انتصار القلب … و هزيمة الكبرياء

انتصار القلب … و هزيمة الكبرياء
لم يكن صراعًا عابرًا ، ولا خلافًا زوجيًّا تقليديًّا يُحلّ بنصيحة عابرة أو صمتٍ طويل. كان صراعًا وجوديًّا، نفسيًّا، فلسفيًّا، بين روحين متشابهتين حدّ التطابق، ومختلفتين حدّ التنافر. صراعًا بدأ قبل أن تُعقد العهود، وقبل أن تُلبس الخواتم، وقبل أن تُقال كلمة “زوجتي”. منذ اللقاء الأول، في أحد استوديوهات القاهرة المزدحمة بالأضواء والضجيج، وقف محمد ونورهان وجهًا لوجه، لا كعاشقين محتملين، بل كخصمين بالفطرة. كان من المفترض أن يجمعهما الانسجام الفني؛ هو بطل الفيلم، وهي بطلته، بينهما مشاهد حب، ونظرات شوق، وقبلات مصطنعة أمام الكاميرا… لكن خلف الكواليس، كان كل شيء ينهار. كان محمد يرى فيها تحديًا مباشرًا لصورته عن نفسه. شاب وسيم، حاضر النكتة، اعتاد أن تتسابق النساء إلى قلبه كما تتسابق الفراشات إلى الضوء. وكانت نورهان… لا تنظر. لا تبتسم. لا تُعجب. تستقبله ببرودٍ أنيق، وكأن وجوده لا يضيف شيئًا إلى يومها. من تظن نفسها ؟ كان صوته الداخلي يهمس بحدة. كيف لا تسقط ؟ كيف لا تُفتن ؟ أما نورهان، فكانت ترى فيه صورة مألوفة للرجل الذي يريد أن يكون محور الكون. كبرياؤه كان يجرحها، ونرجسيته تستفز استقلالها، فقررت – دون اتفاق – أن لا تمنحه ما يريد: الاعتراف. وهكذا نشأت الحرب. مشاهد الغرام تنتهي، فتبدأ السخرية. القبلات تُمحى بانتقادات لاذعة، والضحكات تتحول إلى سهام خفية. ومع ذلك… كان كل واحدٍ منهما، في غياب الآخر، لا يتحدث إلا بالإطراء. كأن الكراهية المعلنة لم تكن سوى قناعٍ شفاف لحبٍ خجول.  جاء المرض فجأة. نورهان، تلك القوية المتماسكة، سقطت على سرير المستشفى. وهناك، حدث ما لم يكن في الحسبان. محمد … لم يغادر. جلس قربها حتى منتصف الليل. ناولها الدواء بيده. أطعمها، سقاها، وتحدث معها بصوتٍ خافت لا يعرفه أحد. وفي تلك الليالي، كان صراعه الحقيقي مع نفسه. لماذا أبقى ؟ لماذا يهمني هذا الضعف ؟ أأنا أفعل هذا نبلًا… أم حبًا ؟ وعندما شفيت، نظرت إليه بعينٍ أخرى.عين ترى الرجل خلف القناع. قالت بهدوءٍ صادق: لقد انتصرتَ عليّ يا محمد. ابتسم، وقال وهو يهرب من عينيها: بل أنتِ التي انتصرتِ يا نور. وفي ليلة ربيعية، بعد سهرة بريئة قرب الأهرام، انحنى على خدّ المرأة التي كان يزعم أنه يكرهها… وقبّلها . حينها فقط، سقطت الأقنعة. واعترف الاثنان: الحب كان موجودًا منذ النظرة الأولى، لكن الكبرياء كان أعلى صوتًا.  ظنّا أن الاعتراف نهاية الصراع.كانا ساذجين. ما إن أُغلق باب بيت الزوجية، حتى عاد السؤال الأزلي: من القائد؟ من الحاكم؟ من صاحب الكلمة الأخيرة؟ كانا فنانين مثقفين، ومع ذلك، لم يفكرا أن الزواج ليس ساحة حرب، بل شراكة. لم يكن بينهما غالبٌ ومغلوب، لكن كلًّا منهما أراد أن يكون الغالب. محمد ، في داخله، كان مأزومًا. كيف أخضع امرأة تشبهني ؟ موهوبة، ذكية، جميلة، مستقلة ؟ كيف أكون القوّام… دون أن أنكسر ؟ . فخطرت له حيلة. حيلة صغيرة، ماكرة، أنثوية في جوهرها: إثارة الغيرة. كتب رسائل غرامية… لنفسه. تركها حيث تراها نورهان.كلمات ملتهبة، عواطف مشتعلة، امرأة مجهولة تعشقه بجنون. لكن نورهان… لم تكن ساذجة. دخلت عليه ذات يوم، وهو يكتب رسالة جديدة.قرأتها بعينٍ خبيرة، وفهمت اللعبة. ضحكت. ضحكة امتزج فيها الارتياح بالحب، والحنان بالسخرية. ارتمت على صدره، وقالت بين الدموع: يا لك من طفلٍ ذكي… وغبي. ظنّ محمد أنه انتصر.  كان يروي قصته بفخر: وهكذا… أصبحت طوع يدي . لكن الحقيقة كانت أعمق. في يومٍ لاحق، سألت نورهان بابتسامة غامضة: أحقًّا انتصر محمد ؟ لم تجب. بل أمسكت كأس الماء… وطار الكأس. ثم الصحون. ثم الكراسي. تحولت الكوميديا إلى مأساة. ودخل محمد المستشفى… هذه المرة، مكسورًا.  في الغرفة البيضاء، كانت نورهان هناك. كما كان هو من قبل. تقدم الدواء في موعده. تطعمه، تسقيه، وتلمس جراحه بحنانٍ صامت. نظر إليها، بعينٍ دامعة، وقال: لقد انتصرتِ عليّ يا نورهان. ابتسمت، وقالت بصدقٍ نادر: بل أنت الذي انتصرت يا محمد… حين تخلّيت عن وهم الانتصار. في تلك اللحظة، فهم الاثنان الحقيقة التي تأخرت طويلًا: أن الحب ليس غلبة،ولا الزواج ميدان سيادة،وأن الانتصار الوحيد… هو أن يهزم الإنسان كبرياءه، لينقذ قلبه. وهكذا… لم ينتصر محمد على زوجته ،ولا انتصرت نورهان على زوجها، بل انتصر الحب، حين هُزمت الأنا.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال