أنا وأنت… والمروحة القديمة

أنا وأنت… والمروحة القديمة
ها هي المروحة يا أبو محمد… تقولها بصوتٍ خافت، كأنها تخشى أن توقظ شيئًا لم يعد يستيقظ، أو أن توقظ في نفسها الحقيقة التي ما زالت ترفضها. كانت يداها ترتعشان وهي تمسح على إطار المروحة القديمة، تلك التي تعلّق بها زوجها في أيام الحر الطويلة. زعقت روح زوجها التي اتخذت من أذنه اليمنى مقامًا منذ ساعة: وهل يجدي المشهد الآن يا امرأة؟ لقد فات الأوان… لكنها لم تسمع. فالأحياء لا يسمعون من يستريحون في عالمٍ آخر. هي فقط تسمع صوت قلبها وهو يهبط في ظلمة وحدتها الجديدة.  كان أحمد قد خرج من فراشه قبل دقائق، متسللًا بخطواتٍ محسوبة، كأنه يخشى أن تكسر قدماه صمت الليل الذي التصق بالنوافذ. زوجته نامت من تعبٍ طويل، تعب الوظيفة، وتعب البيت، وتعب الأطفال، وتعب الحياة ذاتها. أما هو، فقد أيقظه شيء يشبه النداء… نواحٌ خافت، يجرّ روحه نحو بيت الجارة العجوز. وقف أمام الباب الخشبي المتآكل، يرفع يده ليطرق، ثم يخفضها، ثم يرفعها من جديد. كأنما يتردد بين الخوف والرحمة. وفي النهاية، طرق. مرة، مرتين… فانفتح الباب.  كانت العجوز واقفة، وعلى خديها خريطة من دموعٍ جفّت بعضها قبل أن تسيل غيرها. قالت بصوتٍ ممزق: أبو محمد مات مني يا أستاذ… تركني، وأنا لا أحد لي. الأولاد… الأولاد قطعونا تلفّت أحمد حوله، كأنما يتأكد أن الموت لم يكن مختبئًا خلف الباب. ثم قال، محاولًا أن يقنع نفسه قبلها: يمكن غيبوبة يا شيخة… أنتِ تعرفين مرض السكر. لكنها هزّت رأسها هزة تشبه انهيار جدارٍ قديم: لا… مات فعلاً. كان يكلمني عن الأولاد، عن جوعنا لعطفهم، عن شوقه للأيام التي كنا ننتظر فيها رسائلهم. ثم توقف فجأة. سألته: هل ناولك القلّة؟ رفعتها له، لكنه لم يأخذها… ولا عاد. مدّ أحمد يده إلى العنق البارد، وجسّ النبض الذي لم يعد ينبض. تنفّس بعمق، ثم قال وهو يوجّه الجسد نحو القبلة: لا حول ولا قوة إلا بالله.  جلست العجوز على الأرض كأن ساقيها خانتاها. قالت بصوتٍ محشرج: ماذا سأفعل الآن؟ تماسكي يا خالة، الناس لن يقصّروا… قاطعت كلامه ، وكأن شقًّا في روحها اتسع فجأة: أعرف… أعرف أن الناس لن يتركوني. لكني… توقفت. قال أحمد: لكنك ماذا؟ رفعت عينيها إليه، وكان فيهما شيء أكبر من الحزن، شيء أقرب إلى الهزيمة: لكني لم أودّعه… لم أودّعه كما يجب. لم أقل له ما يجب أن يُقال. لم أقل له إنه الرجل الذي حمل جوعي، وخوفي، وصبري، وكل سنواتي… ولم أعتذر له عن تقصيري، عن لحظاتي التي غبت فيها بقلبٍ مشغول أو عقلٍ تائه… ولم أقل له إنني كنت أخاف عليه أكثر مما كنت أظهر… كانت تبكي، لكنها تبكي صمتًا. دموع عجائز، دموع بطيئة، ساخنة، تشق طريقها بثقل الذكريات.  في تلك اللحظة، تسللت روح أبو محمد من أذنه اليمنى نحو كتفه. جلست فوقه كطائرٍ متردد، تنظر إلى زوجته وتقول في سرّها: يا امرأة… كل ذلك كنت أعرفه. كلّه وصلني من عينيك قبل أن يصل من لسانك. ثم تنهد: لكن لماذا الآن؟ ولماذا الدموع تأتي متأخرة دائمًا؟  أحمد لم يرَ الروح. لكنه رأى أثقالًا تلتف حول العجوز كأنها ثيابٌ لا تُخلع. قال لها محاولة أن يعيد بعض النظام للفوضى: سأتصل بالمغسّلة. وسآخذك إلى الداخل. لا يجوز أن تبقي واقفة.» هزّت رأسها طائعة، ومشت داخلة، تتقدم خطوات وتتعثر خطوات، كما لو كانت تسير فوق ذكرياتها لا فوق الأرض.  عندما دخلت إلى غرفة نومها، نظرت إلى السرير. ذلك السرير الذي شهد مشاجراتهما الصغيرة، ونكاتهما، ومرضه الأخير، وامتداد أعمارٍ كاملة. جلست على طرفه، ثم وضعت يدها فوق الوسادة التي كان ينام عليها. في تلك اللحظة غاصت في تيار وعيها كما يغوص غصنٌ يابس في ماءٍ ثقيل: لو أنني قلت له يوماً إني خائفة من الرحيل… لو أنني أمسكت بيده أكثر… لو أنني لم أخجل من بكائي أمامه… لو أنني حاولت أن أقنع الأولاد بأن يسألوا عنه أكثر… يا رب، كم من الفرص تضيع لأننا نظن أن الوقت طوي تخيلته وهو يبتسم لها تلك الابتسامة التي تشبه اعترافًا غير منطوق: يا امرأة، العمر لا ينتظر الذين يترددون ارتجفت. هل سمعته؟ أم أن خيالها صار مكبرًا لأصوات الماضي؟  خارج الغرفة، كان أحمد يتحدث إلى هاتفٍ لم يسمع بعد. كلماته متقطعة، صوته منخفض. أحيانًا يصرخ، وأحيانًا يهمس. كان يفكر في زوجته التي نامت دون أن تعرف أن الليل سيحمل لها صباحًا ثقيلًا. كان يفكر في نفسه أيضًا: لماذا يشعر بالحزن كأنه واحدٌ من أبناء الرجل؟ ولماذا تعلق بهذه الأسرة العجوز أكثر مما كان يتوقع؟ ثم تذكر: لأنهما منحاه شيئًا لم يمنحه له أحد… معاملة الابن الذي لم يولد لهما.  وبينما كان واقفًا عند الباب، جاءت الجارة الأخرى تحمل وعاء ماء ومنديلين أبيضين. قالت بصوتٍ حاسم: لازم نغسله قبل الفجر.» هزّ أحمد رأسه. لكن العجوز رفعت صوتها من داخل الغرفة: سأغسله أنا أولًا… أنا أعرف جسده كما تعرف النخل جذورها.» لم يعترض أحد.  دخلت عليه. الجسد المسجّى بدا ساكنًا كأنه قطعة من زمنٍ توقف. جلست إلى جانبه. مرت أصابعها فوق جبينه، ثم فوق لحيته القصيرة، ثم فوق يده اليمنى. شعرت بشيءٍ ما. حرارة خفيفة؟ أم وهمٌ صنعه حزنها؟ قالت بصوتٍ خافت: سامحني يا أبو محمد… لم أكن كما يجب. لم أكن السند الذي تستحقه. ضعفي هزّ البيت. وصمتي طوّل المسافات بيننا. لكني أحببتك… والله أحببتك، حتى وإن لم أقلها كل يوم. روح أبو محمد ارتعشت، واقتربت من كتفها، ولمست شعرها الأبيض، وقالت: يا امرأة، الحب الذي لا يُقال… يُرى. وقد رأيته. لكن العجوز لم تسمع.  جاء أحمد والمغسّلة وامرأة من الجيران. بدأت الطقوس. تلوّن الماء بلمعةٍ باهتة، وتحرك الجسد كأنه يستجيب لآخر نداءات الحياة. وقفت العجوز في الزاوية، تراقب، تردد داخلها: ها هو يغادرني. هذه هي اللحظة التي لطالما خفتها. كنت أظن أن الموت بعيد… وأن الحب يكفي ليؤجل الرحيل. ما أغباني! وحده الزمن لا يُؤجَّل  بعد أن انتهوا، خرجوا إلى الصالة. وقف أحمد قربها وسأل هل تريدين شيئًا يا خالة؟ ابتسمت ابتسامة منكسرة: أريد شيئًا واحدًا… لكني أعرف أنه لا يعود لم يعرف أحمد ماذا يقول. لكنه قال: الله أرحم به منا. أومأت دون أن تجيب.  عندما خرج أحمد ليحضر السيارة، بقيت وحدها مع الجسد المسجّى. جلست إلى جانبه، وقرّبت المروحة القديمة منه، كأنها تريد أن تمنحه آخر هبة هواء من حياته الماضية. قالت: هذه كانت لك… لم أدع أحدًا يلمسها. كنت أغضب إذا لعب بها الصغار. كنت أقول: هذه لزوجي، تردّ عنه حرَّ الصيف… واليوم، ها أنا أضعها أمامك، ليس لتبرد… بل لأتذكر أيامك. روح أبو محمد صمتت. ثم قالت بعد تأمّلٍ طويل: يا امرأة… ربما لم يكن للأشياء معنى إلا حين تُترك وراءنا.»  دخل الرجال، حملوا الجسد. وقفت العجوز، تلاحقه بعينين ممتلئتين حتى الحافة. وحين مرّ أمامها، رفعت يدها المرتعشة ولمسته لمسة أخيرة، كأنها تقول: اذهب… لكن خذني معك ولو بظلّك. لكن أحدًا لم يتحرك سوى الهواء.  خرجت إلى الشرفة الصغيرة عندما عاد الهدوء إلى البيت بعد الدفن. جلست. أدارت المروحة نحوها، رغم البرد المتسلل من الفجر. قالت في سرّها: هل تسمعني يا أبو محمد؟ الغرفة فارغة… لكن أذني اليمنى تؤلمني… كأن أحدًا يسكنها لم تعرف أن روحه كانت ما تزال هناك، جالسة قرب كتفها، تستمع، تحاول أن تبقى. وربما… ربما تبقى قليلًا. أو كثيرًا. أو إلى أن تتعود وحدتها الجديدة. وظلّت المروحة تدور… وتدور… كأنها تحرس الهواء الذي كان يتنفسه، وكأنها وحدها تعرف الحقيقة: لا أحد يغادر تمامًا. ولا أحد يبقى تمامًا.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال