس الصمت في السجون غيابًا للكلام، بل هو لغةٌ أخرى. إنّه حصيلةُ سنواتٍ من القهر المؤسسي الذي يجعل الإنسان يشكّ في جدوى التعبير. السجين هنا لا يصمت لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه يملك من الكلام ما يفوق احتمالات السماع.
وحين صاح القائم مقام حسن سيد أحمد، مدير الليمان: «تكلموا ولا تخشوا شيئًا»، كان النداء أشبه بمحاولةٍ لفتح نافذةٍ صغيرة في جدارٍ سميك من الارتياب. عندئذٍ فقط، خرج صوت أحمد محمد حسن، لا بوصفه فردًا، بل بوصفه ممثلًا لجماعةٍ كاملة من المعذبين.
بدأ الرجل بالشكر: شكرٌ لمدير الليمان، وشكرٌ «للعهد الجديد» الذي أطاح – بحسب تعبيره – بالذل من السجون. لكن المدير قاطعه، وكأنه يدرك أن المجاملات لا تبني سياسةً ولا تصلح مؤسسة:
أريد كلامًا غير هذا… أريد أن أسمع عن ملابسكم، وطعامكم، ونومكم، ومستقبلكم بعد انتهاء العقوبة.
هنا فقط تبدّل المشهد.
إن كلمة «المستقبل» في السجن ليست لفظًا عابرًا، بل شرارة توقظ ما تبقى من إنسانيةٍ تحت الرماد. فجأةً تكلم أكثر من سجين، لأن السؤال لم يعد عن حاضرهم داخل الجدران، بل عن مصيرهم خارجها.
الإصلاح المادي وحدود العدالة الإنسانية
تحدث أحمد محمد حسن عن تحسنٍ ملموس في أوضاع السجن: حلتان بدل حلةٍ واحدة، جدران مطلية ونظيفة، نومٌ أكثر هدوءًا، وطعامٌ عرف طعم اللحم. إنها مؤشرات إصلاحٍ مادي لا يمكن إنكارها، تكشف أن المؤسسة بدأت تدرك أن العقوبة لا ينبغي أن تكون إذلالًا جسديًا دائمًا.
لكن الرجل اختصر جوهر أزمته في عبارةٍ شعبية شديدة الدلالة: «هناك كسر الحديد.»
هذه العبارة، في لغة السجناء، لا تعني سوى الحرية.
فالإنسان قد يحتمل خشونة الفراش، ورداءة الطعام، وشقاء العمل، لكنه لا يحتمل غموض الأفق. إن مطلب الإفراج الشرطي هنا لا يبدو امتيازًا بقدر ما يبدو محاولةً لاسترداد معنى الزمن.
السوابق والعدالة: هل يتساوى الخطأ المتكرر مع السقوط الأول؟
حين انكشف أن الرجل يطلب الإفراج بربع المدة، ظهر وجهٌ آخر من وجوه العدالة العقابية: هل يعامل القانون الجميع بالمعيار نفسه؟
أوضح البكباشي حسين الصباغ، مدير إدارة المذنبين، أن سوابق السجين تجاوزت ثلاثًا، وبناءً على اللائحة لا يحق له هذا الامتياز. وهنا برز التوتر الأزلي بين روح القانون ونصّه.
قال السجين مدافعًا عن نفسه إنه حافظ على حسن السير والسلوك عشر سنواتٍ كاملة، ولم يقصّر في العمل، سواء في قطع الحجارة أو في الورش. كأنما يريد أن يقول:
أليس الإصلاح هو الغاية؟ فإذا أصلحتني السنوات، فلماذا يظل الماضي يحكم مستقبلي؟
لكن المفاجأة كانت في اعترافه: خمس عشرة سابقة.
هنا تدخّل المدير بسؤالٍ أخلاقي صارم:
كيف يتساوى من دخل السجن أول مرة بمن جعل الجريمة نمطًا متكررًا؟
غير أن السجين فاجأ الجميع بمنطقه الخاص: سوابقه السابقة كانت بسبب السكر والعربدة، أما جريمته الحالية فهي القتل دفاعًا عن الشرف.
في هذه اللحظة يتحول السجن من فضاء قانوني إلى مسرحٍ أخلاقي معقد، تتصارع فيه مفاهيم الجريمة، والعدالة، والثأر، والشرف، والمسؤولية الفردية.
ثقل الزمن: اثنان وثلاثون عامًا خلف القضبان
من أكثر المشاهد مأساويةً بروز عبد الحميد حسن، الرجل الذي حمل على كتفيه اثنين وثلاثين عامًا من السجن.
لم يكن حديثه منظمًا؛ كان يتكلم بالأصابع، بالإشارات، بتعبيرات الوجه، كأن اللغة نفسها قد تهشمت داخله من طول العزلة.
كان سؤاله أكبر من الطعام والملبس:
ماذا أفعل حين أخرج؟
إنه السؤال الذي يفضح هشاشة كل مشروعٍ إصلاحي لا يمتد إلى ما بعد بوابة السجن. فالمجتمع الذي يعاقب لا يضع دائمًا خطةً للاستيعاب، والنتيجة أن كثيرين يخرجون ليجدوا الأبواب موصدة: لا عمل، لا مال، لا ضامن، لا ثقة.
قال الرجل إنه خرج سابقًا بربع المدة، لكنه عاد إلى السجن. لم تكن العودة بسبب جريمة جديدة، بل بسبب خرق شروط المراقبة. وهنا يتجلى تناقض السياسة العقابية: الإفراج المشروط الذي يُفترض أن يكون جسرًا للاندماج، قد يتحول إلى قيدٍ ممتد خارج الأسوار.
المراقبة بعد السجن: حين تمتد القضبان إلى الشارع
في النقاش الذي دار حول نظام المراقبة، تكشّف بوضوح أن الحرية المشروطة قد تكون أحيانًا شكلًا آخر من السجن.
فالسجين الخارج بعد عشرين عامًا لا يعود إلى مجتمعٍ احتضنه، بل إلى عيونٍ تلاحقه، وإلى مركز شرطةٍ قد يُطلب منه أن يقضي فيه الليل.
وحين قال أحدهم:
أريد أن أنسى حياة السجن، فكيف أعود إليها كل ليلة؟
فهو لا يحتج على الإجراء الإداري فحسب، بل يعبّر عن مأساة الهوية: كيف يبني إنسانٌ حياةً جديدةً إذا كان النظام يذكّره كل مساءٍ بأنه ما زال موضع شبهة؟
العدالة الملتبسة: التزوير في السوابق وإشكال الثقة المؤسسية
ثم برز صوتٌ مختلف: رجلٌ بلحيةٍ بيضاء، يبدأ كلامه بآياتٍ وأحاديث، كأنما يلتمس شرعيةً أخلاقية قبل أن يطرح قضيته.
إنه محمد أبو رحاب، المحضر السابق بوزارة العدل، المحكوم في جريمة تزوير.
لكن الرجل لا يناقش الجريمة ذاتها، بل يزعم أن إدارة تحقيق الشخصية أضافت إلى صحيفة سوابقه عشر سوابق لم يرتكبها.
هنا تتجاوز المسألة حدود الشكوى الفردية إلى سؤالٍ أخطر:
ماذا لو أخطأت المؤسسة في تعريف الإنسان؟
ماذا لو تحوّل السجل إلى قدر، والخطأ الإداري إلى مصير؟
ردّ المدير كان حاسمًا: السجن لا يحاكم، بل ينفذ.
إنها لحظةٌ كاشفة للفصل البيروقراطي بين السلطات، لكنها تكشف أيضًا كيف يشعر السجين بأن كل أجهزة الدولة كتلةٌ واحدة، حتى لو اختلفت اختصاصاتها.
البازلت بوصفه استعارة: السجناء الذين يهدمون المستقبل
بعد هذا الحوار الإنساني، انتقل المشهد إلى أزمةٍ تبدو مادية، لكنها في حقيقتها ذات دلالة رمزية هائلة: نفاد محاجر البازلت.
منذ عام 1910، ظل السجناء يقتطعون من الجبل حتى أوشك أن ينفد.
يا لها من صورةٍ موحية:
أجيالٌ من السجناء تهدم الجبل حجرًا حجرًا، كما تهدم العقوبة أعمارهم سنةً سنة.
قال المهندس حلمي حماد إن الحل يتطلب مشروعًا لامتصاص المياه الجوفية بكلفة اثني عشر ألف جنيه، لكن وزارة المالية شطبته. وهنا يبرز التناقض بين الحاجة الإصلاحية والمنطق المالي.
إنّ البازلت هنا ليس مجرد حجر، بل رمزٌ للرصيد البشري والمادي الذي يُستنزف بلا رؤية بعيدة.
هدم مباني الليمان: المفارقة الكبرى
بلغت المفارقة ذروتها حين طُرح الحل الأكثر قسوةً ورمزية:
هدم بعض مباني الليمان نفسها لاستخراج البازلت من تحتها.
إنها صورة تكاد تكون مجازًا سياسيًا واجتماعيًا بالغ العمق:
المؤسسة التي بُنيت للعقاب صارت مضطرةً إلى هدم جزءٍ من بنيتها كي تستمر.
كأن النص يقول لنا إن الأنظمة التي تستهلك البشر بلا خطط إعادة دمج، تنتهي إلى استهلاك ذاتها.
من يهدم من؟
ليس هذا النص مجرد حكاية عن زيارة مسؤولٍ لمحاجر السجن، بل هو مرآةٌ لتاريخٍ اجتماعي كامل: كيف يُعاد تشكيل الإنسان بين الجريمة والعقوبة، بين القانون والرحمة، بين الحجر والحرية.
العنوان
البحث عن جيل جديد يهدمه السجناء لا يحيل فقط إلى جيلٍ جديد من المحاجر، بل إلى جيلٍ جديد من البشر قد يهدمه الإقصاء الاجتماعي إذا لم تتغير فلسفة العقاب ذاتها.
فالسجين الذي كسر الحجر ثلاثين عامًا، إذا خرج بلا فرصة، قد يعود ليكسر ما هو أخطر:
الثقة، الأمن، وإمكانية الإصلاح نفسها.
إن السؤال الحقيقي الذي يتركه هذا المشهد معلقًا في الذاكرة هو:
هل تهدم السجون الجريمة، أم تهدم الإنسان الذي كان يمكن أن يعود يومًا عضوًا صالحًا في المجتمع؟
هنا، فوق حجر البازلت الصلد، لا يقف التاريخ شاهدًا على السجناء وحدهم، بل على مجتمعٍ كاملٍ ما زال يبحث عن الصيغة العادلة بين العقاب والرحمة، بين الردع وبناء الإنسان من جديد.
