اسم الفاعل
مقدّمة
يُعَدّ اسم الفاعل أحد أهم المشتقات في النحو العربي، إذ يدلّ على من قام بالفعل أو اتصف به في زمنٍ حاضر أو مستقبَل، ويُعدّ جسرًا بين الفعل والصفة، يجمع بين الحركة الدلالية للفعل والصفة الثابتة للاسم. وقد اعتنى النحاة بهذا المبحث لصلته الوثيقة ببناء الجملة العربية، ولما يترتّب عليه من أحكام إعرابية وصيغٍ صرفيةٍ دقيقة.
يقول الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾
دلالةً على صفاتٍ تُشبه أسماء الفاعلين من حيث الصيغة والعمل.
أولاً: تعريف اسم الفاعل
اسم الفاعل هو اسمٌ مشتق من الفعل المعلوم، يدل على من وقع منه الفعل أو قام به، مثل: كاتب، قارئ، مستمع.
وتنبع أهميته من كونه يحمل معنى الحدوث إن كان غير مقرون بـ(أل)، وقد يدل على الدوام والثبوت إذا اقترن بما يدلّ على الصفة المشبهة.
ثانياً: صيغ اسم الفاعل
1. صياغته من الفعل الثلاثي
يصاغ اسم الفاعل من الفعل الثلاثي على وزن (فاعل)، بزيادة ألف بعد الحرف الأول وكسر حرف العلة أو السالم في آخره.
الفعل اسم الفاعل
جلس جالس
كتب كاتب
حفظ حافظ
ومن شواهد القرآن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
حيث جاء "خالق" على وزن "فاعل".
إذا كان الفعل الثلاثي أجوفًا
أي كان وسطه حرف علّة، كـ: قال، نام، عاد.فتُقلَب ألف الفعل همزةً في اسم الفاعل، مع بقاء الوزن: فاعل مثل:
الفعل اسم الفاعل
قال قائل
نام نائم
عاد عائد
وقد قال الشاعر:
ألا ليتَ الشبابَ عائدٌ فيرجعُ
فجاء "عائد" على وزن فاعل للدلالة على التمني.
2. صياغته من الفعل غير الثلاثي
يُشتق اسم الفاعل من غير الثلاثي بصيغةٍ ثابتة:
الإتيان بالفعل المضارع، ثم إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل آخره.
أمثلة:
الفعل الماضي المضارع اسم الفاعل
استمع يستمع مُستمع
اجتهد يجتهد مُجتهد
أدار يدير مدير
استقال يستقيل مُستقيل
وقال المتنبي في وصف ممدوحه:
وما الدهرُ إلّا مِن رُواتِكَ مُستمع
فاشتُق "مستمع" من الفعل غير الثلاثي.
3. اسم الفاعل الناقص
إذا كان آخر اسم الفاعل ياءً، فإنه يحذف الياء عند التنكير إذا لم يُضَف الاسم ولم يُعرَّف بـ(أل)، مثل:
• جاء قاضٍ.
• مررتُ بـمُهتدٍ.
• سلمتُ على داعٍ.
أمّا عند الإضافة أو التعريف فتبقى الياء:
• جاء قاضي المدينة.
• هذا الداعي إلى الخير.
ثالثاً: موافقة اسم الفاعل لمضارعه
يُشابه اسم الفاعل مضارعه من حيث الصحة والاعتلال، ومن حيث عدد الحروف والحركات والسكنات، مثل:
• عامل ← يعمل
• مكتمل ← يكتمل
• مُستسلم ← يستسلم
وهذا التشابه ناشئ من كون اسم الفاعل يحمل معنى الفعل وإن كان يأخذ صورة الاسم.
رابعاً: متى تأتي صيغة اسم الفاعل صفة مشبّهة؟
قد تأتي كلمة على وزن اسم الفاعل، ولكنها ليست اسم فاعل بل صفة مشبهة تدل على الثبوت لا الحدوث.
أمثلة:
• الجندي صادق الانتماء.
• الرجل رابط الجأش.
• الفارس ثابت العزيمة.
ومن القرآن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
فالمراد به الدوام والثبوت، لذلك عُدَّ صفة مشبهة لا اسم فاعل.
علامات دلالتها على الصفة المشبهة
1. الإضافة إلى مرفوعها:
o رابطُ جأشه
o كاملُ العقل
2. دلالتها على الدوام بطبيعتها:
o خالد، دائم، مستمر
3. القرينة المعنوية: معنى الثبوت الذي لا يتغيّر، كما في الآية المذكورة.
