هذه الأفعى تسلّلت إلى وطننا
نشأة المشروع الصهيوني
هل أنسى تلك الساعة الباكرة من صباحٍ صيفيٍّ جميل، ذات يومٍ من شهر يونيو سنة 1931، حين نزلنا – شقيقي وأنا – في محطة اللد بفلسطين الحبيبة، لنبدّل قطارًا بقطارٍ آخر متجهٍ إلى القدس، لنراها للمرة الأولى؟
لم تكن الشمس قد ظهرت بعد في الأفق، سوى طلائع نورٍ رماديٍّ ناعم، هو أحبّ أضواء السماء إلى نفسي. وكان الهواء رطبًا يلامس الوجوه بلمسةٍ رقيقة، كأن الصباح يتنفّس بهدوء. خلا رصيف المحطة إلا منّا، ورجلٍ واحدٍ يرتدي سروالًا قصيرًا فوق الركبتين، وقميصًا ذا جيبين منتفخين على الصدر.
كانت معنا حقيبةٌ وضعناها على أرض الرصيف، أما الرجل فلم يكن يحمل شيئًا. أخذنا نذرع الرصيف جيئةً وذهابًا، بخطى وئيدة، وكان هو يفعل الأمر ذاته، لكن في اتجاهٍ معاكس. كنا نلتقي عند نقطةٍ تتغيّر كل مرة لاختلاف السرعتين، فننظر إليه بريبة، وينظر إلينا بنظرةٍ جامدةٍ تحمل شرًّا مكتومًا.
حتى وقف ذات مرة عند حقيبتنا، فوقفنا، وبادرناه بتحية الصباح بالإنجليزية، إذ حسبناه من القوم، فسمته كانت سماتهم. ردّ التحية بفتورٍ باردٍ يبعث القشعريرة في البدن.
سألته: أأنت بريطاني ؟
قال: لا.
قلت: فما قوميتك إذن؟
قال: يهودي.
قلت بدهشة السذاجة البريئة:
لم أسألك عن دينك، بل عن قوميتك.
فقال، بلهجةٍ حاسمة : يهوديتي هي قوميّتي.
تبادلنا أنا وأخي نظرات التعجب، وصمتنا. وجاء القطار، فركبناه إلى القدس.
حين تختلط القومية بالعقيدة
لم نكد نخلو إلى أنفسنا في القطار حتى أخذنا نتساءل عمّا قصده الرجل بقوله إن يهوديته هي قوميته. لكن، هل كان في علمنا آنذاك ما يكفي لإدراك أبعاد هذه العبارة؟
كنا قد فرغنا من الدراسة منذ عام، وكنا نتابع ما يكتبه المفكرون والأدباء، حتى جاز القول إننا كنّا مثالًا للمتعلمين المثقفين في بلدنا. ومع ذلك، لم يكن لدينا من المعرفة ما يمكّننا من فهم هذا الربط الخطير بين القومية والدين.
ولا أدري إلى اليوم: أكان التقصير منّا؟
أم كان من رجال الفكر والأدب الذين لم يضعوا هذه الحقيقة أمام الأجيال بوضوح؟
القدس – الصدمة الأولى
نزلنا في القدس في فندقٍ متواضع، وما إن وضعنا حقيبتنا حتى خرجنا، وجلسنا في مقهى مقابل للفندق يعجّ بالحياة.
لا تزال اللحظة ماثلة في ذاكرتي:
الضوء ساطع، والظلّ عميق، والفواصل حادّة بين النور والعتمة. المكان مكتظّ بالأصوات: باعة ينادون، رواد مقهى يضربون الطاولات، وصخب الحياة يتدفّق.
لم تمضِ لحظات حتى تقدّم إلينا شابٌّ وسيم، قدّم نفسه، وكان – فيما أذكر – قريب التخرّج من كلية الحقوق، يعمل بالمحاماة. استأذن وجلس، ففرحنا به كما فرح بنا.
كان أول ما قال: – ما أنباء القضية في مصر؟
تبادلنا نظرة حائرة.
أي قضية؟
قال بحرارة المتحمّس:
قضية العروبة… قضية الوطن العربي… قضية فلسطين.
هنا فقط، شعرت بالخجل يكتسحني، وربط ذهني فورًا بين حديث هذا الشاب وعبارة الرجل المتغطرس في محطة اللد.
البراق – حين انكشف المستور
بدأ الشاب يروي، ونحن ننصت وقلوبنا تضطرب.
لم يكن قد مضى عامٌ واحد على أحداث البراق، الشرارة الأولى للثورة الفلسطينية سنة 1929، حين حاول اليهود الاستيلاء على حائط البراق، المعروف لديهم بحائط المبكى. فثار المسلمون، وامتدت الثورة من القدس إلى سائر المدن والقرى.
اضطرت حكومة الانتداب البريطاني إلى قمع الثورة بالقوة:
• ثمانمائة عربي حُكم عليهم بالسجن
• عشرون حُكم عليهم بالإعدام
• نُفّذ الحكم في ثلاثة، خلدهم إبراهيم طوقان في قصيدته «الثلاثاء الحمراء»
هنا بدأنا نفهم.
الصهيونية – استعمار بثوبٍ جديد
الصهيونية ليست إلا حركة استعمارية أوروبية، نشأت في القرن التاسع عشر مع موجة الاستعمار الكبرى، لكنها تميّزت بخبثها وجبنها.
في حين كان الاستعمار الأوروبي يهدف إلى:
• الثروة
• التجارة
• النفوذ
سعت الصهيونية إلى:
• تحويل الأرض المستعمَرة إلى وطن قومي
• ثم إلى دولة
ولأن فلسطين لم تكن أرضًا خالية، فقد أضيف إلى المشروع الاستعماري مشروعٌ إحلاليٌّ:
إحلال شعب مكان شعب.
لكن الصهيونية لم تجرؤ في البداية على إعلان نيتها إقامة دولة، فاكتفت بمصطلح «الوطن القومي»، لأن كلمة «الدولة» كانت كفيلة بإشعال المقاومة.
القومية المصطنعة – حين يصبح الدين عِرقًا
لم يكن بدّ للصهيونية – كي تحاكي القوميات الأوروبية – من اختراع رابطة قومية. لكنها لم تجد:
• لغة مشتركة
• تاريخًا موحّدًا
• ثقافة واحدة
فلم يبقَ إلا العنصر.
وهنا كان الادعاء الأخطر: أن اليهود جميعًا ينحدرون من أصلٍ عرقيٍّ واحد.
وهو ادعاء لم يعترف به أي عالم أنثروبولوجيا على وجه الأرض.
فالعنصرية هنا لم تكن نتيجة، بل كانت وسيلة.
: التقوقع – صناعة الاضطهاد
التقوقع اليهودي لم يكن قدرًا، بل اختيارًا واعيًا:
• العزلة
• رفض الاندماج
• تحريم الاختلاط
ثم تقديم هذا التقوقع للعالم على أنه اضطهاد.
والمفارقة الكبرى: أن العدو الحقيقي للصهيونية ليس من يضطهد اليهود، بل من يدعوهم إلى الاندماج.
لأن تجارتها السياسية تقوم على العزلة.
الدولة المسخ – عنصرية، عنف، توسّع
حين أُعلنت إسرائيل دولة، لم تكن دولة طبيعية، بل مسخًا سياسيًا يعاني عقدة نقص، فالتجأ إلى ثلاث سياسات:
1. العنصرية
2. الإرهاب
3. التوسع
العنصرية ضد من بقوا من العرب في أرضهم:
• حكم عسكري
• مناطق مغلقة
• منع التنقل
• قمع التعليم
• مصادرة الحقوق
أما الإرهاب، فكان:
• قبل الدولة
• وبعد الدولة
• وضد الحلفاء قبل الأعداء
وأما التوسع، فسياسة صامتة تُدار في الخفاء، وتُبرَّر أحيانًا بنصوص دينية مؤوّلة.
الأفعى واليقظة
الصهيونية أفعى:
• زحفت متخفية
• تسللت تحت عباءة الاستعمار
• ثم كشفت أنيابها
لكنها، مهما بدت قوية، تقوم على وهم.
ولحظة واحدة من يقظة عربية صادقة، كفيلة – إن لم يكن اليوم، فغدًا –
أن تقوّض بنيان الوهم من أساسه.
