انتهاء أسطورة إسرائيل إلى الأبد

انتهاء أسطورة إسرائيل إلى الأبد
هل يمكن لحربٍ أن تعيد تعريف الضحية؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح بوابة واسعة على جدل عميق بين الأخلاق والسياسة، بين السرد التاريخي والواقع ، بين الذاكرة التي تُستعاد كعزاء، والذاكرة التي تُستغلّ كأداة للهيمنة. إنه سؤال يمتحن حدود الخطاب، ويعيد تشكيل معنى العدالة في ضوء مأساة لا يمكن تجميلها. منذ اللحظة الأولى لقيام إسرائيل بوصفها مشروعاً سياسياً استعماريا، تشكّلت صورتها أمام العالم على هيئة “ ضحية ناجية ” من أهوال المحرقة ، تقيم دولة تحميها من تكرار الماضي. غير أن التاريخ ، كما يقول هيجل ، لا يعيد نفسه إلا على هيئة مأساة ثم مهزلة . ومع امتداد المأساة الفلسطينية لعقود ، بدا واضحاً أن الضحية التي لم تتصالح مع جراحها حملت تلك الجراح كسلاح ، حتى غدت تمارس العنف باسم الخوف من العنف ، وتعيد إنتاج القهر الذي عانت منه ، ولكن على أجساد آخرين. الحرب الأخيرة على غزة لم تكن مجرد فصل جديد من الصراع ، بل كانت، من حيث التأثير، نقطة تحوّل هزّت الأساطير المؤسسة للوعي العالمي تجاه إسرائيل . ففي الوقت الذي كانت فيه الرواية الإسرائيلية تتكئ على خطاب الدفاع عن النفس ، انهار هذا الخطاب تحت وطأة آلاف الصور التي وثّقت واقعاً لا يمكن إنكاره: أطفال ممددون تحت الأنقاض ، أحياء كاملة تُمحى من الوجود ، وأصوات تتقطع وهي تنادي أحبّتها عبر الغبار. وهكذا، انكشف العالم على نفسه، وانكسرت أسطورة إسرائيل التي طالما بدت عصيّة على المساءلة. تحول المعنى: من ذاكرة الهولوكوست إلى مأساة غزة إن المفارقة الأكثر إيلاماً في التاريخ أنّ الشعارات التي رفعتها إسرائيل ــ " لن يتكرر الهولوكوست " ــ أُعيد توظيفها لتبرير عنف لا يمكن الاحتماء منه بالذاكرة . فحين تتحول الذاكرة إلى أداة سلطة ، تفقد معناها الأخلاقي ، وتصبح مبرراً لهيمنة تتغذى على الخوف طعاما لها . حنة أرندت ( محررة صهيونية ) ، في حديثها عن " تفاهة الشر " ، كشفت أن الجرائم الكبرى لا تحتاج إلى وحوش خارقين كما صورتهم الأساطير القديمة ، بل إلى أشخاص عاديين يمارسون أدوارهم الوظيفية ببرود . وفي غزة ، تجسدت هذه الفكرة بوضوح : ضابط يضغط زرّاً ليطلق صاروخاً ، مذيع يبرر القصف باسم الأمن ، ومؤسسة عسكرية تقدّم الأرقام والخرائط وكأنها تتحدث عن عملية حسابية لا عن أرواح بشرية . و أبواق أمريكية تتعامى عن الواقع المؤلم ، بل تمد هذا الواقع بأسلحة و عتاد و جنود . الهولوكوست ( الألماني )، التي كانت رمزاً للاضطهاد الإنساني، تحولت في المخيلة الغربية إلى شهادة إعفاء تمنح إسرائيل حصانة من النقد . ولكن صور غزة نجحت في اختراق هذا الجدار السميك من التعاطف التاريخي . فالمجازر لم تعد قابلة للتغطية بلغة " الأضرار الجانبية "، ولا يمكن وصف قتل الأطفال بأنه مجرد " خسائر غير مقصودة " ، و قتل النساء ، بل و هدم المباني على ساكنيها . لقد تغيّر مركز السرد : لم يعد يأتي من تل أبيب أو البيت الأبيض ( المدافع عن الجريمة باسم ألأمن ) ، بل من شريط فيديو يصوره طفل يبحث عن عائلته ، أو من أم تحمل أجزاء جسد صغير بين يديها وتصرخ في وجه العالم ، و أغلب العالم يقف مكتوفي الأيدي ، معصوب العينين . انهيار الدعائم السردية: الخوف، البراءة، والضرورة قامت إسرائيل على ثلاث دعائم خطابية أساسية: 1. ** الخوف ** بوصفه شعوراً يبرر القوة. 