خامساً: عمل اسم الفاعل
يعمل اسم الفاعل عمل فعله، فيرفع فاعلاً وينصب مفعولاً، بشرطين إذا كان غير مقرون بـ(أل):
1. إن كان مقترناً بـ(أل)
يعمل عمله مطلقاً دون شروط.
مثل:
• الباني مدرسةً كالهادمِ سجناً.
2. إن لم يكن مقترناً بـ(أل)
يعمل بشرطين:
أ) أن يدل على الحال أو الاستقبال
مثل:
• هذا رجل طالبٌ العلمَ.
• رأيتُ صديقاً يبحثُ الحلَّ.
ب) أن يعتمد على ما قبله
كأن يسبق بـ:
• استفهام:
o أزائرٌ رئيسَ الحكومةِ رئيسُ الجمهورية؟
• نفي:
o ما بائعٌ صاحبُ هذا الدكانِ شيئاً.
• نداء:
o يا طالباً العلمَ!
• موصوف:
o مررتُ برجلٍ مُجتهدٍ عملَه.
سادساً: أحكام متعلقة بمفعول اسم الفاعل
1. يجوز جرّ مفعوله بالإضافة
مثل:
• ما أنا بـجاحِدِ الحقِّ.
ويجوز نصب التابع مراعاةً للمحل:
• الحقَّ.
وجاء في شعر الأعشى:
الواهبِ المئةِ الهِجانِ وعبدِها عوذاً تُزجي بينَها أطفالُها
2. يجوز جرّ مفعوله بلام التقوية
مثل:
• الكشاف مُحبٌّ لوطنه.
والأصل: مُحِبُّ وطنَه.
3. عمل اسم الفاعل المثنّى والمجموع
يعمل كما يعمل المفرد تماماً:
• سررتُ من طالبين زائرَين مكتبةَ الجامعة.
• ليس الأمهاتُ بتاركاتٍ أبناءَهُنّ.
سابعاً: تقديم معمول اسم الفاعل
يجوز تقديم المعمول عليه إذا لم يكن اسم الفاعل:
1. مقترناً بـ(أل)
2. ولا مجرورًا بحرف جر أصلي
3. ولا مضافًا إليه شيء
مثال جائز:
• أزائراً رئيسَ الجمهوريةِ رئيسُ الحكومةِ؟
ومثال ممنوع:
• هذا المُعدُّ بحثاً. (لا يجوز تقديم "بحثاً")
ثامناً: إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه
يتفق النحاة على:
1. منع إضافة اسم الفاعل إلى فاعله
إذا كان الفعل متعديًا لأكثر من مفعول، إلا إن أُمن اللبس عند بعضهم.
وجاء في الشعر:
ما الراحمُ القلبَ ظلاّماً وإن ظلما ولا الكريمُ بمنّاعٍ وإن حرما
2. جواز إضافته إلى مرفوعه
إن كان الفعل لازماً، وكان اللفظ يراد به الثبوت لا الحدوث، فيصير صفةً مشبهة.
مثل:
• طاهرُ القلب
• ضامرُ البطن
تاسعاً: شواهد قرآنية وشعرية إضافية
من القرآن الكريم
1. ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ قَادِرٌ﴾ — "قادر" اسم فاعل من قادر.
2. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — "عليم" و"حكيم" على وزن "فعيل" للدلالة على الثبوت.
3. ﴿فَسَاءَ صَاحِبًا وَسَاءَ قَرِينًا﴾ — "صاحب" اسم فاعل من صحب.
من الشعر العربي
قوله للفرزدق:
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحَرَمُ
فـ"تعرف" فعل مضارع، واسم الفاعل منه "عارف".
وقول المتنبي:
على قَدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
"العازم" و"الكريم" من صيغ اسم الفاعل ودلالاته.
خاتمة
يظهر من خلال هذا العرض أنّ اسم الفاعل ليس مجرد صيغة صرفية، بل هو بنية دلالية ونحوية واسعة التأثير، يعمل كما يعمل فعله، ويأتي للدلالة على الحدوث حينًا، وعلى الثبوت حينًا آخر، وقد يقترب من الصفة المشبّهة أو يبتعد عنها وفق السياق والقرائن اللفظية والمعنوية.
ولذلك كان لزامًا على الدارس أن يلمّ بصياغته وأحكام عمله ومواضع إضافته ومعمولاته، حتى يستقيم له الفهم الصحيح للجملة العربية في نصوصها القرآنية والأدبية واللغوية.
