حين نطقت الذبذبات… وابتسم الكلب
قال لي الصوت المرتجف عبر الهاتف، بعد صمت قصير كأنه كان يختبرني:
مش من مستشفى المجاذيب زي ما افتكرت…
ثم أردف، بنبرةٍ حاول أن يجعلها ساخرة وفشلت:
يبقى يهمني أعرف إيه الحكاية.
ضحكتُ ضحكةً خفيفة، تلك الضحكة التي يطلقها الإنسان حين لا يعرف هل يطمئن أم يفرّ.
قلت:
ما دامت الحكاية كبيرة كده… ما تتصلش بالدكتور طه حسين؟
الدكتور طه حسين مش هيصدق. وبعدين… إنت راجل على قدّك.
يظهر إني فعلًا على قدّي… من ناحية العقل. أشوفك فين؟
وفي مساءٍ قاهريٍّ خافت الأضواء، في ركنٍ تتآمر فيه الظلال مع الدخان، جلستُ إلى رجلٍ هادئ، لا يثور إلا في عينيه. كان صوته ساكنًا، لكن داخله يعوي.
قال:
اسمع… وما تقاطعنيش. لو سألتني دلوقتي، هتضيع الحقيقة.
لو رأيتني منذ عشرين يومًا، لقلت إنني مجنون.
كنت أهذي، أرتجف، لا أغادر بيتي. شهرٌ كاملٌ وأنا أسير في متاهة رأسي. منذ تلك الليلة… ليلة الرعب القاتل.
أنا رجلٌ أرمل منذ أربع سنوات. أعيش مع ابني الوحيد، بهاء، في فيلا صغيرة على أطراف المدينة. لا همّ لي بعد موت زوجتي سوى أن أراه يكبر، وأن أفتش في ملامحه عن وجهها… وجهها الذي غفر لي كل شيء.
كنا نعيش حياة بسيطة:
أعود من عملي، يعود من مدرسته، نتناول طعامًا أعدّته خادمة الصباح. أنيمه قليلًا، ثم أجلس جوار الراديو.
الراديو… صديقي الوحيد.
أعبث بالموجات، أتنقل بين إذاعات العالم، أراقب صورة زوجتي المعلقة على الحائط، ثم أنظر من النافذة إلى الحديقة حيث يلعب بهاء مع كلبه الضخم الوديع: لايكا.
كان العالم يومها يتحدث عن “لايكا” الأخرى… الكلبة التي صعدت إلى الفضاء.
وكان ابني يسألني:
يعني إيه سافرت القمر؟
أشرح، فيبتسم، ثم يجري ليحدث كلبه عن قريبته التي تطير حول الأرض.
وأبقى أنا… مع الراديو.
علّمتني زوجتي، حين مرضتُ عامًا كاملًا، أن أستمع إليه.
قالت لي:
حتى المرض ممكن يبقى متعة… الراديو ده يوديك بلاد الناس بتدفع عمرها عشان تشوفها.
ماتت… وبقي الراديو في مكانه. لم أحرّكه منذ خمس سنوات.
في ذلك اليوم، كانت أمريكا تقول إن “لايكا” هبطت في روسيا، وروسيا تقول إنها ماتت، وإنجلترا تشكك.
كنت أتنقل بين الموجات، لا أبحث عن برامج… بل عن الذبذبات.
صرت أجد لذة غريبة في الضجيج الخام، في الأصوات التي لا معنى لها.
وفجأة…
سمعت شيئًا مختلفًا.
ذبذبات لم أعرفها من قبل.
ليست رتيبة.
كانت… كأنها تحاول أن تقول شيئًا.
تحركت يدي وحدها، ضبطت الموجة، أرهفت السمع.
أسرعت بجهاز التسجيل، وصلته بالراديو، وبدأت التسجيل.
كنت أشعر… لا أسمع فقط.
كأن أحدهم يطرق جدار رأسي من الداخل.
ثم اختفت الذبذبات.
بحثت عنها، فشلت، أغلقت الراديو، وعدت إلى الشريط.
وفي تلك اللحظة…
دخل بهاء ضاحكًا، وخلفه لايكا ينبح.
لكن ما إن وصل صوت التسجيل إلى أذن الكلب…
حتى سكت.
سكت فجأة، كأن يدًا خفية خنقته.
اقترب من الجهاز، جلس، وأرهف السمع.
كان المشهد غريبًا… حتى على طفل.
ثم انتهى الشريط.
تقدم الكلب نحوي.
نظر إليّ… لا، لم ينظر.
استعطفني.
في عينيه شيء إنساني.
فتح فمه، وأطلق أصواتًا… تشبه، بشكل مرعب، تلك الذبذبات.
شعرت بالخوف.
خوفٍ بلا اسم.
فتحت الراديو، جاءت أغنية عادية.
نظر إليّ الكلب بحزن… وحين لم أفهم، طأطأ رأسه وابتعد.
قال بهاء ضاحكًا:
— لايكا… بلاش تروح القمر!
لكن لايكا لم يضحك.
خرجتُ من البيت، أمشي بلا وعي.
ثم عاد إليّ خوفٌ مفاجئ…
بهاء وحده.
والكلب.
عدتُ مسرعًا.
البيت صامت.
ناديت.
صرخة ابني جاءت مشبعة بالرعب.
دخلت الغرفة…
فرأيت الذئب.
لم يكن كلبًا.
كان شيئًا آخر، متضخمًا، شريرًا، يقف أمام ابني، وجهاز التسجيل مفتوح.
ضربته، صرخت في بهاء أن يخرج.
ثم…
استدار الكلب نحوي.
وعلى وجهه…
ابتسامة.
ابتسامة بشرية.
شريرة.
واعية.
ثم… تكلّم.
— وصلتنا الرسالة… أنتم لستم الأفضل. نحن نُفينا في هذه الصورة، وسنعود. لكن بعد أن نقتلكم. الأرض لنا. وسأبدأ بك.
لم أندهش.
كأن عقلي كان ينتظر هذا الجنون.
تشابكنا.
ضغطت على رقبته.
حتى سقط.
لم أقتل إلا كلبًا… دفاعًا عن نفسي.
بعد أن نام بهاء، أغلقت الأنوار، دفنت الجثة في الحديقة.
عدت… وشغلت الشريط.
خفضت السرعة.
وظهرت الكلمات.
رسالة.
إلى الكلاب.
إلى المنفيين.
تعليمات للسيطرة… وللقتل.
مزقت الشريط.
محوته.
سقطت مغشيًا عليّ.
شهرًا كاملًا… وأنا بين الحياة والجنون.
رفع الرجل رأسه، ونظر إليّ.
قال، بصوتٍ كأنه يأتي من قاع بئر:
— الخطر مش في القصة… الخطر إنكم تضحكوا.
ثم أضاف:
— أفضل أن تفنى البشرية بحربٍ ذرية…
ولا أن تفنى… بابتسامة كلب.
وسكت.
أما أنا…
فلم أعد أسمع الراديو بالطريقة نفسها أبدًا.
