حين يحكي الزمنُ نفسه
أنواع السرد في الأدب:
رحلة فلسفية في طرائق الحكي وبناء المعنى
تمهيد: السرد بوصفه ذاكرة الوجود
ليس السرد مجرّد تقنية لغوية تُرتّب بها الأحداث، ولا حيلة فنية يلجأ إليها الكاتب ليقود قارئه من بداية إلى نهاية؛ إنّه فعلٌ وجوديّ، ومرآةٌ للوعي الإنساني وهو يحاول أن يفهم العالم عبر الحكاية. فالإنسان، منذ فجر الأسطورة، لم يعرف نفسه إلا حين حكاها، ولم يُدرك الزمن إلا حين صاغه في قصة. السرد، بهذا المعنى، هو الطريقة التي يُنقذ بها الإنسان تجربته من التبدّد، ويحوّل الفوضى إلى معنى، واللحظة العابرة إلى أثرٍ باقٍ.
في هذا المقال، نخوض في أنواع السرد في الأدب لا بوصفها تصنيفات جامدة، بل بوصفها طرائق مختلفة لرؤية العالم، ومسالك متنوّعة لفهم الزمن والذات والآخر.
الفصل الأول: ماهية السرد – بين اللغة والفلسفة
السرد لغةً واصطلاحًا
في المعاجم العربية، يتجلّى السرد بوصفه تتابعًا وانسيابًا: أن يأتي الشيء إثر الشيء، متلاحقًا دون انقطاع. أما اصطلاحًا، فالسرد هو الكيفية التي تُروى بها الحكاية، أي الجسر الذي تعبر عليه الوقائع من عالمها الخام إلى عالم اللغة المتخيَّلة.
السرد ليس الحكاية ذاتها، بل هو صوتها الداخلي، ونظامها الخفيّ، وطريقتها في الظهور. قد تكون الحكاية واحدة، لكن السرد يتعدّد بتعدّد الزوايا، كما تتغيّر ملامح المدينة الواحدة حين تُرى من نوافذ مختلفة.
السرد كفعل معرفي
يرى النقّاد، ومنهم رولان بارت، أن السرد شبيه بالحياة: لا بداية مطلقة له ولا نهاية حاسمة. إنّه علمٌ يتغذّى من التاريخ، والأسطورة، والفلسفة، وعلم النفس. فحين يسرد الكاتب، لا ينقل أحداثًا فحسب، بل يُعيد ترتيب العالم وفق وعيه، ويمنح القارئ فرصة لرؤية ما لم يكن مرئيًا.
الفصل الثاني: السرد من حيث ترتيب الأحداث – هندسة الزمن
السرد المتسلسل: يقين الخطّ المستقيم
السرد المتسلسل هو الابن البارّ للزمن المنطقي؛ يبدأ من نقطة، ويمضي بثبات نحو خاتمة محدّدة. فيه تتقدّم الأحداث كما تتقدّم الأيام في التقويم: بداية، ثم عقدة، ثم حلّ. هذا النمط شائع في السير الذاتية، والروايات التاريخية، والقصص التي تبحث عن الوضوح والاكتمال.
فلسفيًا، يعكس هذا السرد إيمانًا بأن للعالم نظامًا يمكن فهمه، وأنّ للزمن معنى يُدرك عبر التتابع.
السرد المتقطع: شظايا الذاكرة
على النقيض، يأتي السرد المتقطع كتمثيلٍ للوعي المكسور، أو الذاكرة الجريحة. تبدأ الحكاية من نهايتها، أو من ذروتها، ثم تعود القصة لتبحث عن جذورها. هنا، لا يسير الزمن إلى الأمام، بل يدور، ويتكسّر، ويتداخل.
هذا النوع يُجسّد رؤية فلسفية ترى أن الحقيقة ليست خطًا مستقيمًا، بل شبكة من اللحظات المتناثرة، وأنّ الفهم لا يتحقّق إلا عبر إعادة تركيب الشظايا.
السرد التناوبي: تعدّد المصائر
في السرد التناوبي، تتجاور الحكايات كما تتجاور الأرواح في مدينة واحدة. ينتقل الكاتب من قصة إلى أخرى، ثم يعود، كأنّ الزمن ذاته يتنقّل بين مسارات متوازية. غالبًا ما يوحي هذا النمط بأن المصائر مترابطة، وأنّ قصة الفرد لا تكتمل إلا بوجود قصص الآخرين.
الفصل الثالث: السرد والزمن – فلسفة اللحظة
السرد التابع (الماضي): حكمة التجربة
وهو الأكثر شيوعًا، حيث يُروى ما كان. الماضي هنا ليس زمنًا منقضيًا، بل مخزنًا للمعنى، ومرجعًا للفهم. السرد الماضي يمنح القارئ مسافة تأمل، ويحوّل التجربة إلى درس.
السرد المتقدّم (المستقبل): قلق الاحتمال
يستشرف هذا السرد ما لم يحدث بعد، وغالبًا ما يظهر في الخيال العلمي والدستوبيا. إنّه سرد السؤال لا الجواب، والاحتمال لا اليقين، ويعكس قلق الإنسان الحديث من المصير.
السرد الآني: القبض على اللحظة
فيه تتزامن الحكاية مع فعل السرد، كأنّ الكاتب يكتب وهو يعيش الحدث. هذا النمط يخلق توترًا عاليًا، ويجعل القارئ شريكًا في اللحظة.
السرد المدرج في الزمن: تعقيد البنية
يتداخل فيه الزمن مع الرسائل، واليوميات، وتعدّد الأصوات. هنا، لا زمن واحدًا للحكاية، بل أزمنة متراكبة تعكس تشظّي الوعي المعاصر.
الفصل الرابع: زاوية الرؤية – من يتكلم؟
السرد بضمير المتكلم: اعتراف الذات
يكشف هذا السرد الداخل النفسي للشخصية، ويمنح النص حرارة الاعتراف. لكنه، في الوقت نفسه، يقيّد المعرفة بحدود الوعي الفردي.
السرد بضمير المخاطب: مساءلة القارئ
نمط نادر، لكنه شديد التأثير. يجعل القارئ داخل النص، محاصرًا بالخطاب، كأنّ الحكاية تُقال له شخصيًا.
السرد بضمير الغائب: عينٌ عليمة
يمنح الكاتب سلطة شاملة على العالم السردي، ويتيح رؤية كلية للأحداث والشخصيات.
الفصل الخامس: الرؤية السردية – حدود المعرفة
• الرؤية من الخلف: السارد يعرف أكثر من الشخصيات، كإلهٍ صغير يكشف الأسرار.
• الرؤية المصاحبة: معرفة مشتركة بين السارد والشخصية.
• الرؤية من الخارج: السارد يعرف أقل، ويترك للقارئ مهمة التأويل.
كل رؤية تعكس موقفًا فلسفيًا من الحقيقة: هل هي مطلقة؟ نسبية؟ أم عصيّة على الإدراك؟
الفصل السادس: السرد بين الوصف والحكاية
السرد حركة، والوصف سكون. السرد يدفع الزمن إلى الأمام، بينما يعلّقه الوصف ليتأمّل التفاصيل. غير أنّ الأدب الحقيقي يولد من تزاوجهما: من حركةٍ ترى، ورؤيةٍ تتحرّك.
الفصل السابع: السرد وأهميته – لماذا نحكي؟
السرد ليس ترفًا جماليًا، بل ضرورة إنسانية. به نفهم الماضي، ونفكّك الحاضر، ونستشرف المستقبل. هو أداة للتأثير، وللمعرفة، ولإعادة تشكيل الواقع. ومن خلاله، تتحوّل التجربة الفردية إلى معنى جماعي، والحدث العابر إلى ذاكرة مشتركة.
خاتمة: السرد بوصفه بيت الإنسان
في النهاية، يمكن القول إنّ السرد هو بيت الإنسان الرمزي؛ فيه يسكن، ومنه يطلّ على العالم. تتغيّر أشكاله، وتتبدّل تقنياته، لكن جوهره واحد: أن نحكي كي نفهم، وأن نفهم كي نواصل العيش. فالأدب، في أعمق تجلّياته، ليس إلا محاولة نبيلة لأن نقول للزمن: لقد مررتَ بنا، ونحن حكيناك.
أولًا: مراجع عربية
1. جيرار جينيت (ترجمة): خطاب الحكاية: بحث في المنهج – ترجمة: محمد معتصم وآخرين
2. سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي
3. عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية
4. حميد لحمداني: بنية النص السردي
5. محمد القاضي وآخرون: معجم السرديات
6. صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص
ثانيًا: مراجع أجنبية (مترجمة أو في لغتها الأصلية)
1. Gérard Genette – Narrative Discourse
2. Mieke Bal – Narratology: Introduction to the Theory of Narrative
3. Roland Barthes – Introduction to the Structural Analysis of Narratives
4. Wayne C. Booth – The Rhetoric of Fiction
ثالثًا: مراجع جامعية ومقالات
• مجلات: فصول – عالم الفكر – علامات – مجلة الآداب
• رسائل ماجستير ودكتوراه في السرديات وتحليل الخطاب الروائي