2. ** البراءة الأخلاقية ** بوصفها نتاجاً للاضطهاد التاريخي. 3. ** الضرورة ** باعتبارها مبرراً لكل إجراء عنيف باسم البقاء. لكن هذه الدعائم بدأت تتهاوى أمام وعي عالمي أكثر قدرة على التمييز، وأكثر جرأة على مساءلة الخطاب السياسي والإعلامي الغربي. العالم الذي صدّق لسنوات أسطورة " الديمقراطية الوحيدة " اكتشف أن هذه الديمقراطية ليست سوى قشرة تخفي نظاماً يقوم على الفصل العنصري والاستيطان . ومع انتشار وسائل التواصل ، لم يعد بالإمكان حجب الحقيقة أو تدويرها عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. كما يقول سلافوي جيجك ( محرر صحفي ) ، حين تنكشف " البنية الخيالية " التي يستند إليها خطاب سياسي ما ، يصبح الواقع أكثر قوة من أي رواية . وهذا ما حدث للمرة الأولى : خرجت الحقيقة من شقوق الخطاب ، وتجاوزت قدرة إسرائيل على التحكم في صورتها أمام العالم. حين يكسر المواطن الرقمي احتكار الرواية في الماضي، كان الإعلام الغربي يملك سلطة شبه مطلقة في تحديد ما يُنشر وما يُحجب. أما اليوم، فالكاميرا ليست حكراً على الصحفيين ، بل يحملها طفل في مخيم ، أو امرأة تقف قرب ركام منزلها . هذه الصور ــ بصدقها الفطري ــ دخلت إلى الضمير الإنساني من دون إذن ، وباتت تشكل رواية بديلة تُضعف الخطاب الرسمي. نعوم تشومسكي ( الكاتب السياسي ) انتقد طويلاً لغة التعقيم الإعلامي التي تسمح بتمرير الجرائم عبر مفردات ناعمة . لكن غزة نجحت في فضح هذا التعتيم ، لأن الصورة كانت صادمة إلى درجة تمنع تلطيفها . لقد أصبح المتلقي العالمي أكثر وعياً ، وأقل استعداداً لقبول تبريرات القوة. إن فيض الصورة لم يكسر الرواية الإسرائيلية فحسب، بل كشف كيف أن المؤسسات الإعلامية الغربية نفسها لم تعد قادرة على حماية خطاب الهيمنة من النقد الشعبي المتصاعد. العالم أمام مرآة غزة: سقوط الخطاب الأخلاقي الغربي الحرب الأخيرة على غزة لم تفضح ازدواجية إسرائيل وحدها ، بل فضحت ازدواجية العالم . فالذي يدين الاحتلال الروسي باسم القانون الدولي ، يجد نفسه متلعثماً حين يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي . والذي يبكي على أطفال أوكرانيا، يصمت حين يُقصف أطفال غزة. إن ما يسميه تشومسكي بـ" النفاق المنظم " بات مكشوفاً إلى حدّ السذاجة. فالحريات لم تعد قيماً عالمية ، بل أدوات سياسية تُطبّق وفق الهوية العرقية والجغرافية للضحايا. ومع هذا الانكشاف، بدأ كثير من المثقفين والناشطين والطلاب في الغرب يطرحون سؤالاً لم يكن مطروحاً من قبل: هل أصبح الدفاع عن إسرائيل دفاعاً عن ماضٍ استعماري يحاول الغرب إخفاءه؟ إلى متى يستمر مسلسل الاستعمار و نهب الشعوب المهيضة الجناح ؟ غزة، بهذا المعنى المأساوي ، لم تكن مأساة محلية ، بل كانت مرآة انعكس فيها وجه العالم القمئ . إسرائيل كمرآة استعمارية: من استثناء أخلاقي إلى نموذج للهيمنة لأول مرة، تُقرأ إسرائيل لا بوصفها حالة استثنائية، بل كامتداد طبيعي لمشروع استعماري . فكرة الاستثناء الأخلاقي التي تمتعت بها لعقود تبدأ اليوم في التآكل ، لأن العالم بات يرى في ممارساتها ما يشبه ماضيه المظلم : التهجير، الفصل ، محو القرى ، فرض واقع بالقوة ، وتبريره بضرورات الأمن. بهذا الانزياح ، انتقلت إسرائيل من كونها رمزاً للنجاة إلى رمز للهيمنة ، ومن كونها ضحية إلى كونها سلطة استعمارية. وهذا التحول لم يأتِ عبر خطاب سياسي ، بل عبر صدمة أخلاقية تلقّاها العالم وهو يشاهد حجم الدمار في غزة. يقظة العالم الجديد: جيل يرفض ازدواجية القيم في الجامعات ، وفي الساحات ، وفي الحركات الشعبية ، ظهر جيل جديد يرى القضية الفلسطينية معياراً لصدق القيم الغربية نفسها. فليس بإمكان من يؤمن بالعدالة أن يقبل الاستثناء، ولا بمن يدافع عن حقوق الإنسان أن يبرر قتل المدنيين. الفيلسوفة جوديث بتلر تحدثت عن " الحياة التي تستحق الحزن " و" الحياة التي لا تستحقه ". وقد كشفت غزة هذا التصنيف القاسي الذي يحكم السياسة الدولية. والجيل الجديد ، الذي تربى على فكرة أن البشر متساوون في القيمة ، وجد نفسه لأول مرة في مواجهة حقيقة مرعبة : أن هذه المساواة مجرد شعار. إن التحول الذي يشهده العالم اليوم ليس سياسياً فقط ، بل هو أخلاقي بعمق ، لأن القيم التي تُنتهك في غزة ليست قيم شعب أو ثقافة محددة، بل قيم الإنسانية ذاتها. بين الركام والمرآة… تولد الحقيقة هل يمكن أن يولد وعي عالمي من تحت الركام؟ قد يبدو السؤال شاعرياً ، لكنه أصبح اليوم حقيقة سياسية وأخلاقية. فغزة لم تنتصر بالسلاح ، لكنها انتصرت في معركة الصمود ، وحققت ما عجزت عنه عقود من الدبلوماسية الجوفاء: أسقطت القناع عن أسطورة إسرائيل. لقد أدرك العالم أن: القوة لا تمنح البراءة والذاكرة لا تبرر الظلم والضحية ليست هوية أبدية والقيم لا تُطبّق وفق لون الجغرافيا إن ما انكسر اليوم ليس مجرد خطاب سياسي ، بل البنية الأخلاقية التي سمحت للعالم أن يتجاهل معاناة الفلسطينيين كل هذه السنين. ومع سقوط هذه البنية، لم تعد إسرائيل كما كانت في الوعي الدولي، ولم يعد العالم كما كان حين ينظر إلى فلسطين. فالمرآة التي رفعتها غزة كشفت هشاشة القيم حين تُختبر أمام الدم ، وأظهرت أن معنى الإنسان نفسه معرّض للتلاشي حين ينحاز العالم لقوةٍ لم تعد تملك سوى قدرتها على التدمير. ربما لم تنته الحرب ، لكن المؤكد أن أسطورة إسرائيل — بكل أبعادها الأخلاقية والتاريخية — قد بدأت تتفكك. وما بين الركام والمرآة ، وُلدت لحظة الحقيقة: لحظة تُعيد تعريف ما يعنيه أن نكون بشراً في عالم تتآكل فيه إنسانيتنا حين نصمت أمام الظلم. الصمود الأمريكي و إذا كان العالم كله تبنى القضية الفلسطينية ( كلاما ) فإن أمريكا تقف في وجه العالم ، و يعلن الشرطي الفاسد بكل وقاحة الحق في الحياة و الأمن ، في الوقت الذي تتبجح فيه اسرائيل ـ تضرب جيرانها ، تقف أمريكا و ترسل مندوبيها كمراسلين يهددون الدول المجاورة ( سوريا و لبنان ) و يطالبون بتجريد المقاومة من السلاح ، بل و تطلب العفو و السماح للسفاح . أنها حقا مهزلة تستحق أن تضاف إلى مهازل أمريكا السوداء من انشائها إلى ضرب الدول التي تدافع عن غزة ( ضرب اليمن ) بل تسمع الافتراء الصهيوني و تضرب ايران . حقا أنه لشرطي فاسد ينهب الدول العربية في الخليج نهبا منظما ، و العرب ما زالوا في ثبات أهل الكهف .

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال