أضغاثُ أحلام
حين يُكذِّب الليلُ يقينَ القلب
رنَّ الهاتفُ كطعنةٍ في خاصرةِ الصمت.
كانت الساعةُ تشيرُ إلى الواحدةِ بعدَ منتصفِ الليل، ذلك الوقتُ الذي تتخفّفُ فيه المدنُ من أقنعتها، وتتكشّفُ الأرواحُ على حقيقتها… أو على كوابيسها. انتفضتُ من سريري كمن سُحب من قاعِ حلمٍ ثقيل.
مددتُ يدي نحو الهاتف، وقلبي يسبقني بخطوة، كأنّه يعرفُ أن شيئًا غيرَ مألوفٍ ينتظرني خلف تلك الشاشة الصغيرة.
نظرتُ إليها…
عزيزتي ليلى
ابتلعتُ ريقي، وضغطتُ الزر الأخضر.
مرحبًا عزيزتي… هل أنتِ بخير؟
جاء صوتُها دافئًا، لكنه مشوبٌ بارتباكٍ خفيف، كنسمةٍ عبرت نافذةً موصدة:
مرحبًا عزيزي عبدو… أرجو ألا أكون قد أزعجتك في هذا الوقت المتأخر…
كذبتُ. كذبةٌ صغيرةٌ، لكنها كانت ضرورية… أو هكذا أقنعتُ نفسي.
لا، لا… كنتُ أشاهد فيلمًا كوريًا مشوّقًا… لم أنم بعد.
كنتُ غارقًا في نومٍ عميق، لكن صوتي خانني، حمل بقايا النعاس كدليلٍ على خيانتي للحقيقة. ومع ذلك، تجاهلتْه… أو تظاهرت بذلك.
أنا الآن في الشارع الخامس والثلاثين… خرجتُ للتو من بيت صديقتي بعد الاحتفال بعيد ميلادها… لكن سيارتي… لا تتحرك.
توقفَ الزمنُ لحظة.
ليس لأنّ سيارةً تعطّلت ، بل لأنّ ليلى تلك التي كانت دائمًا أكثر اتزانًا مني بدت فجأةً كطفلةٍ ضائعة في مدينةٍ تعرفها جيدًا.
حسنًا، دقائق وأكون عندك.
أغلقتُ الهاتف، ووقفتُ أمام المرآة.
رأيتُ وجهي… شاحبًا، غيرَ مكتمل، كأنّه لم يُخلق بعد.
ارتديتُ معطفي الأزرق ذي الأزرار الشفافة، حاولتُ إصلاح شعري، ففشلت. ربما لم يكن شعري هو المشكلة… ربما كان رأسي كله.
نزلتُ إلى الشارع. المدينةُ كانت نائمة، أو تتظاهر بذلك.
شغّلتُ سيارتي، وانطلقتُ من الشارع السادس والعشرين نحو الخامس والثلاثين.
عشرُ دقائق… لكنها بدت كرحلةٍ داخل رأسي.
ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو كان هناك أحد ماذا لو… لم تكن ليلى أصلًا؟
ضحكتُ من الفكرة. لكن الضحكة خرجت مكسورة.
وصلت.
رأيتُها… أو هكذا ظننت.
فيراري حمراء تقف عند الرصيف ، كجرحٍ مفتوح في جسد الليل.
وبجوارها… فتاة. طويلة. شقراء. تدير ظهرها إليّ.
اقتربتُ بلهفةٍ لا تليقُ برجلٍ يحاول أن يبدو متماسكًا. مددتُ يدي، وضعتها على كتفها.
عزيزتي… هل أنتِ بخير؟
انفجرتْ كقنبلة:
اذهب إلى الجحيم أيها الأحمق!
تجمّدتُ.
استدارت نحوي، وعيناها تقدحان شررًا:
من أنت؟ ماذا تريد؟
في تلك اللحظة، شعرتُ أنني انكمشتُ… صرتُ أصغر من خطئي.
أنا… آسف… ظننتكِ شخصًا أعرفه…
لم تنظر إليّ. كأنّ اعتذاري لا يستحق حتى الاحتقار.
اختفِ من وجهي.
عدتُ إلى سيارتي، وأنا أجرُّ خلفي ثقلًا لا يُرى. لم تكن المشكلة أنني أخطأت في شخصٍ…بل أنني كنتُ متأكدًا.
أين ليلى؟
نظرتُ حولي.لا فيراري أخرى. لا أثر.
اتصلتُ بها.مرّة… اثنتين… ثلاثًا… خمسًا.
