التقدّم والرجعيّة
تمهيد: بين حركة الروح وسكون العادة
ليس التقدّم كلمةً تُنطق، ولا شعارًا يُرفع، بل هو — في جوهره — رحلةُ الإنسان في اكتشاف نفسه والعالم، انتقالٌ من ضيق الإمكان إلى سعة التحقّق، ومن ظلمة العادة إلى نور البصيرة. وإذا كانت الرجعيّة هي التعلّق الأعمى بالماضي، فإنها — في بعدها النفسي — خوفٌ متخفٍّ، وفي بعدها الاجتماعي — جمودٌ موروث، وفي بعدها الروحي — غفلةٌ عن سنن الله في الكون.
ولعلّ التأمّل في نصوص الميثاق الوطني، بما تضمّنته من دعوات إلى التقدّم والتحرّر، يفتح لنا بابًا واسعًا للبحث في هذه الثنائية: كيف يتقدّم الإنسان؟ ولماذا يتراجع؟ وهل التقدّم مادّيٌّ صرف، أم هو بناءٌ متكامل للروح والعقل والمجتمع؟
أولًا: التقدّم في الرؤية الإسلامية — حركة الاستخلاف
يقدّم القرآن الكريم تصورًا متوازنًا لفكرة التقدّم، يقوم على مبدأ الاستخلاف، قال تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة: 30
فالإنسان — وفق هذا التصور — ليس كائنًا ساكنًا، بل خليفةٌ مأمورٌ بالعمارة، مسؤولٌ عن تطوير الحياة وفق منهجٍ أخلاقيٍّ ربّاني.
ويؤكد القرآن أن التغيير يبدأ من الداخل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11
وهنا يتجلّى البعد النفسي للتقدّم؛ إذ لا يمكن لأي مشروع حضاري أن ينجح دون تحوّلٍ في البنية الداخلية للإنسان: فكرًا، وإرادةً، وسلوكًا.
وفي السنة النبوية، يقول محمد بن عبد الله ﷺ:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»
فالإتقان هنا ليس مجرد مهارة، بل قيمة حضارية تؤسس للتقدّم الحقيقي.
ثانيًا: التقدّم في الفكر الإنساني — من الأسطورة إلى العلم
لم تكن فكرة التقدّم واضحة في العصور القديمة، إذ ساد الاعتقاد بزمنٍ ذهبيٍّ مضى ولن يعود. غير أن عصر النهضة الأوروبية مثّل تحوّلًا جذريًا، حيث بدأ الإنسان ينظر إلى المستقبل بوصفه مجالًا للتحقيق لا للحسرة.
وقد أسهم علماء مثل غاليليو غاليلي وإسحاق نيوتن في ترسيخ الإيمان بقدرة العقل على فهم الكون، بينما رسم فرانسيس بيكون صورةً مثاليةً لمجتمعٍ علميٍّ في كتابه الأطلنطي الجديد.
ثم جاءت حركة التنوير، متأثرةً بأفكار رينيه ديكارت، لتجعل العقل معيارًا للحقيقة، والتجربة أساسًا للمعرفة.
لكن هذا التفاؤل لم يكن مطلقًا؛ فقد حذّر جان جاك روسو من أن التقدّم العلمي لا يضمن التقدّم الأخلاقي، بينما تنبأ توماس مالتوس بأزماتٍ سكانية تهدّد البشرية.
ثالثًا: بين العلم والأخلاق — جدلية التقدّم الحقيقي
يرى كثير من المفكرين أن التقدّم يُقاس بالعلم، غير أن هذا المعيار — وإن كان مهمًا — ليس كافيًا. فالعلم بلا أخلاق قد يتحول إلى أداةٍ للدمار.
وقد أشار القرآن إلى هذا الخلل في قوله:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ الروم: 7
وهنا تتجلّى الحاجة إلى توازنٍ دقيق بين المعرفة والقيم.
وفي الشعر العربي، يقول أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالتقدّم الحقيقي — إذن — ليس في تراكم المعارف فحسب، بل في تهذيب الإنسان.
رابعًا: الرجعيّة — تحليل نفسي واجتماعي
الرجعيّة ليست موقفًا فكريًا فقط، بل حالة نفسية عميقة، تتجذّر في الخوف من المجهول، والحنين إلى المألوف. فالإنسان — بطبيعته — يميل إلى ما اعتاد عليه، ويخشى التغيير لما فيه من مخاطرة.
وقد أشار برتراند راسل إلى أن العقل العادي يميل إلى الجمود، وأن الأفكار الجديدة تُقابل غالبًا بالرفض لا لأنها خاطئة، بل لأنها تُقلق الاستقرار الذهني.
ومن الناحية الاجتماعية، تدعم بعض الفئات — كأصحاب المصالح — هذا الجمود، حفاظًا على امتيازاتها. وهكذا تتحالف النفس الخائفة مع المصلحة الضيقة لتشكّل جبهة مقاومة ضد التقدّم.
خامسًا: الحرية شرط التقدّم
لا يمكن أن يتحقق التقدّم في بيئةٍ تقمع الفكر وتخنق الإبداع. فالحرية — كما يرى كثير من الفلاسفة — هي الشرط الأول لأي نهضة.
وقد قرر الإسلام هذا المبدأ في قوله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ البقرة: 256
فالحرية هنا ليست فقط دينية، بل فكرية أيضًا، تفتح المجال للحوار والتجديد.
وفي التاريخ، لم تزدهر الحضارات إلا حين انفتحت على الأفكار، كما حدث في العصر العباسي حين ازدهرت حركة الترجمة، فالتقت الفلسفة اليونانية بالروح الإسلامية، فنتج عن ذلك إبداعٌ حضاريٌّ فريد.
سادسًا: التقدّم كرحلةٍ روحية — رؤية صوفية
في الرؤية الصوفية، التقدّم ليس مجرد انتقالٍ خارجي، بل هو ترقٍّ في المقامات، وسيرٌ إلى الله عبر تزكية النفس.
يقول جلال الدين الرومي:
بالأمس كنتُ ذكيًّا فأردتُ أن أغيّر العالم، واليوم أنا حكيمٌ فأغيّر نفسي
فالتقدّم هنا يبدأ من الداخل، من تطهير القلب من الحسد والكبر، ومن تحرير النفس من أسر الشهوة والخوف.
سابعًا: أمثلة تطبيقية
1. في التعليم: التقدّم يعني الانتقال من الحفظ إلى الفهم، ومن التلقين إلى الإبداع.
2. في الاقتصاد: لا يكفي النموّ الرقمي، بل يجب تحقيق العدالة الاجتماعية.
3. في الأسرة: التقدّم هو تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين القيم والتجديد.
خاتمة: نحو رؤية متكاملة
التقدّم ليس خطًّا مستقيمًا، بل مسارٌ معقّد تتداخل فيه العوامل العلمية والأخلاقية والنفسية. وهو — في جوهره — دعوةٌ إلى الإنسان أن يكون أفضل مما كان، وأن يسير في الأرض بعقلٍ منفتح وقلبٍ حيّ.
أما الرجعيّة، فليست مجرد تمسّك بالماضي، بل هي انغلاقٌ عن المستقبل، وخوفٌ من التغيير، وعجزٌ عن الحلم.
ولذلك، فإن مسؤوليتنا — أفرادًا ومجتمعات — أن نحرّر عقولنا من الجمود، ونفتح قلوبنا للنور، وأن نسير مع سنن الله في التغيير، حيث لا مكان للثبات في عالمٍ خُلق للحركة.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ التوبة: 105
فالتقدّم — في النهاية — عملٌ، وإيمانٌ، وسعيٌ لا ينقطع.