أجابت أخيرًا، بصوتٍ مثقلٍ بالنوم:
مرحبًا عزيزي… كنتُ نائمة… هل كل شيء بخير؟
ارتفع صوتي دون إرادة:
نائمة؟!
صمتت لحظة، ثم قالت ببرودٍ جريح:
نعم… لماذا تصرخ؟
تلعثمتُ.
أنتِ… في البيت؟
نعم، وحدي.
وأبوكِ؟
سافر منذ الأمس.
شعرتُ بأن الأرض تميل.
حسنًا… أنا قادم.
كان بيتها في الشارع السابع والعشرين. قريب… قريب جدًا… كأنّ المسافة بين الحقيقة والوهم لا تتجاوز شارعًا واحدًا.
وصلتُ. البيتُ مظلم.البابُ صامت.
طرقتُ… مرة… مرتين… عشرًا. لا جواب.
صرخ جارٌ من نافذته:
أيها الأحمق! سأبلغ الشرطة!
ابتسمتُ بمرارة. أحمق مرتين في ليلة واحدة.
عدتُ إلى سيارتي.
رأسي… لم يعد يعمل كما يجب.
اتصلتُ بها مجددًا. عشر مرات… عشرين… أكثر. لا رد.
صرختُ:
يا إلهي… ماذا يحدث؟!
لكن السؤال لم يكن موجّهًا إلى السماء… بل إلى نفسي.
عدتُ إلى بيتي. أو إلى ما كنتُ أعتقد أنه بيتي.
أدخلتُ يدي في جيبي… لا مفتاح.
ضحكتُ. ضحكةً خالية من أي معنى.
جميل… سأقضي الليل في الخارج.
جلستُ في ركنٍ دافئٍ من العمارة. تمدّدتُ على الأرض.
السماءُ كانت بعيدة. والنجومُ… باردة.
أغمضتُ عينيّ. لكن النوم… لم يأتِ.
هل كانت ليلى تكذب؟ أم أنني… أنا من يكذب؟ هل خرجت أصلًا؟ هل قدتُ السيارة؟ هل… أنا عبدو؟
ارتجفتُ.
في تلك اللحظة، لم أعد أخاف على ليلى… بل خفتُ من فكرةٍ أبشع:
ماذا لو أنني كنتُ وحدي طوال الوقت؟
مع أول خيطٍ للفجر، نهضتُ ببطء.جسدي كان هنا… لكن رأسي… في مكانٍ آخر.
لم أعد متأكدًا من شيء. حتى اسمي… بدا غريبًا عليّ.
مشيتُ بلا هدف، حتى وصلتُ إلى جدارٍ قديم.
كان هناك شابٌ يجلس، بثيابٍ مهترئة، يحمل قلمًا، ويكتب على الحائط.
اقتربتُ منه. قرأْتُ ما كتب:
مذكرات شاب عشريني متشرد… لا يملك بيتًا… ولا زوجة… ولا سيارة… سوى قلمٍ يكتب به ليقنع نفسه أنه ما زال موجودًا.
تجمّدتُ. نظرتُ إليه.
رفع رأسه ببطء… ونظر إليّ.
كانت عيناه… عيناي.
ابتسم.
تأخرتَ… كنتُ أنتظرك.
تراجعتُ خطوة.
من أنت؟
ضحك… ضحكةً أعرفها جيدًا.
أنا الحقيقة التي تحاول الهروب منها.
سقط الهاتف من يدي. نظرتُ إلى شاشته… لا مكالمات. لا ليلى. لا شيء. فقط… شاشة سوداء تعكس وجهي. أو… وجهه.
في تلك اللحظة، فهمت.
ليلى… السيارة… الشارع الخامس والثلاثون… الفتاة الشقراء… الجار… المفتاح…
كلها لم تكن سوى أضغاث أحلام.
لكن الحلم لم يكن المشكلة… المشكلة أنني لم أعد أعرف:
من الذي يحلم… ومن الذي يُحلم به؟
كتب الشاب على الجدار جملةً أخيرة، ثم ناولني القلم:
إن وصلت كلماتي إليك… فاعلم أنك أنا… وأننا لم ننجُ بعد.
أمسكتُ القلم. يدي كانت ترتجف.
كتبتُ:
رسالة من عبده … إلى كل من يقرأ…
احذروا… فالليل لا يكذب… لكنه يكشف الكاذبين في داخلنا.
ثم توقفتُ.
رفعتُ رأسي. لم يكن هناك أحد. لا شاب. لا جدار. فقط… أنا. أو… ما تبقّى مني.
ومنذ تلك الليلة… لم أعد أجيب على الهاتف بعد منتصف الليل.
ليس خوفًا من الآخرين… بل خوفًا من نفسي.
